أ- ضرب الله ﷾ مثلًا لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
يبين ﷾ في هذا المثل أن البلد الطيبة تربته، العذبة مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة ومشاربه مالحة يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، لأن قلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان ففاض بالنكد والشر والفساد٢.
وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث فقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون، كذا قاله السدي٤.
وقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ فقد روى البخاري في كتاب
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٥٨. ٢ انظر تفسير الطبري ٨/٢١١ وتفسير القرطبي ٧/٢٣١ وتفسير ابن كثير ٢/٢٢٢. ٣ سورة الأنفال آية ٣٧. ٤ انظر تفسير الطبري ٩/٣٤٦ وتفسير القرطبي ٧/٤٠١ وتفسير الكشاف ٢/١٥٧.
[ ١٧٧ ]
العلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به".
وهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه.
ب- وضرب الله ﷾ مثلًا آخر للقلب الذي يريد أن يهديه وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
يبين تعالى أن من أراد الله هدايته للإيمان به وبرسول الله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعرفته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له، ويتلقاه صدره بالقبول. ومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه، والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا يدخله الإيمان وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾: الصعود هو الطلوع إلى أعلى، فشبه الله تعالى الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٢٥.
[ ١٧٨ ]
من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق، لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة.
قال ابن جريج: "حرجًا بلا إله إلا الله فلا يجد لها في صدره مساغًا"١، وقال الطبري: "وهذا مثل من الله تعالى ذكره ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأن ذلك ليس في وسعه"٣.
_________________
(١) ١، ٢ تفسير الطبري ٨/٢٩ وانظر تفسير القرطبي ٧/٨١ وتفسير ابن كثير ٢/١٧٥ وتفسير الكشاف ٢/٤٩. ٣ سورة الأنعام آية ٣٦.
[ ١٧٩ ]