نذكر فيما يلي أمثلة من أبرز آثار العقيدة على سبيل الاختصار فنبدؤها:
١- سحرة فرعون يقولون له بعد أن هددهم لما آمنوا بموسى ما قاله تعالى عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، ويصبرون للصلب والتقطيع حتى الموت، ونالوا الشهادة صابرين.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٧٢- ٧٣.
[ ٤٧ ]
٢- أصحاب الأخدود يلقون الموحدين في النار فيموتون فيها، حتى لا يكفروا وقد ذكرهم القرآن بالثناء عليهم وذم من عذبوهم فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ١.
٣- عندما استشار يهود بني قريظة أثناء الحصار أبا لبابة فأشار لهم بأنه الذبح قال: "والله مازالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ﷺ"، ثم انطلق إلى المسجد فربط نفسه بعموده حتى نزلت توبة الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
٤- عمير بن سعد في حجر زوج أمه جلاس بن سويد بن الصامت، فقال جلاس في حق رسول الله ﷺ كلمة نابية، فقال عمير: "يا جلاس، إنك لأحب الناس إليّ وأحسنه عندي يدًا، وأعزه أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت ليهلكن ديني ولأحدهما أيسر على من الآخر، ثم أخبر الرسول ﷺ"٣.
٥- الإمام أحمد بن حنبل -﵀- يطلب منه المأمون أن يقول بخلق القرآن فيرفض، فيسجنه ببغداد مقيدًا بالسلاسل، ويأتي المعتصم بعد المأمون فيزيد البلاء بالضرب والسحب ويتناوب عليه الجلادون وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين: دمه في عنقي ليغريه بقتله، ولا يزيد الإمام أحمد
_________________
(١) ١ سورة البروج آية ٨-١١. ٢ انظر سيرة ابن هشام ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦ وبين العقيدة والقيادة ص ١٨٥. ٣ انظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٤١ وبين العقيدة والقيادة ص ١٦٣.
[ ٤٨ ]
على قوله: "أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ"، ويبقي في السجن ثلاثين شهرًا يقاوم السلطان، حتى انتصر ﵀ عليهم بغير جيش ولا سلاح، إلا سلاح الإيمان والصبر والتمسك بالعقيدة الصحيحة، فكانت فتنته -﵀- نهاية لهذا المذهب، فمن زمانه دفنت هذه العقيدة في بطون الكتب فأصبح حب أحمد شعار أهل السنة١.
٦- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحاسب غازان التتري رابع ملك مسلم من التتار الذي احتل دمشق حتى شرد أهلها وبقي شيخ الإسلام بفئة قليلة فخرج إليه وقال له: "أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمام ومؤذن، فعلام تغزو بلادنا؟ أبوك وجدودك كانوا كافرين وما ؤغزونا بعد أن عاهدونا وأنت عاهدت فغدرت".
ولما قدم له غازان الطعام رفض أكله قائلًا: "نهبتم أغنام الناس وطبختموها بأشجار الناس".. ودار بينه وبين غازان جدال طويل لم يخش فيه سلطانه وهيبته٣.
_________________
(١) ١ أحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا لعبد الجواد الدومي ص ١١٨ إلى ص ١٣٨. ٢ ابن تيمية "حياته وعصره أراؤه وفقهه" لمحمد أبي زهرة ص٣٦ - ص٤٠.
[ ٤٩ ]