قال به "دور كايم"، والتوتم عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة
[ ٥١ ]
هذا التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر.
وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا وعندها يحرم أكله وقتله.
وقد رد كل من "لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشمت" على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا وإن كان رمزًا لها١.
هذا هو ملخص أقوال أصحاب المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة العقيدة الدينية، واعتقد كل فريق منهم أن تفسيره هو الصحيح وأن باقي المذاهب الأخرى تابعة من حيث الزمن لمذهبه، وأخذ يرد على مذاهب غيره ويبطل صحتها، ولكنهم جميعًا متفقون على أن العقيدة الدينية من إنتاج البشر وتخيلاتهم، وأن تعدد الآلهة هو الأصل وأن التوحيد مرحلة متأخرة جدًّا، وذلك بعد أن أخذت الأمم تترقى في عقائدها وتقلل من عدد المعبودات، وكانت الأمة الغالبة في الحرب تخضع إله الأمة المغلوبة لإلهها، وهكذا حتى انتهى عدد الآلهة لإلهين، ثم آل الأمر إلى الاعتقاد بوحدانية الإله، إذن فالتوحيد حادث ومتطور عن التعدد.
وقد تأثر كثير من الكتاب المعاصرين بهذه الفكرة التطورية وألفوا مؤلفات - إما عن خبث وإما عن جهالة وانخداع- يؤيدون فيها فكرة التطور هذه، ومن هؤلاء الكتاب عباس محمود العقاد، ويظهر ذلك واضحًا في كتابه الذي سماه الله، فقد افتتح الكتاب بالعبارة التالية:
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١٥٩- ١٦٥ ونشأة الدين للنشار ص١٠٠ - ص١٧٤.
[ ٥٢ ]
"ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلوم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات.." ١.
وكتابه كله ينم عن تأييده لفكرة التطور، وهو وإن كان لا يرجح مذهبًا بعينه من المذاهب التطورية، إلا أنه لا يمانع أن تكون التفسيرات التطورية كلها أسبابًا مختلفة لنشأة العقيدة الدينية، فهو يقول في كتابه:
"وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضًا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره، ومسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معًا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة لا عن فرض واحد، فنحن لا نهمل سببًا يخطر على البال.." ٢ انتهى باختصار.
ويعتقد العقاد أن عبادة الشمس هي أرقى مرحلة توصل إليها العقل البشري، وأنها هي المرحلة السابقة لمرحلة التوحيد مستدلًا بقصة إبراهيم فيقول:
"وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية واستعدت بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات.. فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة.. ولنا أن نقول إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد" ٣ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ موسوعة العقاد ١/٢٥. ٢ موسوعة العقاد ١/٣٦- ٣٧. ٣ موسوعة العقاد ١/٤٣- ٥٢.
[ ٥٣ ]
ويعتبر أن العرب مروا بهذه الأطوار، ثم يختم بحثه بقوله:
"فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه.. هذا التاريخ الطويل هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد" ١ انتهى باختصار.
ويعتبر العقاد أن التوحيد ليس نهاية التطور؛ حيث يقول عن العقل: "فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه" ٢، فعلى رأيه هذا سيكون هناك مرحلة بعد مرحلة التوحيد.
ثم تَبِعَت العقاد في ذلك ثريا منقوش في كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي" تؤيد فيه آراء العقاد وتزيد عليها حيث تقول:
"فتاريخ التوحيد ليس سوى تتابع لمختلف التطورات التي حدثت في تاريخ الفكر العقائدي، ابتداء بالكثرة الكثيرة إلى التعدد الثلاثي ثم إلى الوحدانية المتجسدة ممثلة بإله سماوي أي طبيعي مرئي ثم بمفهوم للواحد مجرد كلي القدرة والفعالية.." ٣.
وتَعتبر أن الظروف المختلفة في الجزيرة واليمن أدت إلى فكرة التوحيد، وأن اليهود أخذوا التوحيد من السبأيين، وتأثر المسلمون باليهود فقالوا بعقيدة التوحيد، فهي تقول في ذلك:
"لقد دفع اليمنيون التوحيد القومي إلى شمال الجزيرة واحتضنه اليهود وأضافوا عليه مفاهيم ذلك العصر الفلسفية التجريدية ونقلوه بدروهم إلى الفكر الديني الذي يليهم وبخاصة الإسلام.."٤ انتهى بلفظه.
وسنعرض فيما يلي الأسباب التي دفعت الكثيرين للقول بفكرة التطور.
_________________
(١) ١ موسوعة العقائد ١/٤٥ - ٥٣. ٢ موسوعة العقاد ١/٥٣. ٣ التوحيد في تطوره التاريخي لثريا منقوش ص٩١. ٤ التوحيد في تطوره التاريخي ص١٢٦. وانظر ص٩٢ من نفس المصدر.
[ ٥٤ ]