يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١)، وإذا أحب العبد الله - ﷿ - فإنه يحب من يحب الله ورسوله؛ لأن من أحب أحدًا أحب من يحبه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢)؛ ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته (٣):
شَرْطُ المحبَّةِ أن توافِقَ مَنْ تُحِبُّ على محبَّتِهِ بلا عِصيان
فإذا ادعيتَ له المحبَّةَ مع خلا فِكَ ما يُحِبُّ فأنت ذو بهتان
أتُحِبُّ أعداء الحبيبِ وتدّعي حبًا له ما ذَاك في إمكان
وكذا تُعادي جاهدًا أحبابَهُ أين المحبةُ يا أخا الشيطان
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
الشرط الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله، وهو أن يتبرَّأ من عبادة غير الله، ويعتقد أنها باطلة كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦، ومسلم في كتاب الإيمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم ٤٣.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٦٨١ من حديث أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان، وله شاهد من حديث معاذ بن أنس الجهني أخرجه أحمد، ٣/ ٤٣٨، و٤٤٠، والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب رقم ٦٠، برقم ٢٥٢١، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن»، وصححه الألباني في سلسلته، برقم ٣٨٠.
(٣) انظر: شرح القصيدة النونية لابن القيم للدكتور محمد خليل الهراس، ٢/ ١٣٤.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.
[ ١ / ٣٦ ]
الطَّاغُوتَ﴾ (١).
قال الإمام محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله تعالى: «فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتكفِّر أهلها وتعاديهم ..
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع أو مطاع، والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبِدَ وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادّعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله (٢).
وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبدُ من دون الله، حَرُمَ مالُهُ ودمه وحسابه على الله» (٣).
وأما من كان لا يرضى بعبادة المخلوقين له من دون الله: كالأنبياء، والصالحين، والملائكة، فإنهم ليسوا بطواغيت وإنما الطاغوت هو الشيطان الذي دعا الناس إلى عبادتهم وزينها للناس. ومن أعظم الأدلة على وجوب الكفر بالطاغوت وجميع ما يعبد من دون الله قول إبراهيم ﵊ للكفَّار ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٢) الأصول الثلاثة مع حاشيتها لابن قاسم، ص٩٨،وحاشيتها لابن عثيمين ضمن فتاواه،٦/ ١٥٦. وانظر: مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهّاب، طبع جامعة الإمام محمد، القسم الأول، العقيدة والآداب الإسلامية، ص٣٧٦، وقد ذكر لك لكل رأسٍ دليلًا.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي - ﷺ -، برقم ٣٢.
[ ١ / ٣٧ ]
سَيَهْدِينِ﴾ (١)، فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر الله سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال:
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وقول النبي - ﷺ - في الحديث السابق: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» وهذا من أعظم ما يُبَيِّنُ معنى لا إله إلاَّ الله؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يُعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلّها، ويا لَهُ من بيانٍ ما أوضحه، وحجةٍ ما أقطعها للمنازع (٣).
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة من كل سوء ومكروه (٤).
_________________
(١) سورة الزخرف، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.
(٢) سورة الزخرف، الآية: ٢٨.
(٣) فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، ص١٢٣.
(٤) وانظر: تحفة الإخوان للعلامة ابن باز، ص٢٧،وفتح المجيد، ص٩١، ومعارج القبول، ٢/ ٤١٨، و«الشهادتان» للعلامة ابن جبرين، ص٧٧.
[ ١ / ٣٨ ]