قلنا: إن لفظ الجلالة "الله" أصله "إله" فحذفت همزته وأدخل عليه الألف واللام فخص بالباري تعالى ولاختصاصه به سبحانه قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا﴾ ١، ولفظ الإله اسم من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، فهو اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة اسم لكل عام ثم غلبت على عام القحط، وغلب اسم البيت على الكعبة٢، فكل ما اتخذه المشركون معبودًا من دون الله، فهو إله عندهم وجمعه آلهة، والآلهة الأصنام سميت بذلك لاعتقاد المشركين أنها تستحق العبادة، وأسماؤها تتبع اعتقاداتهم فيها لا ما هي عليه في نفس الأمر وحقيقته٣، فكون هذه الأصنام أُطلق عليها اسم الآلهة، وعبدت من دون الله ﷿، لا
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ٦٥. ٢ انظر الكشاف ١/٣٦. ٣ انظر لسان العرب ١٣/٤٦٧.
[ ٨٠ ]
يغير من حقيقتها شيئًا وأنها مخلوقة، ولا تكون آلهة حقيقة لأن الإله الحق لا يكون معبودًا بحق حتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا له، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك كالأصنام وغيرها فليس بإله على الحقيقة، وإطلاقهم اسم الآلهة عليها، إنما هو من حيث المعاني والاعتقادات، ومن حيث أنهم خصوها ببعض صور العبادة التي هي حق الله تعالى، ومن حيث أنهم كانوا يرجون شفاعتها ويعتقدون فيها النفع والضر كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.. وغير ذلك مما كان من توابع الألوهية وهو حق محض لله تعالى، لأنه هو سبحانه المستحق لجميع صفات الكمال والمنزه عن جميع صفات النقص، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو تعالى، فعبادة غيره وحب غيره موجب للفساد كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢ ٣.
يقول ابن القيم ﵀ حول قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ ٤:
"ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة، فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى، فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها، وهذا كمن سمى قشور البصل لحمًا وأكلها فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزًا وأكله فيقال:
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية ٣. ٢ سورة الأنبياء آية ٢٢. ٣ انظر لسان العرب ١٣/٤٦٧ والتنبيهات السنية ص٤ ٤ سورة يوسف آية ٤٠.
[ ٨١ ]
ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية عن آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه، وما الحكمة ثَمَّ إلا مجرد الاسم"١.
_________________
(١) ١ التفسير القيم ص٤٨١.
[ ٨٢ ]