ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، ويُنكرون عليهم بدعهم، ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
(أ) «عن أم الدرداء قالت: (دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقُلتُ له: ما لكَ؟ فقال: والله ما أعرفُ فيهم شيئًا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعًا» .
(ب) «عن عمر بن يحيى قال: (سمعتُ أبي يُحَدِّثُ عن أبيه قال: كنا نجلسُ على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرجَ عليكُم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خَرجَ، فلما خرجَ قُمنا إليه جميعًا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرتُهُ، ولم أرَ - والحمد لله - إلا خيرًا، قال: وما هو؟ قال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقولُ: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول:»
[ ١٨٧ ]
«هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبّحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ فقال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتَهُم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟
ثم مضى ومضينا معه؛ حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد، أو مُفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يُصيبه! إنّ رسول الله - ﷺ - حدثنا أن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايمُ الله لا أدري لعل أكثرهم مِنكُم. ثم تولَّى عنهم. فقالَ عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يومَ النهروان مع الخوارج» .
(ج) جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس - ﵀ - فقال: من أين أُحْرِمُ؟ فقال: من الميقات الذي وَقَّتَ رسول الله - ﷺ - وأحرم منه، فقال
[ ١٨٨ ]
الرجل: فإن أحرمتُ من أبعد منه، فقال مالك: لا أرى ذلك، فقالَ: ما تكرهُ من ذلك، قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقالَ مالك: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
وأي فتنة أعظم من أنك خُصِّصْتَ بفضل لم يُختَصّ به رسولُ الله - ﷺ -؟ !
هذا نموذج، ولا زال العلماءُ يُنكرونَ على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
٢ - منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع:
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألَّفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردُّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبًا خاصّة في ذلك، كما ألَّفَ الإمام أحمد كتاب الرد على الجهمية، وألف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن
[ ١٨٩ ]