ضرب الله ﷾ مثل المؤمن الموحد بالحي والسميع والبصير وهو في النور والظل وبمن يمشي سويًّا، وضرب مثل الكافر بالميت والأصم والأبكم والأعمى وهو في الظلمات والحرور وبمن يمشي مكبًّا على وجهه وهو كالأنعام.
وهذه في الحقيقة عدة أمثال، لكن لارتباطها ببعضها وصعوبة تمييزها عن بعضها، ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولًا كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور:
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا
_________________
(١) ١سورة الأنعام آية ٣٦. ٢ سورة الأنعام آية ٣٩. ٣ سورة الأنعام آية ٥٠. ٤ سورة الأنعام آية ١٢٢.
[ ١٧٩ ]
يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٥، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٦، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٧، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٨، ويقول تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ٩.
لقد شبه الله ﷾ المؤمن بالحي وشبه الكافر بالميت من حيث أن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل بالله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٧٩. ٢ سورة هود آية ٢٤. ٣ سورة الرعد آية ١٦. ٤ سورة الرعد آية ١٩. ٥ سورة النمل آية ٨٠ والروم آية ٥٢. ٦ سورة فاطر آية ١٩ - ٢٢. ٧ سورة غافر آية ٥٨ وفاطر آية ١٩. ٨ سورة الملك آية ٢٢.
(٢) سورة المدثر آية ٤٩- ٥١.
[ ١٨٠ ]
تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة"٥.
وشبه الله ﷾ الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب، وهم في شدة نفورهم من الإيمان وفرارهم عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: "الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه"٦ ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام لأنها تتبع قائدها وتهتدي للطريق، وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه، فتجتنب الأول وتؤثر الثاني، والله تعالى لم يعطِ البهائم قلوبًا تفقه بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به، فصاروا أضل من البهائم؛ لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط ٦/١١٨ و٧/٣١٨ وتفسير ابن كثير ١/١٣٠ وتفسير القرطبي ١٤/٣٣٩. ٢ الفتاوى ١٩/٩٤. ٣ انظر تفسير الطبري ٩/١٣١ وتفسير القرطبي ٧/٣٢٤ وتفسير الكشاف ٤/١٨٨.
[ ١٨١ ]
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت وتوطأت عليه"١.
وكذلك شبه الله تعالى المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.
فعن ابن عباس ومجاهد: أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر، وأن السميع البصير هو المؤمن لعدم إبصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: "هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره"٢.
قال ابن القيم ﵀: "وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين ١/١٦٤ وانظر كذلك ص١٥٠. ٢ انظر تفسير الطبري ٧/١٨٦ وص ١٩٩ و١٣/١٣٢ و٢١/٥٥ و٢٢/١٢٨، وانظر البحر المحيط ٤/١٣٤ و٥/٣٧٩ وانظر تفسير القرطبي ٩/٣٠٣ و١٤/٣٣٩ وتفسير ابن كثير ٣/٥٥٢ والكشاف ٢/٣٥٥ و٣/٣٠٦. ٣ أعلام الموقعين ١/١٥٠.
[ ١٨٢ ]
وشبه الله ﷾ المؤمن بمن يمشي سويًّا معتدلًا على طريق مضاء مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًّا على وجهه وفي ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أن هذا مثل للمؤمن والكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع، والنور والظل، وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور"٢.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٧/١٩٠ و٨/٢٢ و٢٩/٩ وتفسير القرطبي ٦/٤٢٢ و٧/٧٨ و١٨/٢١٩ والكشاف ٢/٤٨ و٤/١٣٩ والبحر المحيط ٤/ ١٢٢ و٤/ ٢١٤ وتفسير ابن كثير ٢/ ١٣١ و٤/ ٣٩٩. ٢ الفتاوى ١٤/٥٤.
[ ١٨٣ ]