وفي "حواشي الشيخ زاده على البيضاوي" في أثناء كلام في المشركين: "فإنَّهم يزعمون أنَّ الأوثان صور الملائكة" (^١).
ويؤكِّد ذلك: تسميتهم أكثر أصنامهم بأسماء مؤنَّثة، كاللَّات والعُزَّى ومناة؛ لأنَّهم يزعمون أنَّ الملائكة إناث، كما سلف.
والعادة في الأصنام أن يطلق على الصنم اسم الشخص الذي جُعِل تمثالًا أو تذكارًا له.
وفي "صحيح البخاري" في تفسير قول الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] عن ابن عباس قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا " (^٢).
٦ ــ ما هي اللَّات والعُزَّى ومناة؟
قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ ــ ٢٧].
_________________
(١) "حواشي الشيخ زاده" ج ٣ ص ٢٧٥. [المؤلف].
(٢) "صحيح البخاري"، تفسير سورة نوح. [المؤلف]. حديث (٤٩٢٠).
[ ٦ / ١٧٣ ]
قد تكلَّم أهلُ اللُّغة والعربية على "أرأيت كذا" في نحو قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣].
وتحرير الكلام في ذلك: أنَّ نحو ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ يُؤتى بها مقدِّمة للاستفهام الثاني، لِيُحضِر المخاطَبُ الحَرْثَ في ذهنه، ويترقَّب استفهامًا مهمًّا يتعلَّق بالحَرْث؛ فلا بد أن يكون الاستفهام الثاني يتعلَّق بمفعول (رأيت)، وعلى ذلك جاء القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿(٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ ــ ٧٢].
إذن فقوله في آيات النجم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] لا بد أن يكون متعلقًا باللَّات والعُزَّى ومناة.
وقد مشى ابن جرير على هذا، فقال: "سمَّى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه، فقالوا من (الله): اللات، ومن (العزيز): العُزَّى، وزعموا أنَّهن بنات الله، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، فقال جل ثناؤه لهم: أفرأيتم أيها الزِّاعمون أنَّ اللَّات والعُزَّى ومناة بنات الله، ألكم الذكر " (^١).
أقول: لعمر الله! لقد جرى على القاعدة التي سبق تحريرها، ولقد صدق
_________________
(١) "تفسير ابن جرير" ج ٢٧ ص ٣١ ــ ٣٢. [المؤلف].
[ ٦ / ١٧٤ ]
أنَّ المشركين كانوا يطلقون (اللَّات)، و(العُزَّى)، و(مناة) على تلك الأوثان، ولقد صدق أنَّهم كانوا يقولون: اللَّات والعُزَّى ومناة بناتُ الله.
ولكن الشأن في المراد باللَّات والعُزَّى ومناة في الآيات، فإن كانت هي تلك الجمادات فلم يكونوا يقولون: إنَّها بنات الله، ولو قالوا ذلك لكانوا مجانين ألبتة، لا يستحقُّون أن يخاطَبوا ولا يُرسَل إليهم رسول، أو لو قالوا ذلك لكثر تبكيتهم في القرآن أكثر من تبكيتهم على قولهم: الملائكة بنات الله.
ولو كان المراد ذلك كان حقُّ الكلام أن يُقال: ألكم الأحياء وله الجمادات؟ أو نحو ذلك. مع أنَّه لا يمكن أنَّ يعتقدوا أن الجمادات إناث على الحقيقة.
فغاية الأمر أن يكونوا أنَّثوا اللَّفظ، ولا بدع في تسمية ما ينسب إلى الله تعالى باسم مؤنَّث، كالكعبة.
وفوق ذلك، فسياق الآيات يخالف هذا المعنى.
وأمَّا سائر المفسِّرين فاضطرب كلامهم اضطرابًا شديدًا؛ لعلمهم أنَّهم لم يكونوا يزعمون أنَّ تلك الجمادات بنات الله.
وأقرب ما رأيته: ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، قال: "جعلوا لله بناتٍ، وجعلوا الملائكة لله بنات، وعبدوهم. وقرأ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ﴾ الآية [الزخرف: ١٦ ــ ١٧]. وقرأ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ الآية [النحل: ٥٧]. وقرأ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم: ٢٣] " (^١).
_________________
(١) "تفسير ابن جرير" ج ٢٧ ص ٣٣. [المؤلف].
[ ٦ / ١٧٥ ]
فقد أرشدك ابن زيد إلى أن هذه الآيات كنظائرها الكثيرة في القرآن؛ إنَّما هي في قولهم: لله بنات، وقولهم: الملائكة بنات الله.
وإيضاح ذلك: أنَّه كما سبق عن ابن عباسٍ أنَّ قوم نوح جعلوا تماثيل لموتاهم، وسمّوها بأسماء أولئك الموتى، وكما جَرَت العادة إلى الآن أنَّه يطلق على التمثال اسم من جُعِلَ تمثالًا له= فكذلك صَنَع العرب، اخترعوا أسماء لبعض الإناث الخياليَّات التي زعموا أنَّها بنات الله، وأنَّها الملائكة، واشتقُّوها
_________________
(١) كما قال ابن جرير من أسماء الله تعالى، فأصل اللات: "اللاهة"، كما ذكره ابن جرير أيضًا. وبيَّنه أهل اللُّغة بأنَّه حُذِفت منه الهاء الأصلية، كما قالوا: شاة، وأصلها: "شاهة"، بدليل جمعها على: "شياه"= فقالوا: "اللَّات". ثم منهم من يقف عليها بالهاء كما هو الأصل في هاء التأنيث ، كما يقال: (شاه)، والأكثرون يقفون عليها بالتاء، كأنَّه حَذَرًا من اشتباه (اللَّات) لو وُقِف عليها بالهاء بالاسم الكريم. فتفسير الآيات على هذا: أرأيتم تلك الإناث الخياليات التي تزعمونها بنات الله، ألكم الذكر، وله هي؟ ! وإنَّما قال: (الأنثى)، فوضع الظاهر موضع الضمير للتَّنصيص على الشَّناعة. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: لا وجود لها ألبتَّة، وإنَّما يوجد أسماؤها فقط، كما يقول أحدنا: ما العنقاء إلَّا اسمٌ. وهذا لا يتأتّى في الأصنام؛ لأنَّها موجودةٌ بذواتها. ثم قدّر أنهم سيقولون: "هي الملائكة، والملائكة موجودون"؛ فقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ﴾ الآية. أي: والملائكة أنفسهم لا يستحقُّون العبادة؛ لأنَّهم
[ ٦ / ١٧٦ ]