٤- معنى كلمة "العبادة"
أذكر تحت هذه الكلمة معنى كلمة العبادة ثم العبودية الخاصة والعامة ومعناهما والفرق بينهما، وأن الرسل جميعًا دعوا إلى عبادة الله، وما هي شروط صحة العبادة وأنواعها - باختصار.
أ- كلمة عبد تدل لغة على اللين والذل، وسمى المملوك عبدًا؛ لأن فيه معنى الذل والخضوع والطاعة لغيره، وكلمة العبد تطلق على الإنسان حرًّا كان أو رقيقًا على معنى أنه مربوب لباريه وذليلًا لمولاه.
ومعنى العبادة لغة على هذا الأصل: الطاعة مع الذل والخضوع والاستكانة. والتعبيد: التذليل، واستعباد الشخص وتعبيده أن يتخذ عبدًا، وفي القرآن أن موسى قال لفرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ١. أي اتخذتهم
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية ٢٢.
[ ٩٨ ]
عبيدًا لك، والطريق المعبد: هو المسلوك المذلل بكثرة الوطء عليه، قال طرفة بن العبد:
تُباري عتاقًا ناجياتٍ وأتبعت وظيفًا وظيفًا فوق موْر مُعبَّدِ١
وقيل كذلك للبعير: المبعد من جهة أنه مذلل بالركوب أو هو المهنؤ بالقطران لأن ذلك يذله٢.
قال الطبري في تفسير سورة الفاتحة عند قوله: ﴿إياك نعبد﴾: "وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستكين.. لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة" أ. هـ.
وفسر قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُون﴾ ٣ أي دائنون، وكل من دان لملك فهو عابد له، والعابد: الخاضع المستسلم المنقاد لأمره.
وقد عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الباطنة والظاهرة، أو هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل٤ وهذا تعريف جامع لكل عمل يقوم به العبد إذا أخلص فيه نيته لله تعالى.
والعبادة المأمور بها، يؤديها المسلم وهو ذليل خاضع لمولاه، مع حبه له، فهي
_________________
(١) ١ تباري: تسابق، والعتيق: الكريم، والناجيات: المسرعات، وعني بالوظيف: الخف. ٢ انظر معجم مقاييس اللغة ١/٢٠٦ وتاج العروس ٢/٤١٠ ولسان العرب ٣/٢٧٩ والمصباح المنير ٢/٣٧. والمخصص ١٣/٩٦ وتفسير الطبري في تفسير قوله: "إياك نعبد" من سورة الفاتحة. ٣ سورة المؤمنون آية ٤٧. ٤ انظر العبودية ص٣٨ - ٤٠ والتنبيهات السنية ص٧٥.
[ ٩٩ ]
تتضمن غاية الذل لله بغاية الحب له، وليس ذلك لأحد إلا لله تعالى، فمن خضع لإنسان وهو يبغضه لم يكن عابدًا له، ومن أحب إنسانًا ولم يخضع له، لا يسمى عابدًا له، فحب الرجل لولده وأهله لا يسمى عبادة لأنه حب طبيعي، وفي حق الله تعالى لا يكفي أحدهما منفردًا عن الآخر، فالخضوع الذي ليس فوقه خضوع والحب الذي ليس فوقه حب، هو حق لله وحده ولا يستحقه غيره؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، ٢.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٢٤. ٢ انظر العبودية ص٤٢ - ٤٥ ومدارج السالكين ١/٧٤ وإغاثة اللهفان ٢/١٣٣ والدين الخالص ١/١٨ والتنبيهات السنية ص٧٥.
[ ١٠٠ ]