كانت وظيفة الرسل جميعًا هي الدعوة إلى الله وإفراده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وقد وردت هذه الوظيفة على لسان كل رسول إلى قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢، وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بصيغتين مختلفتين ومدلوهما واحد، فقال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣، وقال: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٤. إن مدلول الصيغة الأولى: الأمر بعبادة الله، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد غيره، ومدلول الصيغة الثانية: النهي عن عبادة غير الله. فالقرآن الكريم دعا لعبادة الله ونهى عن عبادة غيره؛ لأن النفس البشرية بحاجة إلى
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٢٥. ٢ سورة الزخرف آية ٤٥. ٣ سورة هود آية ٥٠. ٤ سورة هود آية ٢.
[ ١٠٣ ]
النص القاطع على شطري هذه الحقيقة، فلم يكتفِ القرآن بالنهي الضمني المفهوم من الأمر الصريح على ما هو مقرر في علم الأصول من أن الأمر بالشيء نهى عن ضده الذي لا يجتمع معه، بل أتى بالنهي الصريح عن عبادة غير الله؛ لأن كثيرًا من الناس يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فيقعون في الشرك ويحسبون أنهم مسلمون.
وقد وصف الله بالعبودية أخص أوليائه ورسله وأنبيائه فقال في وصف الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ١، وقال عن نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورا﴾ ٢، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٣، وقال عن عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْه﴾ ٤، فجعل صفته العظمى أنه عبد لا كما يدعي أعداؤه النصارى من وصفه بالإلهية، وقد وصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته في عدة مواضع من كتابه، فقال في مقام إنزال الكتاب: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥ وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ٦، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب﴾ ٧، وقال في مقام الدعوة إلى الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوه﴾ ٨، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ ٩، وآيات كثيرة تبين أن الله وصف رسله في أشرف مقاماتهم بالعبودية وخاصة صفوتهم محمد ﷺ، فقد أمره ربه بالعبادة حتى يأتيه الأجل، قال
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٢٦. ٢ سورة الإسراء ٣. ٣ سورة ص آية ١٧. ٤ سورة الزخرف آية ٥٩. ٥ سورة البقرة آية ٢٣. ٦ سورة الفرقان آية ١. ٧ سورة الكهف آية ١. ٨ سورة الجن آية ١٩. ٩ سورة الإسراء آية ١.
[ ١٠٤ ]
تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١؛ وذلك لأن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد عبودية لله كلما ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن الخروج عن العبودية أكمل وأنه سقط عنه التكليف الشرعي أو عن غيره كالخضر أو الرسول، فهو جاهل ضال كافر، وذلك لأن الغاية الوحيدة التي خلق الله من أجلها الخلق وأحبها ورضيها لهم هي العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢، ومن لم يكن عابدًا لله فلا شك أنه واقع في عبودية غيره، لأنه لا بد أن يكون للقلب مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله محبوبه ومعبوده، كان غير الله له محبوبًا مرادًا، إما الصنم أو الشمس والقمر الكواكب، أو الملائكة والأنبياء والصالحين أو المال والجاه والسلطان، أو المبادئ والشعارات واللافتات اللا إسلامية، لما لها عليه من سلطان وقهر، ولما يعطيها من الخضوع والطاعة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطى رضي وإن لم يُعط لم يرض" ٣، فمن لم يكن عبدًا لله كان عبدًا لهواه ولما يهواه، لأن الرق والعبودية الحقيقية هو رق القلب وعبوديته٤.
_________________
(١) ١ سورة الحجر آية ٩٩. ٢ سورة الذاريات آية ٥٦. ٣ رواه البخاري في الجهاد ٧٠ وفي كتاب الرقاق. ٤ انظر كتاب العبودية ص٣٨ - ٩٩ ومدارج السالكين ١/١٠١ والتنبيهات السنية ص٧٥.
[ ١٠٥ ]