* ورأَيته في تعليقاته على هذه المقدمة في التوحيد قد قلبها من عقيدة السَّلف إِلى عقيدة خلفية، تحمل: الِإرجاء، والتفويض، والتأْويل، وَحَمْلَ نصوص الصفات على المتشابه:
فَحَوَّلَ الِإيمان، من حقيقته الشرعية: قول، واعتقاد، وعمل، إِلى عقيدة "الِإرجاء"؛ إِذ أَخرج "الأَعمال" عن حقيقة الِإيمان، ومسماه، وَلبَّس في العبارة كما في تعليقته رقم/٢، (ص/٢٤).
وقد بينت ما في هذا القول الفاسد من الجناية على الإِسلام، وعلى المسلمين، وذلك في كتاب: "تحريف النصوص من مآخذ أَهل الأَهواء في الاستدلال".
* وَحَوَّلَ ما قرره ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- من أَن الله -سبحانه- فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه، خلق الِإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه على العرش استوى، وعلى الملك احتوى ، حَوَّلَّهُ إِلى
[ ١٨ ]
عقيدة التفويض بثلاث تعليقات:
التعليقة الأَولى: رقم/ ٢، (ص/ ٢٦)، والتعليقة الثانية: رقم/ ١، (ص ٢٧)، والتعليقة الثالثة: رقم/١، (ص/٣١)، كلها تعليقات تدور على نفي ما نطق به الوحيان الشريفان من استواء الله -سبحانه- على عرشه، استواء حقيقيًا يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. وإِليك البيان:
١ - قال في التعليقة الأَولى: رقم/ ٢، (ص/ ٢٦): لفظة: "بذاته" لم ترد في الكتاب والسنة ولا في كلام الصحابة -﵃- قال الحافظ الذهبي في كتاب: "العلو": (ص/ ١٧٢) عند ذكرها في كلام ابن أَبي زيد هنا: (وقد نقموا على ابن أَبي زيد في قوله: "بذاته" فليته تركها).
إِلى آخر ما نقله عن الذهبي -رحمه الله تعالى- في ذلك من كتابه: "سير أَعلام النبلاء" في موضعين منه.
وهنا ينبغي أَن يقف المسلم على الحقائق الآتية:
[ ١٩ ]
* الحقيقة الأُولى:
أَنه مازال أَمر المسلمين جاريًا على الإِسلام والسنة من لدن الصحابة من المهاجرين والأَنصار -﵃- إِلى من بعدهم من التابعين لهم بإحسان ما تتابعوا، يؤمنون بصفات الله -تعالى- التي نَطَقَ بها الوحيان الشريفان، فَتُمَرُّ كما جاءت وتثبت على ظاهرها بأَلفاظها، وتثبت دلالة أَلفاظها على حقائقها، ومعانيها، وتعيين المراد منها على ما يليق باللهِ -﵎- وذلك كالقول في الذات سواء، مع تفويض الكيفية، ونفي الشبيه والمثال، والتنزيه عن التعطيل.
وهذا مُوجَبُ النصوص، والعقول، وفِطَر الخلائق السليمة. وكانت الحال كذلك في صدر الأُمة في أُمور التوحيد كافة لا يشوبهم في ذلك شائبة.
ولهذا لا ترى في هذه الحقبة الزمنية المباركة تآليف في تقرير التوحيد.
[ ٢٠ ]
* الحقيقة الثانية:
أَنه لما وقعت في الأُمة بذور البدع في الِإرجاء، والقدر، والتشيع، والتأْويل، والتفويض قابلها السلف عن قوس واحدة بالرد، والِإنكار، وصاحوا بهم من جميع الأَقطار، فتميزت جماعة المسلمين المنابذين لهذه الأَهواء باسم: السلف، وأَهل السنة، وأَهل السنة والجماعة، وأَهل الحديث. وانحازت الأَهواء في رؤوس أَصحابها يُعْرَفُونَ بأَلقابهم التي تفصلهم عن جماعة المسلمين: شيعة، رافضة، قدرية، مرجئة، مؤولة، مفوضة، جهمية، معتزلة، ماتريدية، أَشعرية
* الحقيقة الثالثة:
أَن القيام بهذا الواجب الِإيماني العظيم من أَهل السنة والجماعة في الرد على أَهل الأَهواء كِفَاحًا، أَوْجَدَ كذلك الرَّدَّ كتابة على كل مَن مَدَّ لسانه بباطل في مقامات التوحيد وأَصل الملة، فكتبوا الردود ودونوها، وأَبطلوا شبه المخالفين وزيفوها، وأَن نهاية صدورها من المخالفين، إِنما هو عن
[ ٢١ ]
هوى وتلاعب بالدين.
فَرَدَّ عَلَى القدرية في القرن الثاني الأَئمة: مالك المتوفا سنة ١٧٩ هـ، وابن المبارك المتوفا سنة ١٨١ هـ، وغيرهما- رحم الله الجميع-. وهكذا عَلَى بقية الفرق، ومؤلفاتهم فيها مشهورة، ومنها جملة مطبوعة.
ولهذا فيكاد يكون أَول الكتب المؤلفة في التوحيد، هي في مجال الرد على المخالفين فحسب.
* الحقيقة الرابعة:
أَن أَهل السنة والجماعة حين يكتبون في بيان أَمر التوحيد، وتقريره، ابتداءً؛ لتلقين المسلمين المعتقد الحق، ودفع تلقينهم عقائد المخالفين- فإِنهم في تآليفهم هذه يقتصرون على أَلفاظ نصوص الوحيين الشريفين كما سَلَكَهُ شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في "العقيدة الواسطية" وغيرها.
وقد يأْتي بعضهم ببعض هذه الأَلفاظ مثل "بائن من خلقه"، "بذاته"، "غير مخلوق" لزيادة البيان؛ ولما يشاهده
[ ٢٢ ]
في عصره من ظهور المخالفين وانتشار مذاهبهم، فهو تقرير وَرَدٌّ على تلكم التوجهات العقدية المرفوضة بمقياس الشرع المطهر، يوضحه ما بعده:
* الحقيقة الخامسة:
أَن وجود الأَقوال الشنيعة من المخالفين في حق الله﵎- المُعْلَنَةِ في مذاهبهم الباطلة: التأْويل، التفويض، التعطيل المخالفة لما نطق به الوحيان الشريفان في أُمور التوحيد والسنة، اضطرت علماء السلف الذين واجهوا هذه المذاهب، والأَقاويل الباطلة بِالرَّدِّ والِإبطال- إِلى البيان بأَلفاظ تفسيرية محدودة، هي من دلالة أَلفاظ نصوص الصفات على حقائقها ومعانيها لا تخرج عنها؛ هؤلاء المخالفين لما تجرؤا على الله فتفوهوا بالباطل وجب على أَهل الإِسلام الحق الجهر بالحق، والرد على الباطل جهرة بنصوص الوحيين، لفظًا ومعنى ودلالة بِتَعَابِيرَ عن حقائقها ومعانيها الحَقَّة لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بينهم دون أَن ينكره منهم أَحد.
[ ٢٣ ]
وكان منها- مثلًا- أَلفاظ خمسة: "بذاتها"، "بائن من خلقه"، "حقيقة"، "في كل مكان بعلمه"، "غير مخلوق". فأَهل السنة يُثبتون: استواء الله على عرشه المجيد، كما أَثبته الله لنفسه. فلما نفى المخالفون "استواء الله على عرشه المجيد" وَلَجَأُوا إِلى أَضيق المسالك، فأَوَّلَهُ بَعْضٌ بالاستيلاء، وبعض بالتفويض، وبعض بالحلول، رد عليهم أَهل السنة بإِثبات استواء الله سبحانه على عرشه المجيد بذاته، وأَنه -سبحانه- بائن من خلقه، وأَنه استواء حقيقة.
فأَي خروج عن مقتضى النص في هذه الأَلفاظ.
بل نقول لهم بالِإلزام:
أَين لفظ "الاستيلاء" في نصوص الوحيين؟ وقد بينت بعضًا من ذلك في حرف الباء من: "معجم المناهي اللفظية" استطرادًا فيما لا ينهى عنه.
وهذه الأَلفاظ انتشرف بين المسلمين: أَهل السنة والجماعة، ولم ينكرها منهم أَحد، وإليك البيان:
[ ٢٤ ]
"١"- لفظ: "بذاته":
أَما لفظ: "بذاته" فقال أَبو منصور السجزي المتوفى سنة ٤٤٤ هـ رحمه الله تعالى (١):
"أَئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد ابن زيد، والفضيل، وأَحمد، وإِسحاق متفقون على أَن الله فوق العرش بذاته، وأَن علمه بكل مكان" انتهى.
وأَبو إِسماعيل الهروي المتوفى سنة ٤٨١ هـ - رحمه الله تعالى- لما صرح في كتبه بلفظ "الذات" قال (٢):
"ولم تزل أَئمة السَّلف تُصرِّح بذلك" انتهى.
فهذان نقلان يفيدان إِطلاق هذا اللفظ لدى السلف من غير نكير.
ومن أَفرادهم كما في "اجتماع الجيوش الِإسلامية"، و"مختصر العلو":
_________________
(١) "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٤٦).
(٢) "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٧٩).
[ ٢٥ ]
١ - ابن أَبي شيبة: أَبو جعفر محمد بن عثمان العبسي الكوفي المتوفى سنة ٢٩٧ هـ.
٢ - أَبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠ هـ: "المختصر": (رقم ٢٧٩).
٣ - أَبو الحسن الأَشعري، ت ٣٢٤ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١).
٤ - أَبو سليمان الخطابي، ت ٣٨٨ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١).
٥ - ابن أَبي زيد القيرواني المالكي، ت ٣٨٦ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٥٠)، "المختصر" (رقم ٢٧٩).
٦ - أَبو عمرو الطلمنكي، ت ٣٩٩ هـ: "اجتماع": (ص/١٤٢، ١٤٧، ٢٨١).
٧ - أَبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ت ٤٠٣ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨٠، ٢٨١).
٨ - محمد بن الحسن بن فورك، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨١).
[ ٢٦ ]
٩ - محمد بن موهب تلميذ ابن أَبي زيد، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٧، ١٨٨)، "المختصر":
(رقم ٢٨٢).
١٠ - يحيى بن عمار السجزي، ت ٤٢٢ هـ: "اجتماع": (٢٧٩)، "المختصر": (رقم ٣١٩).
١١ - عبد الوهاب بن نصر المالكي، ت ٤٢٢ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٦٤، ١٨٩، ٢٨٠، ٢٨١)، "المختصر": (رقم ٢٧٩).
١٢ - سعد بن علي الزنجاني الشافعي، ت ٤٧١ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٩٧).
١٣ - أَبو إِسماعيل عبد الله الأَنصاري الهروي، ت ٤٨١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٧٩)، قال: "بذاته". وفي: "المختصر": (رقم ٢٥٥)، قال: "على العرش بنفسه".
١٤ - إِسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي، ت ٥٣٥ هـ: "اجتماع": (ص/ ١٨٠، ١٨٣).
[ ٢٧ ]
١٥ - عبد القادر الجيلاني، ت ٥٦١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٧٦، ٢٧٧).
١٦ - محمد بن فرج القرطبي، ت ٦٧١ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٨٥).
"٢" - لفظ: "بائن من خلقه":
وأَما لفظ: "بائن من خلقه" فقد عزاه أَبو نعيم الأَصبهاني المتوفى ٤٣٠ هـ إِلى السلف فقال كما في: "مختصر العلو": (ص/ ٢٦١):
"طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة واِجماع الأُمة ومما اعتقدوه أَن الله لم يزل كاملًا بجميع صفاته القديمة - إِلى أَن قال-: وأَن الأَحاديث التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف، ولا تمثيل، وأَن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أَرضه" انتهى مختصرًا.
قال الذهبي بعده: "فقد نقل هذا الِإمام الِإجماع على
[ ٢٨ ]
هذا القول، ولله الحمد ".
ونقله- أَيضًا- الِإمامان أَبو زرعة، وابن أَبي حاتم، قالا كما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٣٣)، و"مختصر العلوم": (ص / ٢٠٤، رقم / ٢٥٣)، واللفظ عن "اجتماع الجيوش الِإسلامية":
"أَدركنا العلماء في جميع الأَمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم الِإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق - إِلى أَن قال-: وأَن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - بلا كيف، أَحاط بكل شيء علمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " انتهى مختصرًا.
وقال القرطبي محمد بن فرج المتوفى ٦٧١ هـ كما في:
"اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص/ ٢٨١):
"وقال جميع الفضلاء الأَخيار: إِن الله فوق عرشه كما أَخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع
[ ٢٩ ]
خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" انتهى.
وحكاه البوشنجي المتوفى ٢٤٢ هـ عن أَهل الأَمصار كما في "مختصر العلو": (ص / ٢٢٥)، فقال:
"هذا ما رأَينا عليه أَهل الأَمصار، وما دلَّت عليه مذاهبهم فيه، وإِيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأَهلها، أَن الله فوق السماء على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان" انتهى.
ومن أَعلامهم كما في: "اجتماع الجيوش الِإسلامية"،
و"مختصر العلو":
١ - عبد الله بن المبارك، ت ١٨١ هـ: "اجتماع": (ص / ١٣٤، ٢١٤)، "المختصر": (رقم ٦٧).
٢ - هشام بن عبد الله الرازي، ت ٢٢١ هـ: " المختصر": (رقم ٥٣).
٣ - سُنيد بن داود، ت ٢٢٦ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٣٥) "المختصر": (رقم ٥٦).
[ ٣٠ ]
٤ - حماد بن هناد البوشنجي، ت ٢٣٠ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٤٢)، "المختصر": (رقم ١٠٨).
٥ - إِسحاق بن راهويه، ت ٢٣٨ هـ: "المختصر": (رقم ٦٧).
٦ - أَحمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٠٠، ٢٠١)، "المختصر": (رقم ٦٦).
٧ - يحيى بن معاذ الرازي، ت ٢٥٨ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٧٠)، "المختصر": (رقم ٧٩).
٨ - أَبو زرعة الرازي، ت ٢٦٤ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٣٣)، "المختصر": (رقم ٧٧).
٩ - المزني صاحب الشافعي، ت ٢٦٤ هـ: "اجتماع": (ص / ١٦٨)، "المختصر": (رقم ٧٤).
١٠ - أَبو حاتم الرازي، ت ٢٧٧ هـ: "اجتماع": "المختصر": (رقم ٧٧، ٧٨). ٠ ٧ (ص/ ٢٣٣)،
١١ - عثمان بن سعيد الدارمي، ت ٢٨٠ هـ: "اجتماع": (ص/ ٢٣١).
[ ٣١ ]
١٢ - أَبو جعفر ابن أَبي شيبة، ت ٢٩٧ هـ: "المختصر": (رقم ١٠٣).
١٣ - عبد الله بن أَبي جعفر الرازي، مات بعد المائتين: "اجتماع": (ص / ٢٢١)، "المختصر": (رقم ٤٥).
١٤ - إِمام الأَئمة ابن خزيمة، ت ٣١١ هـ: "اجتماع": (ص / ١٩٤)، "المختصر": (رقم ١٠٩).
١٥ - أَبو القاسم الطبراني، ت ٣٦٠ هـ: "المختصر": (رقم ١٢٥).
١٦ - ابن بطة، ت ٣٨٧ هـ: "المختصر": (رقم ١٣٣).
١٧ - محمد بن موهب، ت ٤٠٦ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٨)، "المختصر": (رقم ١٦٤).
١٨ - معمر الأَصبهاني، ت ٤٢٨ هـ: "اجتماع": (ص / ٢٢٦)، "المختصر": (رقم ١٤٢).
١٩ - أبو نعيم الأصبهاني ت ٤٣٠ هـ: "اجتماع": (٢٧٩)، "المختصر": (رقم ١٤١).
٢٠ - شيخ الإِسلام أَبو عثمان الصابوني، ت ٤٤٩ هـ:
[ ٣٢ ]
"اجتماع": (رقم ٢٤٧).
٢١ - أَبو إِسماعيل الأَنصاري الهروي، ت ٤٨١ هـ: "اجتماع": (ص ٤٨١)، "المختصر": (ص ١٥٨).
٢٢ - نصر المقدسي، ت ٤٩٠ هـ: "المختصر": (رقم ١٥٥).
٢٣ - إِسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي، ت ٥٣٥ هـ: "اجتماع": (ص / ١٨٠).
"٣"- لفظ: "حقيقة":
وأَما لفظ: "حقيقة" فإِطلاق علماء السلف لها عند ذكر إِثبات كل صفة من صفات الله تعالى- وصف بها نفسه، أَو وصفه بها رسوله - ﷺ -: أَكثر من أَن يحصر؛ وذلك لَمَّا تَفَوَّهَ أَهْلُ الأَهواء بمواقفهم المخالفة في الصفات بنفي حقائقها ومعانيها بين التفويض تارة، والتأْويل تارة، والتعطيل تارة، والتشبيه تارة، وقد قالت الجهمية والمعتزلة (١):
_________________
(١) "مختصر العلو": (ص / ٢٦٤، رقم / ١٤٦).
[ ٣٣ ]
"لا يجوز أَن يسمى الله بهذه الأَسماء على الحقيقة" حينئذٍ كَثُرَ على لسان السلف إِثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أَي: بالِإقرار والِإمرار بلا تأْويل ولا تفويض للمعنى ولا تكييف، ولا تشبيه مع التفويض للكيفية".
ومجىء هذا اللفظ على لسان السلف أَكثر من أَن يحصر، ولينظر على سبيل المثال: "مختصر العلو":
(ص / ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٨٦)، و"اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص / ١٤٢، ١٨٩، ٢٦٣، ٢٨٠) وفيها قال القرطبي: "ولم ينكر أَحد من السلف الصالح أَنه استوى على العرش حقيقة" انتهى.
"٤"- لفظ: "في كل مكان بعلمه":
وأَما قولهم: "في كل مكان بعلمه" فقد قال الِإمام مالك - رحمه الله تعالى- (١): "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان".
_________________
(١) "التمهيد": (٧/ ١٣٨)، "اجتماع الجيوش الِإسلامية": (ص / ١٤١).
[ ٣٤ ]
وهو تعبير جارٍ لدى أَئمة جماعة المسلمين في كتبهم كافة، وبخاصة عند إِثبات استواء الله- تعالى- على عرشه المجيد، وعند إِثبات معية العلم، ولم يخالفهم في ذلك أَحد يحتج به كما قال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى- (١):
"وعلماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأْويل، قالوا في تأْويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٤]: أَنه على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أَحد يحتج به" انتهى.
"٥" - لفظ: "غير مخلوق":
* والمسلمون: أَهل السنة، يعتقدون ويثبتون أَن القرآن كلام الله -﵎- لا يزيدون على ذلك. فلما واجهت الجهمية الأُمةَ ببدعة القول بخلق القرآن وشايعهم المعتزلة على هذه المقولة الكفرية فقالوا عن القرآن:
_________________
(١) "التمهيد": (٧/ ١٣٩)، وعنه في "مختصر العلو": (ص / ٢٦٨)، و"اجتماع الجيوش الإِسلام": (ص/ ١٩٠).
[ ٣٥ ]
"مخلوق". رد عليهم علماء السلف بالنفي والِإنكار فقالوا: "القرآن كلام الله غير مخلوق".
وإِلى هذه الحقيقة أَشار الِإمام أَحمد - رحمه الله تعالى - كما في "مسائله" رواية أَبي داود عنه: (ص / ٢٦٣ - ٢٦٤)، إِذ سُئل عن الواقفة الذين لا يقولون في القرآن إِنه مخلوق أَو غير مخلوق، هل لهم رخصة أَن يقول الرجل: "كلام الله" ثم يسكت؟ قال: وَلمَ يسكت؟! لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأَي شيء لا يتكلمون (١).
* الحقيقة السادسة:
هذه خمسة أَلفاظ تداولها علماء السَّلف من غير نكير من بعضهم على بعض، وأَطلقوها في مواجهة أَهل الأَهواء لما نطقوا بالباطل.
وقد ساق منها ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- ثلاثة أَلفاظ:
_________________
(١) بواسطة: "مقدمة مختصر العلو" للأَلباني: (ص / ١٩).
[ ٣٦ ]
"بذاته"، "وهو في كل مكان بعلمه"، "القرآن كلام الله ليس بمخلوق" فاستنكر عليه الذهبي - رحمه الله تعالى- لفظة "بذاته". ونقل المعلق برقم / ٢، (ص / ٢٦)، استنكار الذهبي لها على ابن أَبي زيد المالكي، وعلى ابن الزاغوني الحنبلي المتوفى ٥٢٧ هـ.
ونريد في هذه الحقيقة بيان الفرق بين استنكار الذهبي لها وبين سياق المعلق لهذا الاستنكار، لنعلم أَن الفرق بين الاستنكارين كالفرق بين الرجلين.
فالذهبي - رحمه الله تعالى- جارِ في الاعتقاد على طريقة أَهل السنة والجماعة، لا يشك في ذلك أَحد؛ ولهذا كان كتابه "العلو للعلي الغفار" شجى في حلوق المبتدعة من المؤولة، والمفوضة، والمعطلة، وغيرهم.
فاستنكاره - رحمه الله تعالى- لِإطلاق بعض هذه الأَلفاظ لا يعني التأْثير بأَي وجه على سلامة معتقده في الِإثبات بلا تشبيه ولا تكييف، وإِنما يعني استنكار إِطلاقها في مقام التقرير، أَو لما يحصل لها من أَثر على بعض
[ ٣٧ ]
النفوس، والقصد هداية الخلق إِلى الحق، والأَصل الوقوف عند لفظ النص.
أَما سياق المعلق المذكور بقرينة تعاليقه الخلفية على هذه المقدمة، فهو يعني إِنكار "استواء الذات" والذي من لازمه أَن الله -تعالى- في كل مكان، فيؤول الأَمر إِلى ما فاهت به الجهمية والمعتزلة من قولهم: "إِن الله في كل مكان بذاته" تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
وهذه الحيدة في هذا التعليق عن مذهب السلف، هي نظير الحيدة في تعليقته الثانية: رقم / ١، (ص / ٢٧) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-:
"وهو في كل مكان بعلمه" إِذ قال المعلق: "يعني أَن عِلْمَ الله -تعالى- محيط بكل مكان لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء".
فهذا كلام حق، والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. لكن تعليقه من خَلَفِىّ على هذا الموضع، له معنى لدى الأَشعرية يعود
[ ٣٨ ]
بالِإبطال على إِثبات استواء الله على عرشه بذاته، وأَنه في كل مكان بعلمه.
وتعليقته هذه هي عين ما جرى عليه الأَشعرية في "شرح الرسالة"، كما في: "شرح زروق": (١/ ٢٩)، والتتائي في: "تنوير المقالة": (١/ ١٨٦ - ١٨٧) وفيه: " قول من قال: إِن الباري -تعالى- بكل مكان بعلمه: باطل؛ لأَن من يعلم مكانًا لا يصح أَن يقال: هو في ذلك المكان بالعلم، وإِنما يقال: إِنه محيط بكل شيء قدرة، وعلمًا، وأَن ما أَتى به المؤلف، هو مذهب المعتزلة " انتهى.
وهذه مغالطة. فالمعتزلة يقولون: إِن الله تعالى في كل مكان بذاته، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
فانظر:- رعاك الله- خفاء مسالك المبتدعة، في صرف الحق وأَن لهم عبارات، وأَلفاظًا، وحيلًا، يُقَلِّبون فيها الأُمور.
وأَن هذا المعلق أَتى بهذا التعليق على مشربه، فأَفسد
[ ٣٩ ]
العقيدة من مكان بعيد.
نعوذ باللهِ من الخذلان.
وأَما تعليقته الثالثة: رقم / ١، (ص / ٣١) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "على العرش استوى" فإِنه نقل كلام زروق في "شرح الرسالة": (١/ ٢٤، ٣١)، وكلام زروق- تجاوز الله عنا وعنه - فيه تأْويل من بعد تفويض؛ إِذ فوض معنى الاستواء وَأَوَّلَ قول مالك - رحمه الله تعالى- المشهور عنه وعن غيره من السلف: "الاستواء معلوم " على أَن آيات الصفات من المتشابه الذي يُنزه عن المحال ولا يُتعرض لمعناه.
وهذا حمل لكلام مالك على غير المراد منه، والناس كافة على خلافه، وشرح هذا يطول.
وَهُنَا غَلِطَ زروق في قوله: "جاء ذكر الاستواء على العرش في ستة مواضع من كتاب الله تعالى"، وصوابه في: "سبعة مواضع " من سورة: الأَعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد.
[ ٤٠ ]
والمعلق لم ينقل أَيضًا كلامه بتمامه، بل بتر، وَلَفَّق، وَيَعلم هذا مَنْ قَابَل بين النقل والكتاب المنقول منه.
والقول بالتفويض شَرٌّ من التأْويل، ومن نَسب التفويض إِلى أَنه قول السلف، وفي مقدمتهم الصحابة﵃- فقد جَهِلَ مذهبهم، وَجَهَّلَهم، وكذب عليهم.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- (١):
"إِن قول أَهل التفويض الذين يزعمون أَنهم متبعون للسنة والسلف مِن شَرِّ أَقوال أَهل البدع والِإلحاد" انتهى.
وقال السفاريني - رحمه الله تعالى- مشيرًا إِلى قبح مقالة التفويض (٢):
"فهذا الظن الفاسد، أَوجب تلك المقالة التي مضمونها، نبذ الإِسلام وراء الظهر، وقد كذبوا وأَفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف،
_________________
(١) "العقل والنقل": (١/ ١١٨).
(٢) "مختصر شرح العقيدة": (١/ ٢١).
[ ٤١ ]
فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والمجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم" انتهى.
حينئذٍ يأْتي هذا السؤال وهو: لماذا عَلَّق على هذين اللفظين: "بذاته"، و"في كل مكان بعلمه" بما يلغيهما، وترك التعليق على لفظ "ليس بمخلوق" في قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "وأَن القرآن كلام الله ليس بمخلوق " مع أَن هذه اللفظة "ليس بمخلوق" هي كذلك ليست توقيفية بلفظها، كاللفظين المذكورين؟
والجواب: أَن الذي يقول بخلق القرآن هم الجهمية، والمعتزلة، وقد قام أَهل السنة والجماعة بواجب الرد عليهم، وكانت الأَشاعرة كذلك لا تقول بخلق القرآن، وكان منهم من يطلق هذه العبارة: "القران كلام الله غير مخلوق"، لكن لهم أَقوال غثة رخيصة تؤدي إِلى القول بخلق القران كما تجد بيانها في "شرح الطحاوية" وغيره. والله أَعلم.
وَحَوَّلَ مَا قَرَّرَهُ ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- من أَن الله -﷾ - يجيء يوم القيامة حقيقة- إِلى حكايه
[ ٤٢ ]
الخلاف بين المجيء حقيقة، وبين التأْويل بمجيء أَمره وقضائه، وذلك فيما نقله في التعليق رقم / ١، (ص / ٣٧) عن كتاب: "صفوة البيان " للشيخ حسنين مخلوف - رحمه الله تعالى-: (ص / ٨٠٤).
وهو بهذا الِإخراج لمقدمة رسالة ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- وبهذه التعليقات عليها، لَمْ يُبْق هذه "العقيدة الِإسلامية" على مبناها؛ لِمَا أَدخله من تحريفٍ: زيادة، ونقصًا، وتبديلًا. وَلَمْ يُبْقِها على مَعْنَاها، وَصَفَائِهَا، ونقاوتها، بَلْ نَكَثَها، وَحَوَّلَها إِلى عقيدة خلفية هُوَ عاضٌّ عليها، تَحْمِلُ: الِإرجاء، والتفويض، والتأْويل، ويرفضها سلف هذه الأُمة وخيارها من لدن الصحابة -﵃ - فمن تبعهم بإِحسان، ومنهم إِمام أَهل السنة في زمانه، ابن أَبي زيد القيرواني - رحمه الله تعالى-.
ففي هذا التحويل جِنَايَاتٌ عِدَّة على الحق، والخلق:
جناية على ابن أَبي زيد فيما بذله ونصح به للمسلمين من بيان واجب الديانة في الاعتقاد.
[ ٤٣ ]
وفي هذا التحويل: تَغْرِيرٌ بالمتعلمين وَغِشٌّ لأَولاد المسلمين.
وفي هذا التحويل: نَفْثٌ لعقيدة التفويض، والتأْويل بواسطة كتب السلف، والتمسح بإِخراجها، وخدمتها، والتعليق عليها. وهذا الكيد المهين من الظلم، والفجور، والانطواء على حرقة من انتشار عقيدة السلف، وانحسار شباب الأمة عن تلكم العقائد الخلفية التي يرفضها: النص، والفطرة، والعقل.
ومعلوم أَن أُمور الاعتقاد لا تقبل التذبذب، ولا التردد، ولا حكايته القولين، أَو الأَقوال، وإِنما الحق فيها واحد لا يتعدد، وليس وراءه إِلا الضلال.
ومعلومٌ أَن أَهل الأَهواء قد وقفوا لنصوص الصفات بالمرصاد بالتأْويل تارة، وبالتفويض تارة، وبالتعطيل تارة، فإِذا لم يتم لهم شيء من ذلك لَجَأُوا إِلى الطعن في ثبوت السنن.
والرجل يدور في تعليقاته بين التأْويل والتفويض.
[ ٤٤ ]
وبالجملة فهذه تصرفات منه مشينة، مرفوضة بجميع معايير النقد عند السلف والخلف؟
وهو مُدَانٌ بِأَلَمِهِ مِنْ قَلَمِهِ؛ إِذ قال معلقًا على كلمة ابن خَلاَّدٍ - رحمه الله تعالى-: "الحَكُّ تُهْمَة" ما نصه (١):
"انظر كيف تجب المحافظة على الأَمانة في الكلمة العلمية، وكيف كانوا يحترسون من التهمة أَن تتوجه إِليهم ولو بحك كلمة دخيلة على الكتاب، ولقد وجد في زماننا هذا طائفة من المحككين "المحققين" يتصرفون في بعض الكتب، فمنهم من يحذف من الكتاب، ومنهم من يزيد فيه، ومنهم من يغير فيه ويبدل كلامًا بكلام، إذا لم يعجبه، أَو جاء على غير مشربه أَو كان ذلك أَنفع له تجارةً ومالًا، كما وقع هذا من (محمد ومحمد ناصر وحَمَد وحامد ومحمود وبعض الناشرين الذين يظن بهم الأَمانة والدين) وأَمثالهم، فإِنا لله من ضياع الأَمانة في العلم! " انتهى.
_________________
(١) (ص / ٣١) من تعليقه على ما اسْتَلَّهُ من مقدمة الشيخ أَحمد شاكر لـ "جامع الترمذي"، وطبعه باسم: تصحيح الكتب
[ ٤٥ ]
هذا كلام جميل هو منه محروم، لكنه "جَرْوَل" يهجو نَفْسَهُ، ويكفينا عن هذه الأَسماء: "مُعَلِّمُ المحككين: عبد الفتاح"، فقد فاق أَقرانه المحرفين بالتحريف، وَبَزَّ أَهل الزمان منهم بالتزييف. ولا أَدري كيف أَجمع بين تعليقه على كلمة ابن خلاد، واستجازته لنفسه، التقلب في ظلمات التحريف، مرتضيًا هذا لِدِييهِ، وأَدبه، وخلقه؟ لكنها جادة المخالفين أَهل الزَّمَانَةِ والانقطاع، وَمَنْ سَطَا بالتأْويل، والتفويض على نصوص الوحيين الشريفين، فمن باب أَولى أَن يستغفل الناس فيتصرف في كلام المؤلفين.
ويبقى تعليقه على كلمهَ ابن خلاد، زيادة في الحجة عليه، فإِنه قَدْ عَبَّ من كل أَبواب التحريف فزاد، ونقص، وغَيَّر، كل هذا خدمة لمشربه، وتلصصه بنشره هنا وهناك؟؟ وقد بَيَّنتُ أَن ديدنه التحريف فيما كتبته عن "تحريف النصوص".
وتأَمل ماذا يصنع المشرب المنحرف بأَهله.
فيا هذا: أَوَّلُ مَا يُفْقَدُ من الدين "الأَمانة".
[ ٤٦ ]
وعندي أَنه لا يوثق بنقل هذا الرجل إِخراجًا أَو تعليقًا؛ لاختلال أَمانته، وفساد مشربه.
من أَجل ذلك رأَيت تحرير هذا التقديم حاويًا لأُمور ثلاثة:
الأَول: أَن ابن أَبي زيد -رحمه الله تعالى- قد أَلقى الله عليه من نوره، فهو صاحب عقيدة سلفية سُنَية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٨].
الثاني: أَن مقدمة رسالته في التوحيد، جارية على طريقة السلف ولزوم السنة والأَثر، مشرقة بالحق، وصحة المعتقد.
الثالث: أَن إِخراج "مُعلم المحككين" لها، مدخولة بتحريفه لمبناها، وتحويله لمعناها: مُعَارَضَةَ منه للنور بالظلمة، وللصحة بالزمانة، وللحق الجلي بالشبهة الواهية.
كل هذا نظير ما صنعه "قُدْوَتُهُ الكوثري" في "الأَسماء
[ ٤٧ ]
والصفات" للبيهقي (١)، فإِنه حَوَّله وَحَرَّفَه إِلى حمل مذهب السلف على التفويض، وهذا من الظلم العظيم للصحابة الأَبرار من المهاجرين والأَنصار، ومن تبعهم بإِحسان، لكنه الهوى وفساد المشرب، والمهم أَن يعرف طلاب العلم أَن ما هنا جزء مما هنالك، نعوذ بالله من الهوى وأَهله.
وهنا أَقول: وإننا في هذه الأَيام نشاهد: "كوثرية ولا مُعَلِّمِيَّ لها" نرى هؤلاء الأَصاغر، رابضين بين أَهل السنة، تمتد أَيديهم إِلى كتب أَعلامها، وَيَتَلَصَّصُون ساعة الغفلة فيها، فيصعدون على أَكتافها، ويتحرشون بهم بواسطتها، وينفثون ما لديهم من هوى وبدعة في حواشيها؛ لأَنهم لما رأَو أَن نشر كتب الخلف يقطع عليهم الطريق صارت النقلة بهذه"العقيدة التجار" إِلى التحشية على كتب السلف ليصلوا إِلى تَلْوِيث اعتقاد أَولاد المسلمين: "أَهل السنة" بتحريف تلكم الواسطة.
_________________
(١) انظر مقدمة الألباني- أثابه الله- لـ "مختصر العلو" للذهبي: (ص / ٣٦ - ٤٠).
[ ٤٨ ]
والواجب أَمام هذا الرهط: الحجر على امتداد أَقلامهم إِلى كتب السلف، وهجر ما تعمله أَيديهم، والبعد عن نشره وتخريجه، وتواصي الكتبيين بعدم تسويقها، والِإنكار عليهم إِن فعلوا، وعدم تمكين كل صاحب هوى وبدعة من تعليم أَولاد المسلمين: الفقه في الدين.
فَإِنَّ دَأَبَ أَهل الأَهواء هكذا إِن وجدوا غفلة من أَهل السنة صاحوا بهم، وتأَلبوا عليهم، وإِن تيقظ لهم أَهل السنة: خنسوا، وتشرذموا، كما قال ابن القيم - رحمه الله تعالى- فيهم (١):
"طَبْل يَجْمَعُهُمْ، وَعَصًا تُفَرِّقُهُم".
وبناءً على ما تقدم تبيانه وشرحه، فقد أَفردت هذه "المقدمة" في "التوحيد" من "رسالة ابن أَبي زيد القيرواني" ثم أَلحقتها بنظمها لابن مشرف، ولولا خوف الِإطالة لأَتبعت ذلك بمقدمة ابن أَبي زيد لكتابه "الجامع" والتي نقلها عنه ابن القيم - رحمه الله تعالى- في: "اجتماع الجيوش
_________________
(١) "الصواعق المرسلة": (١/ ٣٥٦).
[ ٤٩ ]
الِإسلامية" فهي أَبسط مما هنا، وفي غاية النفاسة، فَلْيُرجع لإِليها.
وإِليك المقدمة نثرًا (١)، ونظمًا (٢):
_________________
(١) عن النسخة المحققة طبع دار الغرب عام ١٤٠٦ هـ.
(٢) عن طبعة جامعة الِإمام بالرياض عام ١٣٩٦ هـ.
[ ٥٠ ]
[مقدمة مؤلف الرسالة]