في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى
١ - النهي عن سب الصحابة:
من أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ - كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
وطاعة لرسول الله - ﷺ - في قوله: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» .
ويتبرءون من طريقة الرافضة والخوارج الذين يسبون الصحابة - ﵃ - ويبغضونَهم، ويجحدونَ فضائلهم، ويكفرون أكثرهم.
وأهل السنة يقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم، ويعتقدون أنهم خير القرون، كما قال النبي - ﷺ -: «خيركم قرني » الحديث.
ولما ذكر - ﷺ - افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأنها في النار إلا
[ ١٧١ ]
واحدة، وسألوه عن تلك الواحدة، قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
قال أبو زرعة - وهو أجلّ شيوخ الإمام مسلم -: إذا رأيت الرجل يتنقص امرأ من الصحابة؛ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة؛ فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسُّنَّة؛ فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق.
قال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: من سَبَّ أحدًا من الصحابة مُستحلًا كفر، وإن لم يستحلّ فسق، وعنه: يكفر مطلقًا، ومن فَسَّقهم، أو طعن في دينهم، أو كفَّرهم كفر.
٢ - النهي عن سب أئمة الهدى من علماء هذه الأمة:
يلي الصحابة في الفضيلة والكرامة والمنزلة: أئمة الهدى من التابعين وأتباعهم من القرون المفضلة، ومن جاء من بعدهم ممن تبع الصحابة بإحسان، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . . الآية [التوبة: ١٠٠] .
[ ١٧٢ ]
فلا يجوزُ تنقّصهم وسبّهم؛ لأنهم أعلام هدى، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
قال شارح الطحاوية: (فيجبُ على كل مسلم بعد مُوالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما أطلق القرآن، خصوصًا الذين هُم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمعَ المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
فإنهم خُلفاء الرسول - ﷺ - في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقًا يقينًا على وجوب اتباع الرسول - ﷺ - ولكن: إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر) .
وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي - ﷺ - قاله.
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده أن الحكم منسوخ.
فلهم الفضل علينا والمنة؛ بالسبق وتبليغ ما أرسل به الرسول - ﷺ - إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
[ ١٧٣ ]
والحطّ من قدر العلماء بسبب وقوع الخطأ الاجتهادي من بعضهم هو من طريقة المبتدعة، ومن مُخططات أعداء الأمة؛ للتشكيك في دين الإسلام، ولإيقاع العداوة بين المسلمين، ولأجل فصل خلف الأمة عن سلفها، وبثّ الفرقة بين الشباب والعلماء، كما هو الواقع الآن، فليتنبه لذلك بعض الطلبة المبتدئين؛ الذين يحطون من قدر الفقهاء؛ ومن قدر الفقه الإسلامي، ويزهدون في دراسته، والانتفاع بما فيه من حق وصواب، فليعتزوا بفقههم، وليحترموا علماءهم؛ ولا ينخدعوا بالدعايات المضللة والمغرضة. والله الموفق.
[ ١٧٤ ]