الحَمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ التَّوحِيد، والصَّلاة والسَّلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأَصحابه، ومن تبعهم بإِحسان إِلى يوم الدين.
أَمَّا بعد: فإِن العلاَّمة أَبا محمد ابن أَبي زيد القيرواني (١): عبد الله بن أَبي زيد عبد الرحمن النَّفْزِي - بالزاي المعجمة- وقيل: النَّفْزَاوي، نسبة إلى قبيلة من قبائل إِفريقية البربرية.
_________________
(١) ترجمته - رحمه الله تعالى- مبسوطة في كتب التراجم والسير للمالكية وغيرهم كما في ترجمته المطولة في مقدمة تحقيق: الرسالة الفقهية. طبع دار الغرب ١٤٠٦ هـ (ص/ ٩ - ٦٢)، وتحقيق كتاب "العمر" بالترجمة: رقم/ ١٧٦. وترجمته للشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة أَمين عام مجمع الفقه الإِسلامي بجدة المنشورة في بعض الدوريات. فما ها هنا عن ابن أَبي زيد، ورسالته مُحصَّل مما هنالك.
[ ٥ ]
وقيل: بل إِلى "نَفْزَة" من بلاد الأَندلس، القيرواني المالكي، المولود سنة ٣١٠ هـ، والمتوفى بها سنة ٣٨٦ هـ على الصحيح عن "٧٦" عامًا - رحمه الله تعالى- كان من وجوه أَهل العلم ورفعائهم، مَعْنِيًّا بلزوم السنة والأَثر، والرد على أَهل الأَهواء والبدع، وبخاصة العبيديين، والطرقية؛ ولهذا، ولعلمه، وصرعه، ونبوغه في المذهب المالكي لا سيما في كتابه العُجاب: "النَّوادر والزيادات"، والذي هو الآن قيد التحقيق في "تونس" - كان يُلَقَّبُ بمالك الصغير.
وهو وطبقته آخر المتقدمين، وأَول المتأَخرين منهم.
وكان - رحمه الله تعالى- عالمًا، فقيهًا، ورعًا، كريمًا، مُمَدَّحًا، ثريًا، عالي الهمة، سَرِيَّا. وحصلت له إِمامة المالكية بل أَهل السنة كافة في المغرب في زمانه.
وكان عالي الإِسناد، معنيًا بلقاء الشيوخ والأَخذ عنهم واستجازتهم غربًا، وشرقًا، لا سيما في رحلته الحجازية لأَداء فريضة حج بيت الله الحرام، ولهذا احْتَوَشَهُ الطلاب، وكثر عنه الآخذون، وصار طلب العلم وتعليمه: صنعته،
[ ٦ ]
وتدريسه: حرفته، فشهد درسه الكبار، وتخرج به الأَقران، وأَلحق الأَحفاد بالأَجداد.
وكان له في التأْليف رِيَادَةٌ، وفي صنعته عناية، وعلى عبارته حلاوة وطلاوة.
وقد بلغت مؤلفاته نحو أَربعين مؤلفًا، في التفسير، والحديث، والفقه، والرد على المخالفين.
وكان أَول مؤلفاته: "الرسالة" ولهذا قالوا: "هي باكورة السَّعْدِ، وزبدة المذهب"، وقد كتبها استجابة لرغبة بَلَدِيِّهِ، مُؤَدِّبِ الصِّبْيَةِ، ومعلمهم القرآن الكريم: أَبي محفوظ مُحْرَز بن خلف البكري التونسي المالكي، المولود سنة ٣٤٠ هـ.
والمتوفى سنة ٤١٣ هـ.
وقيل: بل إِن الذي طلب منه تأْليفها هو: السَّبَائي: إِبراهيم بن محمد، فالله أَعلم.
وهي أَول مختصر في مذهب المالكية.
وهي أَيضًا: أَول كتاب طبع لابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- ولها طبعات كثيرة في: فاس، والقاهرة، وتونس،
[ ٧ ]
ولندن، وباريس، إِذ ترجمت إِلى اللغتين: الِإنكليزية، والفرنسية.
وهي تنتظم أَبواب الشريعة في: التوحيد، والفقه، والآداب، وقد حوت نحو أَربعة آلاف مسأَلة.
وقد اعتمدها المالكية شرقًا وغربًا، وعكفوا عليها: دراسة، وتدريسًا، وتلقينًا، وحفظًا، وشرحًا، ونظمًا؛ حتى بلغت شروحها نحو ثلاثين، بل قال زَرُّوق، المتوفى سنة ٨٩٩ هـ - رحمه الله تعالى- في شرحه لها: (١/ ٣): "حتى لَقَدْ ذُكر أَنها منذ وجدت حتى الآن، يَخْرج لها في كل سنة شرح وتبيان".
فتكون شروحها والبيانات عنها بالمئات حتى أَن علي ابن محمد بن خلف المُنُوفي المتوفى سنة ٩٣٩ هـ له ستة شروح على الرسالة.
ولشدة الحفاوة بها كتبت بالذهب، وبيعت أَول نسخة منها في حلقة شيخه بالِإجازة، شيخ المالكية ببغداد: أَبي بكر محمد بن عبد الله التميمي الأَبهَري، المُتوفَّى سنة
[ ٨ ]
٣٧٥ هـ -رحمه الله تعالى- بيعت بعشرين دينارًا ذهبًا.
ولشدة الحفاوة بها أَيضًا، كان أَخذ التلاميذ لها عن الأَشياخ بالِإسناد والاجازة إلى مؤلفها، وأَسانيدُها مثبتة في الأَثبات، والمشيخات، والفهارس حتى عصرنا.
وكان أَول شروحها لتلميذه: أَبي بكر محمد بن مَوْهَب المقبري، المتوفى سنة ٤٠٦ هـ -رحمه الله تعالى-.
وقيل: بل أَول شارح لها هو: القاضي عبد الوَهَّاب بن نصر المالكي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ رحمه الله تعالى-. وقد بيعت أَول نسخة من شرحه لها بمائة مثقال ذهبا.
وهذان الشرحان يلتقيان مع ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- على طريقة السلف كما يفيده نقل ابن القيم عنهما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية".
وأمَّا جُل الشُّروح المطبوعة كشرح زَوُّوق، والعدوي، وابن ناجي، وابن غنيم، وغيرهم فهي على طريقة الخلف في شرح المقدمة، والله المستعان.
وَلاَ يُسْتَنكَرُ هذا؛ فإِن المذهب ينتسب إِليه طوائف
[ ٩ ]
مخالفون لصاحب المذهب في كثير من مسائل الاعتقاد، كما حصل في المنتسبين إِلى الأَئمة الأَربعة، ومن أَمثلة ذلك كتاب "الفقه الأَكبر" المنسوب إِلى أَبي حنيفة - رحمه الله تعالى- فقد شرحه أَبو منصور الماتريدي، وغيره فمشوا فيه على التأْويل. والله المستعان (١).
وتناولها علماء آخرون بالنظم، منها نظم في تسعين بيتًا لمقدمة الرسالة في: "الاعتقاد" للشيخ أَحمد بن مشرف المالكي الأَحسائي، المتوفى سنة ١٢٨٥هـ - رحمه الله تعالى-. طبعته جامعة الِإمام محمد بن سعود الِإسلامية عام ١٣٩٦ هـ.
ومن قَبْلُ أَفرد المقدمة الخَفَّافُ المالكي وغيره- رحم الله الجميع-.
ومقدمة هذه الرسالة على وجازتها، حاوية لأَصول الاعتقاد في الإِسلام على طريقة سلف هذه الأُمة، وخيارها
_________________
(١) انظر: "شرح العقيدة الطحاوية": (ص/ ٣٢٣). "مختصر العلو": (ص / ١٣٦ - ١٣٧).
[ ١٠ ]
من الصحابة -﵃- فمن بعدهم: في بيان حقيقة الِإيمان وأَركانه الستة، وتقرير توحيد الله -سبحانه- في أَسمائه، وصفاته، كالاستواء، وإثباتها على حقيقتها، وتفويض كيفيتها، إِثباتًا من غير تفويض للحقيقة، ولا تشبيه، ولاتمثيل، ولا تعطيل. فرحم الله هذا الحبر رحمة واسعة، آمين.
وقد رأَيتها في مطلع هذا العام ١٤١٤ هـ. منشورة مفردة باسم: "العقيدة الِإسلامية التي يُنَشَّاُ عليها الصِّغار" للِإمام ابن أَبي زيد القيرواني. وُلد سنة ٣١٠ هـ، وتُوفي سنة ٣٨٦ - رحمه الله تعالى - اعتنى به: عبد الفتاح أَبو غدة.
الناشر: مكتب المطبوعات الِإسلامية بحلب".
فرأَيت هذا "المُعْتَنِي بِهَا" قد تناولها بقلم غير قلم ابن أَبي زيد، وبعقيدة تخالف عقيدته، فَوَظَّفَ التحريف بما سَوَّلَتْ له نَفْسُهُ في نَصِّ هذه العقيدة ومعناها فَفَتَح فيها ثُلَما، وَغَشَّاها من عقيدة التفويض والتحريف مَا غَشَّى، تفريطًا في الحق وهو بين يديه، وتعديًا على الخلق وهو بين
[ ١١ ]
أَيديهم، فصار واجبًا عَلَى مَنْ عَلِمَ: كشف تلك الدسائس.
ودفع هذا التعدي البائس، نصرة لعقيدة أَهل السنة وأَهلها، وحماية لعقائدهم من دخولات المخالفين لها؛ وليحذر المسلمون من تسليم أَولادهم لمن يتمسح بمعتقدهم، وحقيقته استدراجهم إِلى فاسد مشربه، وفتح باب الأَهواء، والمُشَاقَّةِ في صُفُوفِهم، نعوذ بالله من الهوى وأَهله. وإليك البيان:
[ ١٢ ]