أ- ضرب الله تعالى مثلًا لنفسه ولما يعبد من دونه بعدم قبول المشركين إشراك عبيدهم في ما يخصهم، فكيف يقبلون ذلك لله تعالى؟
[ ١٦٤ ]
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
بين ﷾ أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فما الذين فضلهم الله بالرزق على غيرهم بمشركي غيرهم، وهم المماليك فيما رزقوا من الأموال والأزواج حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، فلا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقوا سواء، بينما هم قد جعلوا مخلوقات الله شركاء له في ملكه وعبادته.
وقد أجمع المفسرون على أن المثل في هذه الآية هو نفس المثل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا﴾، ولذلك جعلت الكلام عنهما معًا٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟ "٤.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٧١. ٢ سورة الروم آية ٢٨. ٣ انظر تفسير الطبري ١٤/١٤٢ و٢١/٣٨ والبحر المحيط ٥/٥١٤ وتفسير القرطبي ١٠/١٤١ و١٤/٢٣ وتفسير ابن كثير ٣/٤٣١ والكشاف ٢/٤١٩. ٤ الفتاوى ١/١٥٦.
[ ١٦٥ ]
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم من ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ "١، انتهى باختصار.
ب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
هذان مثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: "ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه"٣.
والمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية، فكيف تشركون بالله وتسوون به من
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ١/١٥٩. ٢ سورة النحل آية ٧٥- ٧٦. ٣ الطبري ٤٨/١٤ والبحر المحيط ٥/٥١٨.
[ ١٦٦ ]
هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف، وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره..
والمثل الثاني كذلك مضروب لله ولما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًّا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كَلٌّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يفهم ولا يُفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق ويدعو إليه؟ فإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق، وبه قال قتادة ومجاهد١، وكذلك قال به ابن القيم، وبين أن هذين المثلين أوضح عند المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك٢.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٤/١٥٠ وتفسير القرطبي ١٤/١٤٩ والكشاف ٢/٤٢١. ٢ انظر إعلام الموقعين ١/١٦١- ١٦٢.
[ ١٦٧ ]