من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدّى به الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢)، وقال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا
صَادِقِينَ﴾ (٣).
وبعد هذا التحدّي انقطعوا فلم يتقدّم أحد، فمدّ لهم في الحبل وتحدّاهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)،فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥)،ثم أعاد التحدي
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح، ٤/ ٧٤، ٧٥، وأعلام النبوة للماوردي، ص٥٣ - ٧٠، والبداية والنهاية، ٦/ ٥٤، ٦٥،والبرهان في علوم القرآن للزركشي، ٢/ ٩٠ - ١٢٤، ومناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٢٧٧ - ٣٠٨.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٣) سورة الطور، الآيتان: ٣٣ - ٣٤.
(٤) سورة يونس، الآية: ٣٨.
(٥) سورة هود، الآية: ١٣.
[ ١ / ٤٧ ]
في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١).
فقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدّي وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢).
فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوا، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ - ﷺ - إلى اليوم والأمر على ذلك (٣).
والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر،
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية، ٦/ ٩٥.
[ ١ / ٤٨ ]
وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (١)؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسّيّة والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.