ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه بحيث يكمل بعضها بعضًا وقدر كل شيء فيه تقديرًا، هو الله الواحد الأحد، ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها دليل العناية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء ٣١-٣٣. ٢ سورة الحجر ١٩-٢٢.
[ ١٤٧ ]
سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ١.
هذه الآيات القرآنية التي ذكرناها وآيات أخرى كثيرة تلفت نظر الإنسان لما في هذا الكون من التنظيم الدقيق والتناسق بين أجزاء الكون أقصى غايات الدقة والإتقان ليدل دلالة قاطعة على العناية التامة بهذا الكون وما فيه، وأن إلهًا واحدًا قادرًا هو الذي نظم كل ما فيه أحسن تنظيم٢.
إنه لا يوجد أي شيء في الكون إلا في محله المناسب وبالقدر المناسب، فكل ما فيه في غاية الحكمة والعناية والإتقان، والناظر لهذا الإتقان العجيب والتنظيم المدهش في كل شيء في الأرض وفي السماء وما بينهما -بحيث أن أي تغيير فيه يؤدي إلى الخلل والفساد؛ لا يسعه إلا أن يؤمن بوحدانية الله تعالى.
إننا لو سألنا عالم الفلك فإنه يبين لنا من دقائق الحسابات الفلكية وتنظيم الكواكب وأحجامها وأبعادها ما يحير العقول.
ولو سألنا عالم التشريح عن جسم الإنسان، وعالم الحيوان عن أنواع الحيوان الطائر والسابح والماشي والزاحف بأشكاله وألوانه وخواصه ومعيشته وغرائبه؛ لأسلمنا ذلك بلا شك إلى وحدانية الله.
ولو سألنا عالم النبات عن أنواعه وثماره وأوراقه وطعومه وخواصه لأجابنا بما يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله.
ولو نظرنا إلى التنظيم الدقيق في الأرض ببجرها ويابسها وجبالها وأغوارها وسهولها
_________________
(١) ١ سورة النبأ آية ٦-١٦. ٢ انظر تلبيس الجهمية ١/١٧٤.
[ ١٤٨ ]
وصخورها ورمالها ومعادنها وينابيعها وأنهارها وطبقاتها، لأدى بنا ذلك إلى الاعتراف بوحدانية الله.
إن العقل السليم يرفض رفضًا تامًّا أن يكون أي ترتيب وتنظيم لشيء ما حدث بصورة عفوية وبطريق الصدفة، فلو دخلنا دارًا أو محلًّا تجاريًّا منظمًا لأدى بنا النظر لأول وهلة إلى أن منظمًا نظم هذه الدار وهذا المحل، فكيف بهذا الكون المنظم كل شيء فيه أحسن تنظيم؟
[ ١٤٩ ]