تمهيد
من الثابت في الحقيقة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأت الناس بعقيدة جديدة، بل هو عالم عامل بين عقيدة السلف الصالح، وعمل على تطبيقها ووفق بأنصار أحرار ينصرون عقيدة السلف الصالح عن وعي وإدراك كما قال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ﵀ بعد أن ذكر الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب قال: "فلما رأى أسلافنا [يعني آل سعود] موافقة أقوالهم وأفعالهم [يعني هؤلاء الأئمة] لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلوا ذلك وقاموا بما أظهره الله على أيديهم، ونحن إن شاء الله على سبيلهم ومعتقدهم، نرجو الله أن يحيينا ويميتنا عليه" ١.
والدليل على ذلك أننا نسمع دائما لمز المتمسك بالسنة والمجانب للبدعة صوفية أوكلامية أو غيرها ليعمل بالسنة فهو وهابي وطريقته وهابية، ولو لم يكن قد أخذ عن الشيخ أولقيه أوعاصره أو أخذ عمن أخذ عنه، أو درس حتى كتبه. وهؤلاء الذين يحاولون لمز من يعمل على نشر سنة رسول الله ﷺ بالوهابية على حد قولهم إنما يريدون محاربة انتشار
_________________
(١) ١ نجد وملحقاته وسيرة عبد العزيز أمين الريحاني ص ٤٣٦.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
السنة والطريقة التي كان عليها السلف الصالح بذلك فيلمزون كل من عمل بالسنة وجانب البدعة أنه ينشر الوهابية، ويقصد توسيع نفوذ سلطانها ومد رقعتها فيحاربونه بهذه الفرية ويصمونه بأنه عميل يعيش على أموال السعوديين لينشر ما يسمونه بالوهابية وبأمثال هذه التشنيعات يحاربون سنة رسول الله ﷺ وطريقة السلف الصالح ومعلوم أن أصل مذهب السلف الصالح هو اتباع سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين وسبيل المؤمنين ولم ينفرد به الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحده، ولم ينحصر في دعوته واعتقاده، بل حمله عدول عن عدول. في كل زمان وفي أمكنة متباعدة ليس في زمان عن زمان ولا مكان عن مكان.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ صار إماما كغيره من أئمة السنة وشرف ونبل بذلك وكذلك أتباعه وأنصاره شرفوا باتباعهم مذهب السلف الصالح، واتخاذ طريقهم في الوسيلة والغاية. لذلك فإني في هذا البحث لا أزعم أن كل أثر من آثار عقيدة السلف الصالح هو من أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، إلا إذا وجد ما يدل على ذلك، لأن السلفية كما ذكرنا ليست محصورة إلا من طريق الشيخ، فأتباع السلف الصالح لا يزالون في كل زمان ومكان يقومون لله بحجته على خلقه قياما يفيد العلم اليقيني إلى قيام الساعة ولله الحمد والمنة.
كما أنني لا أزعم أيضا أن الدعوات الاصلاحية أو الحركات السياسية في العالم الإسلامي قد تأثرت بدعوة الشيخ وحركته وحركة
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
أنصاره من أجلها ما لم أجد دليلا يفيد ذلك سيما وأن أكثر هذه الحركات والدعوات مشوبة بما يخالف عقيدة الشيخ السلفية إما في الوسيلة أو في الغاية وإن كان ينتسب هؤلاء الدعاة المصلحون والمتحركون السياسيون إلى الإسلام والسنة، فليس اجتماع حركة الشيخ وأنصاره مع غيرها من الحركات في قدر مشترك في الذهن يسوغ لنا أن نحكم بأن تلك الحركات متأثرة بحركة الشيخ، لأن الشيخ وأنصاره إنما قاموا بنصرة دين الله ليس لهم غرض سوى ذلك، لا يبتغون زعامة ولا دنيا، إلا أنهم يريدون رضوان الله وما وعدهم الله به، فإن جاءهم فضل من الله لا منة لأحد فيه، أو مكسب لا يمس عقيدتهم، وليس على حساب تنازل منهم عن شىء من عقيدة السلف الصالح فهم يقبلونه شاكرين، وليس من عقيدتهم تصدير الحركات السياسية والثورات والاغتيالات في بلدان العالم، ولا من شأنهم التفريق وتشتيت الشمل والتحزبات والشيع، على العكس من ذلك، إنهم دعاة تأليف واجتماع واتحاد على الحق، دعاة إلى الله على طريق رسول الله ﷺ ويسرهم أن يجيب المدعوون داعي الله وأن يقبلوا هدى رسول الله ﷺ لينجي هؤلاء المدعوون أنفسهم من الهلاك ويهتدوا إلى الصراط المستقيم إلى سعادة من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: "نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي
[ ٢ / ١٠٢١ ]
مكان"، ولا يقول: "إن من تبع دين الله ورسوله ﷺ ما يكفيه حتى يجىء عندنا ويوالينا ولا يقول: "إن الذي ما يدخل تحت طاعتى فهو كافر" ولا يقول: "إنه مبطل مذاهب أهل السنة والجماعة، وإنه ليس لهم كتب إلا ما بيده، وليس لهم علماء إلا من شهد له بالعلم لا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا ولا غيره مما وصفه به أعداء الحق وليس من عقيدته ذلك بل مراده اتباع دين الله ورسوله ﷺ وإظهاره في أي أرض وطائفة كانت١ ومن أي جهة.
وقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى، من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم هل داره دار كفر وحرب على العموم؟. فأجابوا: الذي نعتقده وندين الله به أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر فهو المسلم حرام المال والدم كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة ولم نكفر أحدا دان بدين الإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا ولم يتسم بسمة دولتنا بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى٢. وإذا كانت عقيدة الشيخ السلفية هكذا إنما هي تمسك بالكتاب
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصبة رقم ١٠ ص ٦٠ ورقم ٩ ص ٥٨ ورقم ١ص ١٢ ورقم ١١ ص ٦٤. ٢ الدرر السنية، ج ٧ ص ٣٥٥.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
بالكتاب والسنة ودعوة إلى الله وحده بهذا التمسك الراشد.
فكذلك هي ليست مصدر تزمت وترك للدنيا ورفض للمصالح فيها. وإنما هي عقيدة الصلاح والأصلح في الدنيا والآخرة، كيف لا وهي مبنية على أن صريح العقل يوافق صحيح النقل؟!
وعلى ضوء هذا التمهيد وضوء ما قدمت في الفصل الأول من الباب الثاني عن أسباب تأثير عقيدة الشيخ السلفية سأبحث عن أثر عقيدة الشيخ السلفية في خارج سلطانها في هذا الفصل. فأقول إنه ما من شك أن تطهير البيت للطائفين والركع السجود وتطهير الحرمين عموما من عبادة القبور، وأنواع البدع والفجور والضرب على أيدي العابثين وتأمين الطرق إليهما من القطاع والسراق مع تعظيم حرمتهما، وخدمة حجاج بيت الله، والعمل على تيسير أدائهم فريضة الحج التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام بكل وسائل الأمن والراحة والمعيشة أيضا. هو أثر من آثار عقيدة السلف الصالح ﵏ فهذا شأنهم في ولاية البيت، قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٣٤) . وبالتالي فله من الأثر العظيم في انتشار عقيدة الشيخ السلفية في العالم الإسلامي ما لا يستطيع أحد جحده وإنكاره، وكلما يدرك بالبداهة أثر ولاية أنصار العقيدة السلفية الطيب المشكور غير أن تتبع ذلك الأثر ليس في وسع الباحث، وحسبنا بهذا إشارة إليه.
ونشير إلى سبب آخر وهو الرسائل التي كان يرسلها أئمة وعلماء
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
عقيدة السلف الصالح من ورثة الشيخ وورثة أنصاره إلى عموم المسلمين في الخارج فلها أثر بالغ أيضا.
فمنذ ظهور الشيخ محمد ﵀، وتلك الرسائل تتوالى فقد أرسل الشيخ نفسه إلى السويدي عالم من أهل العراق يجيبه على كتاب ورد إلى الشيخ منه فبين الشيخ في جوابه أنه متبع وليس بمبتدع وأن عقيدته ودينه الذي يدين الله به هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة١.
ورسالة إلى فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام، بناء على ما ذكر راشد بن عربان للشيخ من كلام حسن عن فاضل وأنه طالب منه المكاتبة بسبب ما يجيئه من الكلام فذكر له الشيخ صفة الأمر وأنه الدعوة إلى الإسلام٢. ورسالته إلى البكيلى صاحب اليمن٣، وإلى إسماعيل الجراعي ٤، وإلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني٥، ورسالته إلى أهل المغرب٦. وغير هذه الرسائل، من رسائل شخصية ورسائل عامة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٥ ص ٣٦-٣٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية. رقم ٤ ص ٣٢-٣٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٤ ص ٩٤-٩٨. ٤ المصدر السابق رقم ١٥ ص١٠٠- ١٠١. ٥ المصدر السابق رقم ١٦ ص ١٠٣-١٠٧. ٦ المصدر السابق رقم ١٧ ص١١٠- ١١٥
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
ومؤلفات شاملة تبعث في كل اتجاه حسب القدرة والطاقة كما فعل الإمام عبد العزيز بن محمد حين بعث كتاب التوحيد وغيره إلى والي بغداد١، كل ذلك لا شك أن له أثرا في انتشار عقيدة السلف الصالح وتأثيرها في تلك المواطن خارج سلطانها.
ومن بعد الشيخ محمد مازالت الرسائل ترسل فتلك الرسالة المهمة الجليلة رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود التي أرسلها إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وسائر علماء المشرق والمغرب يبين فيها حكمة خلق الله الخلق وأنها ليعبدوه فأمرهم بها وحذرهم مخالفته وأن الجزاء واقع لا محالة وأخذ يشرح ذلك ويدلل عليه من الكتاب والسنة وهي رسالة عظيمة التأثير.
والرسالة الأخرى التي أرسلها الإمام عبد العزيز بن محمد٢ إلى من يراه من بلدان العجم والروم وشرح فيها عقيدة السلف الصالح بعثها مع محمد خلف النواب الذي قدم الدرعية مع الحاج وجلس مدة يتعلم العقيدة فلما فقه أرسل معه تلك الرسالة وأحالهم عليه ليبين لهم. ورسالته أيضا إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني مع الشريف أحمد الذي قدم عليهم ورأى وحقق صحة ما هم عليه، والتمس أن يرسل الإمام معه إلى قومه
_________________
(١) ١ انظر: ٢/ ٨٣١ من هذا البحث. ٢ الدرر السنية ج١ط ٢ ص ١٤٣-٤٦ ١..
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
رسالة فكتبها١. وسبق ذكر شىء من ذلك٢.
ورسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي كتبها لما مكنهم الله مع الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد من ولاية الحرمين وقد شرح فيها دعوة الشيخ محمد وبين عقيدتهم وأنها عقيدة السلف الصالح وشرح مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع ورد المفتريات عليهم بالقول والفعل وكل يشهد مصداق ذلك، وما من شك أنها تقدم للحجاج والعمار والوافدين من خارج الدولة فيكون لها تأثير بالغ عظيم وسبق ذكرها٣.
ومن الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد إلى سليمان باشا جوابا على خطاب من سليمان مبني على خطاب سابق من الإمام سعود إلى يوسف باشا، يبين فيها الإمام أنهم متبعون ما أمر الله به رسوله وعباده المؤمنين، ويرد عليه افتراءاته وتلبيساته، ويبين له طريقة رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان٤.
وللشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رسالة جليلة في بيان معتقد الشيخ وكان قد سافر للهند بطلب العلم على أهل الحديث
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١ ط ٢ ص ١٤٦-١٤٨. ٢ انظر: ٢/ ٨٣١ من هذا البحث. ٣ انظر: ٢/ ٨٦٩ من هذا البحث. ٤ الدرر السنية ج١ ص٣٠٥-٣١٨.
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
وعلماء السنة هناك وينشر الحق باستطاعته ولعله كتبها لمواجهة بعض الإشاعات والترويجات على الشيخ في الهند وغيره فنشرها بين طلبة العلم وجاء فيها بعد الثناء على الله سبحانه وبحمده والصلاة والسلام على رسوله ﷺ، أما بعد فإنه ابتلي من استحوذ عليه الشيطان بعداوة شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ومسبته وتحذير الناس عنه وعن مصنفاته لأجل ما قام بقلوبهم من الغلو في أهل القبور وما نشؤوا عليه من البدع التي ملأت الصدور، فأردت أن أذكر طرفا من أخباره وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه الباطل، ولا يغتر بحائد عن الحق مائل مستنده ما ينقله أعداؤه الذين اشتهرت عداوتهم له في وقته وبالغوا في مسبته، إلى أن قال:
والذي يقضي به العجب قلة إنصافهم وفرط جورهم واعتسافهم وذلك أنهم لا يجدون زلة من المنتسبين إليه، ولا عثرة إلا نسبوها إليه وجعلوا عارها راجعا عليه وهذا من تمام كرامته وعظم قدره وإمامته.
وقد عرف من جهالهم، واشتهر من أعمالهم أنه ما دعا إلى الله أحد، وأمر بمعروف ونهى عن منكر في أي قطر من الأقطار إلا سموه (وهابيا) وكتبوا فيه الرسائل إلى البلدان بكل قول هائل يحتوي على الزور والبهتان ومن أراد الإنصاف وخشي مولاه وخاف، نظر في مصنفات هذا الشيخ. أهـ
ثم ذكر الشيخ بعض ما وقف عليه من كلامه وما عرف واشتهر
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره ودعوته وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته أنه على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى ثم سرد عقيدة الشيخ ﵀ حسب ما ذكر١.
وهذا سنلاحظ أثره الواضح في تلك الديار التي سافر إليها في الهند وغيرها كما في صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السَّهواني الهندي، وغيره فيما يأتي من بحث أثر عقيدة الشيخ السلفية في الهند.
ثم في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، كانت رسائل مثل رسالة محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى من يراه من أهل القرى ورؤساء القبائل من أهل اليمن وعسير وتهامة وشهران وبني شهر وقحطان وغامد وزهران وكافة أهل الحجاز يقول فيها:
إنه لما كان في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة وألف من الهجرة: (بعثنا الإمام المقدم، والرئيس المفضل المفخم، صاحب السعادة والسيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، أعلا الله سعوده، وأدام للمسلمين وجوده، لأجل تعليمكم ما أوجبه الله عليكم وتعبدكم به من دين الإسلام، الذي معرفته والعمل به والبصيرة فيه سبب لدخول الجنة،
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج١ص ٢٥٦، ٢٦٨.
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
والجهل به والإعراض عنه وعدم قبوله والانقياد له سبب لدخول النار. فلما قدمنا بعض جهاتكم رأينا أهلها قد جال بهم الشيطان والهوى، وتمادوا في الغي والطغيان والإعراض عن النور والهدى، وفرقوا أمرهم وكانوا شيعا، وغلب عليهم الجهل وإيثار الشهوات، واستجابوا لداعي الشبهات، فوقعوا في وادى جهل خطير، فهم على شفا حفرة من السعير، وغلب على أكثرهم الاعتقاد في أهل القبور والأحجار والغيران، وتعظيم أهل الصلاح من المقبورين، وهذا هو دين أهل الجاهلية الأولين. ثم أخذ يشرح عقيدة السلف الصالح ويدعو إليها بالحجج والبراهين١.
ورسالة أخرى من الشيخ محمد بن عبد اللطيف إلى من ذكرنا في الرسالة التي قبلها من أهل تلك الجهات ومنها جهة اليمن، وفي هذه الرسالة يركز الشيخ محمد بن عبد اللطيف على أن عقيدتهم ودينهم هو دين الإسلام، وهو عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، وهم السلف الصالح٢.
وما من شك أن مثل تلك الجهود والرسائل كان لها أثر جيد في جهات اليمن مما خرج عن سلطان أنصارها، على ما سنبينه قريبا في مبحث أثرها في اليمن ويضاف إلى ما تقدم من الأسباب تشجيع ولاة
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج١ص ٢٨٣-٢٩٠. ٢ الدرر السنية، ج١ص ٢٩٠-٢٩١.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
الأمور في المملكة للوافدين من أجل طلب العلم وتوفير المنح الدراسية لهم من جميع أنحاء العالم الإسلامي لاسيما في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أول عاصمة للخلافة الإسلامية.
ويشكل الطلاب الوافدون إليها من خارج المملكة من غير السعوديين، من أبناء العالم الإسلامي في شتى أقطار المعمورة وينتمون إلى (٨٨) قطرا، يشكلون ٨٥% من طلاب الجامعة الإسلامية البالغ عددهم (٦٦٦٥) طالبا حسب احصائيات شهرجمادى الآخرة عام ١٤٠٣ هـ. وهؤلاء الطلاب الوافدون يتلقون العلم المستمد من الكتاب والسنة وفقا لما كان عليه سلف الأمة الإسلامية.
ولا ننسى ما تسهم به جامعة الإمام محمد بن سعود في هذا المجال لاسيما بالفروع التي تم فتحها في خارج المملكة وهي تابعة لها كمعهد تعليم اللغة العربية بأندونيسيا والمعهد العلمي برأس الخيمة، والمعهد العلمي في موريتانيا.
وكذلك رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في نشاطها خارج المملكة ومن ذلك مبتعثيها في سائر أنحاء العالم للدعوة والإرشاد. وهذا له أثر حسن في نشر عقيدة السلف الصالح، وكل ذلك من أثر عقيدة الشيخ السلفية.
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
أثرها في اليمن:
يذكر محمد رشيد رضا أن علماء السنة في اليمن قد بلغهم كل ما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره، وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم١.
وإذا تذكرنا قصيدة الإمام الصنعاني التي يمدح فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويثني على طريقته ويؤيد عقيدته ومسلكه، بدا لنا كيف وصل تأثير عقيدة الشيخ إلى هناك، ودورها في نشر عقيدة السلف الصالح، يقول الأمير الصنعاني بين يدي قصيدته الدالية المشهورة التي مطلعها:
سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
قال: لما طارت الأخبار بظهور عالم في نجد يقال له محمد بن عبد الوهاب ووصل إلينا بعض تلاميذه وأخبرنا عن حقائق أحواله وتشميره في التقوى وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اشتاقت النفس إلى مكاتبته بهذه الأبيات سنة ١١٦٣ هـ. وأرسلناها من طريق مكة المشرفة
_________________
(١) ١ مقدمة محمد رشيد رضا، لكتاب صيانة الإنسان تأليف محمد بشير السهسواني ص ١٤ ط ٥.
[ ٢ / ١٠٣١ ]
وهي: ثم أوردها في ديوانه ويقول فيها:
قفي وأسألي عن عالم سوحها به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وما كل قول بالقبول مقابل ولا كل قول واجب الرد والطرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله فذلك قول جل قدرا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها تدور على قدر الأدلة في النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ماطوى كل جاهل ومبتدع منه فوافق ما عند
ويعمر أركان الشريعة هادما مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة أهلت لغير الله جهلا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل وملتمس الأركان منهن باليد
إلى أن قال يصف ما في دلائل الخيرات من غلو:
غلو نهى عنه الرسول وبدعة بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا تساوى فليسا إن رجعت إلى النقد١
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد ص ٣١٠.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
وصيرها الجهال للذكر ضرة يرى درسها أزكى لديهم من الحمد
لقد سرني ما جاء لي من طريقه وكنت أرى هذى الطريقة لي وحدي
إلى آخر قصيدته الطويلة المفيدة، والتي تدل على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجته غير أن الشيخ ﵀ رزق بأنصار يبتغون وجه الله وحده، وهذا فضل من الله تعالى، ويدل كلام الأمير الصنعاني في قصيدته هذه على أن أثر الشيخ في إِظهار مذهب أهل السنة والجماعة قد وصل إلى اليمن، وانظر الأمير يقول في قصيدته هذه التي قالها في الشيخ ومن أجله وإصلاحه:
سلام على أهل الحديث فإنني نشأت على حب الأحاديث من مهدي
هم بذلوا في حفظ سنة أحمد وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد
إلى أن قال:
إليك طوت عرض الفيافي وطولها فكم جاوزت غورا ونجدا الى نجد
أناخت بنجد واستراح ركابها وعاد خليا عن رحيل وعن شد
فأحسن قراها بالقراءة ناظما جوابا فقد أضحت لديك من الوفد
وصل على المختار والآل أنها لحسن ختام النظم واسطة العقد١
_________________
(١) ١ ديوان الأمير الصنعاني ص ١٢٨-١٣٢. وانظر: بعضها في عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر، ج١ص ٥٤. ٥٥. وانظر: بيتا واحدا منها في مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد ص ٣١٠. وانظر: تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين للشيخ العلامة سليمان بن سحمان، طبع بأمر الإمام السلطان عبد العزيز آل سعود بمطبعة المنار سنة ١٣٤٣ هـ. وانظر: روضة ابن غنام، ج١ص ٤٦-٤٩.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
وكانت ولادة الصنعاني سنة ١٠٩٩ هـ. ووفاته سنة ١١٨٢ هـ١.
ونجد في اليمن عالما جليلا من علمائه الأعلام هو الشيخ حسين بن مهدي النعمي التهامي ثم الصنعاني، وفد من مدينة صبيا بتهامة إلى صنعاء لطلب العلم- فأخذ بها في العلوم النقلية والعقلية الفرعية والأصولية. فأقرأ في كتب السنة في صنعاء وكثر الآخذون عنه من الخاصة والعامة، وعملوا بالسنن من رفع اليدين عند الركوع والرفع، وقبضهما على الصدر، وتأمين الإمام والمأموم وغيرها من السنن في الصلاة وهو معاصر للأمير الصنعاني، واستمر على الإِقراء في كتب السنة، والعمل بها مجللا محترما وقد أذن له المهدى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإِن كان المخالف من خاصة المهدي. وتوفي في سنة ١١٨٧ هـ. وخلفه تلميذه يحيى بن حسن الكبسي، وطريقته طريقة شيخه المذكور، انتهى ملخصا مما نقله سليمان بن عبد الرحمن الصنيع من مخطوط كتاب (نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف) ٢.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة الديوان، ص ٥، ١٢. ٢ انظر: ترجمته في أول كتاب: معارج الألباب في مناهج الحق والصواب ص١٣-١٥ ط ٢ سنة ١٣٩٣ هـ.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
وقد عرضت عليه أجوبة علماء الحرم الشريف من مختلف المذاهب والتي اتفقت أجوبتهم على إِبقاء القباب والأضرحة والأبنية على القبور، بناء على سؤال رفع إليهم بشأن هدم القباب وتسوية القبور، بسبب ظهور أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بذلك وسعيه في هدم تلك الأضرحة ومحاربة ما ترتب على وجودها من وثنية وعبادة لغير الله من دونه فتصدى هذا الشيخ النعمي للرد عليها وجعله كتابا اسمه «معارج الألباب في مناهج الحق والصواب»، وبإِمعان النظر فيه يتضح لنا ما وهبه الله من المقدرة وسعة الاطلاع وقوة اليقين مما حمله على إعلان الحق وعدم المبالاة بمخالفة الناس والمفتين وأرباب المناصب والجاه١. قال الشيخ النعمي في مقدمة كتابه هذا: وبعد: فلما كان في شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وسبعين ومائة وألف من الهجرة النبوية. وقفت على صورة سؤال، وغير ما جواب في شأن ما يسر الله هدمه وافتقاده من المشاهد والقباب، وإزالة ما أزيل منها بالتدمير والخراب لما تفاحشت خطوب مفاسدها في هذا الزمان، وضاهت رسوم الجاهلية الجهلاء المنافية للتوحيد والإيمان. مع كون وضع القباب أمرا صادم المأثور الصحيح من النهي الصريح فهو بمجرده ممنوع شرعا كما قد شرحت ما جاء فيه ضمن
_________________
(١) ١ انظر: كلمة الإفتتاح للطبعة الثانية لكتاب معارج الألباب في مناهج الحق والصواب، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، ص ٣،١٤.
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
رسالة مستقلة وجيزة، أسفرت عن وجهه الصبيح واسمها: (مدارج العبور، على مفاسد القبور. وكان قبل هذا التاريخ بمدة يسيرة: ألقي إلي بعض أعيان الزمن بمدينة صنعاء اليمن كتابا ورد عليه من مكة المشرفة، ذكر فيه ما حاصله أنه وصل إلى هنالك سؤال في هذه المسألة وأنه أجاب فيه مفتوا الأربعة المذاهب. بما يتضمن التشنيع على من دل على هدم القباب والمشاهد، وأشار بتخريب تلك المعاقل والمعاهد١.
ثم ذكر أنه اطلع على الأجوبة وإذا هي أحموقات حرية بالإطراح، وأغاليط خليقة أن يتسلى عنها ويستراح، وأن لا يرفع لبيب إليها رأسا، ولا يتسنم للرد عليها قرطاسا، لأنها لم ترح رائحة التحقيق، ولا تمسك من تحرى السداد بحبله الوثيق٢. ثم قال: (ولولا وجوب النصح والإرشاد، ورفع اللبس: لاتجه في السكوت عن فتاويهم إِلحاق اليوم بالأمس) ٣.
وذكر أن المجيبين أضاعوا عهود العلم والهدى وأهملوها، وليس سبيل من هذا شأنه إلا التنبيه، وإِزاحة الضرر عمن لم يعلم ما في مقاله من التمويه، لأنه لم يسلك معك مسلك المحاورات بين أهل التحصيل، بل سد عليك طريق أخد الحكم من دليله، فما الذي تبتغيه عنده بعد؟! وأي سفاهة علمت أقبح مما صنع هؤلاء الجماعة؟! ويقول: (إن طفقنا نقول
_________________
(١) ١ معارج الألباب في مناهج أهل الحق والصواب ص ٢١. ٢ معارج الألباب في مناهج أهل الحق والصواب ص ٢٢. ٣ معارج الألباب في مناهج أهل الحق والصواب ص ٢٠-٢٢.
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
لهم: هذا حرام لدلالة هذه الأحاديث الصحيحة على ذلك، أجابوا: بأنه صرح به في المنهاج وشرحه، وهو الذي فهمه ابن عبد الحق من عبارة الروضة بالجواز، قلنا ما هي الحجة على الآخر؟ قالوا: لا يحل لنا ولا لك. أن نقول: يحل كذا، يحرم كذا، لقول رسول الله ﷺ كذا، ومحال في زماننا هذا شيء من ذلك، فلم يبق حجة إلا ما ذكر سنان أفندى في كتاب «تبيين المحارم»، والشيخ زكريا في شرح المنهاج، وحواشيه لنور الدين الزيادي، وما ذكرته مطرح وأنت عاص بهذا الصنيع) إلى آخر ما ذكره عنهم من أصلهم الذي حرروه وهو امتناع أخذ الحكم من دليله، وتعذر ذلك في هذه الأعصار مع أنهم نقضوه بشيء كثير من كلامهم. فأورد أمثلة من قولهم قال رسول الله ﷺ: كذا وكذا، مرارا كثيرة وهو من عجيب ما يستظرفه العقلاء، ودليل على بطلان أصلهم بديهة وطبعًا ووضعا إلى آخر ما قال١.
ثم حصر الكلام في ثلاثة أبواب: الأول في أبحاث متفرقة تتعلق بتلك الأجوبة٢.
والباب الثاني في ذكر جملة شافية من الأحاديث الصحيحة، والأخبار الصريحة الشاهدة بأن وضع القباب والبناء على القبور من أصله
_________________
(١) ١ انظر: معارج الألباب في مناهج أهل الحق والصواب، ص ٢٢-٢٨. ٢ من ص ٢٨ إلى ص ١٠٥.
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
وتشريفها، والكتابة عليها وتجصيصها واتخاذها مساجد، وما يتصل بذلك: أمر تقرر في الشرع منعه، وسبق الحكم الجازم بالنهي عنه، والكف عن ارتكابه، وثبتت القضية في ذلك، ومضت كلمة الحق بسد ذريعته، تحذيرا لنا أن نسلك سنن من قبلنا، مع قطع النظر عن المفاسد المترتبة على ذلك١.
والباب الثالث في سوق ألفاظ من ذلك السؤال وتلك الأجوبة، مع الإِشارة إلى ما فيها من فساد٢.
وهو كتاب عظيم النفع، سديد في جوابه وبيانه رحم الله مؤلفه وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين. ومن بعد الأمير الصنعاني والشيخ حسين النعمي الإمام الشوكاني المولود سنة ١١٧٣ هـ. والمتوفي سنة ١٢٥٠هـ٣
وقد عايش الشوكاني أحداث باشا مصر وما حل من مصائبه، وكان لهذه الأحداث وما يصحبها من إِشاعات وبلبلة في الأخبار وتضارب أثر في ما يكتبه إلا أنه لا يشك في الإمام سعود ومعتقده فقد قال: "وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا، فإِن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن
_________________
(١) ١ من ص ١٠٥ إلى ص ١٣٧. ٢ من ص ١٣٧ إلى ص ٢٥٥. ٣ انظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ج١ص ٤٧٨، وج٢ ص ٢١٤.
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
عبد الوهاب وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات، وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة١. ويقول: وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين وفي سنة
(١٢١٥ هـ) وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة والمجلد الأخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة تدل على أن المجيب٢
_________________
(١) ١ البدر الطالع ج٢ ص ٦-٧. ٢ ويعنى به الشيخ عبد الله الشيخ محمد في جوابه لهم المسمى: جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية. انظره في مجموعة الرسائل والمسائل النجدبة ص ٥٤٧-٢٢٢.
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة وقد هدم عليهم جميع ما بنوه وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزيًا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى الإمام فدفع حفظه الله جميع ذلك إليّ فأجبت عن كتابه الذي كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه أن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندرى من هم وكلامهم يدل على أنهم جهال والأصل والجواب موجودان في مجموعي١.
ويقول الشوكاني عن الإمام سعود سمعنا أنه قد استولى على بلاد الأحساء والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز. ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوج. وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها٢.
_________________
(١) ١ البدر الطالع، ج٢ ص ٧. ٢ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ج٢ ص٥.
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام وفي بلاد السراة المجاورين لبلاد أبي عريش ومن تبعه من هذه الأجناس اغتبط بمتابعته وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليه١.
ويقول: وفي سنة ١٢١٧ هـ. دخلت بلاد أبي عريش وأشرافها في طاعة صاحب نجد ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك واستولى أصحابه على بعض ديار تهامة وجرت أمور يطول شرحها وهي الآن في سريان وقد أفردت ما بلغنا من ذلك في مصنف مستقل لأن هذه الحادثة قد عمت وطمت وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وسائر الديار لاسيما بعد دخول أصحاب النجدي مكة المشرفة وطرد أشرافها عنها ولله أمر هو بالغه. ثم في سنة (١٢٢٢) وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز لبعضهم معرفة في العلم ومعهم مكاتيب من سعود إلى الإمام المنصور بالله رحمه الله تعالى وإليّ أيضا ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (١٢٢٧) ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة
(١٢٢٨) ودار مع هؤلاء الواردين ومع غيرهم من المكاتبة ما لا يتسع المقام لبسطه٢.
_________________
(١) ١ البدر الطالع ج٢ ص ٦. ٢ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ج٢ ص ٧- ٨.
[ ٢ / ١٠٤١ ]
ويقول في ترجمة الإمام سعود بن عبد العزيز "وكان جده محمد بن سعود شيخا لقريته التي هو فيها فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد المنكر على المعتقدين في الأموات". فأجابه وقام بنصره ومازال يجاهد من يخالفه وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية وصار الإسلام فيها غريبا ثم مات محمد بن سعود وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية وقام ولده عبد العزيز مقامه فافتتح جميع الديار النجدية والبلاد العارضية والحسا والقطيف وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة وغالب جزيرة العرب. وغالب هذه الفتوح على يد ولده سعود ثم قام بعده ولده سعود فتكاثرت جنوده واتسعت فتوحه ووصلت جنوده إلى اليمن فافتتحوا بلاد أبي عريش وما يتصل بها، ثم تابعهم الشريف حمود بن محمد شريف أبي عريش وقد تقدمت ترجمته وأمدوه بالجنود ففتح البلاد التهامية كاللحية والحديدة وبيت الفقيه وزبيد وما يتصل بهذه البلاد ومازال الوافدون من سعود يفدون إلينا إلى صنعاء إلى حضرة الإمام المنصور وإلى حضرة ولده الإمام المتوكل بمكاتيب إليهما بالدعوة إلى التوحيد وهدم القبور المشيدة والقباب المرتفعة ويكتب إلي أيضا مع ما يصل من الكتب إلى الإماميين. ثم وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء وفي كثير من الأمكنة المجاورة. لها وفي جهة ذمار وما يتصل بها١.
_________________
(١) ١ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ج١ص ٢٦٢-٢٦٣. وانظر: الدرر السنية ١٢/ ٢٠-٢٤. وتذكرة أولى النهى والعرفان لإبراهيم بن عبيد ١/ ٥٠-٥٤. وأثر الدعوة الوهابية لمحمد حامد الفقى ص ٧٨-٨٠. والشعر يواكب الدعوة لابن خميس، بحث قدم إلى أسبوع الشيخ ص ٢-٣. والإمام الشوكاني مفسرا، رسالة دكتوراه إعداد محمد حسن بن أحمد الغامدي ص ٣٢ في جامعة أم القرى.
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
ولنذكر قصيدته الجيدة التي رثى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما توفي ومطلعها:
مصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
إلى أن قال:
إمام الهدى ما حي الردى، قامع العدى ومروى الصدى من فيض علم ونائل
وقال عنه:
إمام الورى علامة العصر قدوتي وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه وجل مقاما عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى أنه سلالة أنجاب زكي الفضائل
إلى أن قال:
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه وقام مقامات الهدى بالدلائل
إلى آخر القصيدة وهي طويلة تنيف على المائة بيتا أوردت منها شطرا في ترجمة الشيخ فيمن رثاه ﵀، وما أوردته هناك يناسب
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
ايراده هنا ولكن تفاديا للتكرار أحيل عليه.
وأما في العصر الحاضر ففي اليمن كثير من أهل السنة والجماعة وبعضهم كان سبب هدايته إلى مذهب السلف هو ما تلقاه في جامعات المملكة، وما سمعه من مشايخ الدعوة وما توصل إليه من بحثه في ميراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فاقتنع اقتناعا حرا بصحة عقيدة السلف الصالح، وصار من الدعاة إليها وإلى نشرها في بلاده.
أثرها في الشام:
وفي الشام كان لها أثر جيد وقد اطلعت على رسالتين صغيرتين إحدهما بعنوان: النفخة على النفحة لمؤلفها الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري وقد شغلت ٥٦ صفحة من الوسط، والثانية بعنوان: نظرة في النفحة الزكية في الرد على الوهابية مؤلفها أبو اليسار الدمشقي الميداني في ٣٤ صفحة من الوسط وكأنها ذيل للأولى وتعليق. عليها طبعتا في مجلد واحد سنة ١٣٤٠ هـ. بمطبعة الترقي بدمشق.
والأولى عبارة عن رد بليغ صدر من عالم محقق يتقي الله، ويلتزم في رده الحكمة والموعظة الحسنة والإنصاف في المحاجة. جاء في أولها بعد البسملة والحمد لله، والثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ أنه بينما كان سائرا في إحدى طرق مدينة دمشق إذ بصر برجل عليه سيما العلم وبيده رسائل يوزعها فأهداه رسالة وهو يرتجف ويشير إلى أنه أبدع فيما كتب، فذهب ناصر الدين إلى أحد مساجد البلد ووجد أحد
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
أهل العلم فيه فلما أبصره والرسالة بيده هز رأسه وقال ما هذه الرسالة؟ فأجابه بأنه رأى عنوانها وأن من حاكها أسماها (النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية) ومؤلفها يزعم أنه من أكابر علماء دمشق يقال له الشيخ عبد القادر الإسكندراني المنتحل لنفسه لقب الكيلاني، فأجابه ذلك العالم الذي في المسجد بأن مُدعِي هذه الرسالة إنما أغار على كتاب الفجر الطالع لجميل صدقي الزهاوي وعلى ما لفقه الشيخ دحلان فأخذ ما اختاره منهما ولم يزد من عنده إلا أحرفا يسيرة فدهش ناصر الدين وأخذ الرسالة يتصفحها ثم رآها على غير قاعدة المحققين، وإنما هي تلفيقات فانتدب لنقضها بأسلوب العالم المتزن ومسلك المحقق الذي بينه كمنهج لرده. ويمكن تلخيصه، بنقاط هي:
١- أن المحققين ينزهون أنفسهم عن السباب والشتم لمن يردون عليه.
٢- يجعلون نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
٣- وإن من يرد على أحد في كلامه يأخذ جملة من كلامه فيبين الغلط فيها ثم جملة وجملة حتى يستوفي الكلام بلا تحامل ولا اعتساف.
٤- وأن يتلو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
ولكن صاحب الرسالة كما قال ناصر الدين لم يسلك في رده ذلك المسلك فأراد ناصر الدين خدمة الحقيقة فقال إن صاحب النفحة صدر
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
رسالته بما لفقه الشيخ أحمد دحلان في آخرتاريخ أمراء البيت الحرام وسلك موطىء قدمه حذو النعل بالنعل بلا تأمل ولا تدبر، ولاشك أن الله تعالى يجمع الكل يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون.
قال ناصر الدين: وقبيح بمؤلف يملأ كتابه بالإِفتراء والتعدي وفي قصة الإفك أعظم رادع لمن كان يؤمن بالله ورسوله، ويطلب النجاة لنفسه فيحاسبها خاليا، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . ومهما تملق المتملقون، واستتر المراؤون فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولابد أن يشف الباطل عن الحق، فيظهر ناصعا واضحا، وإليك جملا من كلام صاحب الرسالة تدل على افترائه بما ادعاه.
إلى أن قال: "ومن طبعه الوقوع في أعراض الناس يرى لذلك لذة ولا يحلو في ذوقه إلا الغيبة والنميمة واتباع الهوى" ثم نقل عنه قوله عن محمد بن سعود. أمير الدرعية بلاد مسيلمة فقال ناصر الدين له: "هب أننا سلمنا أنها بلاد مسيلمة فما الذي تراه من ذمها؟! أليست مصر كانت بلاد فرعون وهامان وقارون؟. وما الإسكندرية إلا من بعض بلاد مصر؟! أليست بابل كانت بلاد نمرود؟! أليست مكة كانت موطن أبي جهل وأبي لهب وأضرابهما؟! أليست فلسطين كانت بلاد قوم لوط؟!
هل ضر هذه البلاد شيء من ذلك؟ أم هل تناقص قدرها؟! أَلم تعلم أن أول من أسس هذا القياس من أخبر الله عنه أنه قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"؟ وما إِخالك يرعاك الله إلا أنك بعد هذا
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
تتبع الحق وتحسن النظر في القضية.
وقال ناصر الدين عن صاحب الرسالة أنه قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وممن أخذ عنهم الشيخ محمد حياة السندي والشيخ محمد ابن سليمان الكردي وكانا يتفرسان فيه الالحاد ويحذران الناس دسائسه" فقال ناصر الدين: أقول "لو أنصف لعلم أنه يطعن في هذين العالمين وذلك أن كلا منهما أجاز ابن عبد الوهاب بإِجازة مطولة، وأجاز له أيضا الشيخ عبد الله بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها كما ذكره صاحب كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق، وأخذ أيضا عن الشيخ إِسماعيل العجلوني محدث الديار الشامية والشيخ علي أفندي الداغستاني وكلهم أجاز له. فكيف يتفرسان فيه الإلحاد ويجيزانه ويمدحانه في إجازاتهما؟! وهل هذا إلا مكابرة؟! إلى غير ذلك ممَّا افتراه من غير دليل ولا ثبت، سوى سوء الظن بذلك الرجل فالله يلهمنا رشدنا ويهدينا سواء السبيل. وقال ناصر الدين: "ادعى ذلك الكاتب أنه يتعجب من شر ذمة تروج في دمشق العقيدة الفاسدة والآراء المضللة الخ".
فقال ناصر الدين يالله العجب! هل من يدعو إلى الله ورسوله ﷺ وإلى عقيدة السلف يعد ضالا مضلا؟! والذي يدعو إلى الترهات يعد صالحا؟! على رسلك! تمهل! وانظر ما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون من الاعتقاد، وتأمل مقالات أبي الحسن الأشعري في الإبانة وعقيدة الإمام الطحاوي، وما قاله الإمام البيهقي في كتاب الأسماء
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
والصفات، وما قاله الإمام الذهبي وغيرهم من أساطين العلماء في التوحيد ثم ارجع إلى نفسك وقل ما شئت وتأمل أيضا ما قاله علماء المذاهب الأربعة الموثوق بهم فيما الناس عليه من البدع ثم احكم بما شئت (ألم يأتك والأنباء تنمي ما قاله الإمام الشاطبي وابن الحاج في المدخل وأبو شامة في كتابه الباعث وابن وضاح وغيرهم من الأئمة، فإِن كنت تعد أمثال هؤلاء وهابية فيا برد الذي قالت على كبدي.
وهكذا يمضي حتى أجهز على نفحته التي ليست بزكية بنفخة أطارتها. وكذلك الرسالة الثانية والتي عنوانها: نظرة في رسالة النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية مؤلفها أبو اليسار الدمشقي الميداني.
قال إن صاحب هذه النفحة تناول في ذمه النجديين والشاميين، وآذى في سبه وشتمه الأحياء والأموات، وجعل في طليعة نفحته ترجمة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ما أظن أن أحدا ممن رزق حظا من التحقيق والمعرفة بحال المترجم وجانبا من الإِنصاف يرضى عنها، لاسيما إذا خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. وقال: لا أحب أن أخوض معه فيما كتبه عن الوهابيين ومن يتهمه بالانتساب إليهم من الدمشقيين، فإن السب لا يعمد إليه إلا عاجز أو صاحب هوى.
ثم نقل عنه قوله: فوا خجلتاه كيف يروق للشرذمة المنتسبة إليهم الموجودة في دمشق المتصفة بالتمدن والحضارة أن تكون تابعة لسكان البوادي وتفتتن بعقائدهم البديهية البطلان، مع أن فيهم من ينتسب إلى
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
العلم، ويدعي الفهم؟ إلى أن قال: كيف افتتنوا بتلك الترهات، وانخدعوا بالمموهات، ونهضوا يروجون تلك العقائد الزائفة، والأضاليل الباطلة، ويبثون في أفكار العوام هذا المذهب الذي أطبقت عقلاء الأمة على فساده؟!» اهـ. قال أبو اليسار: أقول هذه جمل من عباراته العالية، وآدابه السامية، في وصف إخوانه الدمشقيين – دع النجديين وما وصفهم به- عرضناها على القارىء الكريم ليعرف بها مبلغه من الأدب، ودرجته من الحرص على جمع الكلمة والتأليف بين المسلمين في هذا اليوم الأيوم.
وقد نقل لنا غير واحد عن هذا الرجل أنه صار في درسه يذم بعض علماء دمشق وغيرهم من أموات وأحياء ويصرح بأسمائهم وأسماء بعض محلاتهم وأحيائهم وينفر ممن أخذ العلم عنهم، أو سمع شيئا منهم. إلى أن قال: ثم ليت شعري كيف يتهم الفئة الدمشقية بالانتساب إلى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وجماعته، ثم يقول بعد: وقد سألت رجلا منهم (يعني الدمشقيين) عن مذهبه يوما: أشافعي أو حنفي؟ فأجابني بأنه أثري يعني لا ينتسب إلى أحد من المجتهدين ﵃. اهـ.
فإذا كنت تفسر قوله بأنه أثري بعدم الانتساب إلى أحد من الأئمة المجتهدين أنفسهم (رحمهم الله تعالى ورضي عنهم) فكيف تنسبه إلى رجل من أتباع أحمد بن حنبل وهو محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله تعالى)؟! وكيف يمكنك أن تطابق بين الدعوى والدليل؟!
ثم كيف جاز لك أن تملأ رسالتك من دعوى أن الوهابيين قاطبة
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
يكفروننا ويزعمون أنا مشركون وها نحن أولاء نراهم في مساجدنا يصلون خلف أئمتنا مقتدين بهم، ولا تكاد تدخل مسجدا من المساجد وقت الصلاة إلا وتجد بعضهم يؤدي الصلاة فيه مؤتما بإمامه؟! فإذا كانوا يرموننا بالشرك كما زعمت فكيف يقتدون بنا ويصلون معنا؟! وهب أنه كان التطرف والرمي بالشرك والكفر من بعض جهالهم وغلاتهم فهل يصح أن يؤخذ الكل بذنب البعض، ألم يقل تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟! وهل يمكنك أن تبرىء جهالنا وغلاتنا من مثل هذا التطرف؟! ولم لا تنصح لعوامنا وتندد بهم وتزجرهم عن تكفير غيرهم كما فعلت بأولئك؟!
ثم ما معنى قوله: كيف يروق للشرذمة المنتسبة إليهم الموجودة في دمشق، المتصفة بالتمدن والحضارة أن تكون تابعة لسكان البوادي؟! أي مدخل للتمدن والحضارة فيما نحن فيه؟! أليس الكلام في التوحيد وما دخله من البدع؟! أليست العقائد والعبادات من الدين الذي أكمله الله تعالى على يد رسوله ﷺ؟! أليس مبنى الدين على الاتباع المحض؟! هل يجوز فيه التغيير والتبديل والزيادة والنقصان؟! ما معنى التمدن والحضارة في هذا المقام؟!
ثم أي تمدن وحضارة تعني؟! إن كنت تعني مدنيتنا وحضارتنا في هذا الزمان فالجواب أَنّا لا نرى أثرا لهذه المدنية بيننا لا في اختراع ولا في صناعة ولا زراعة ولا تجارة! وإن كنت تريد مدنية أسلافنا فلا يحق لنا
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
أن نفتخر بها ونحن قد أضعناها. ولقد تذكرت أن أحد الأوربيين كان يذكر لأحد أفاضل المسلمين ما انتهت إليه أوربا من البسطة في العلم، والسعة في الملك، والاختراع في الفن ويباهي بذلك، فقال له المسلم لنا الفخر لأن هذا الرقي قد أخذتموه عن أساتذتكم العرب وهم آباؤنا. فأجابه الأوربي: لا حق لكم بهذا الفخر ونحن أحق به منكم لأنا أخذنا علوم سلفكم ونشرناها فكنا بعلمهم عاملين، أما أنتم فقد أضعتموها وكنتم لهم عاقين.
قال أبو اليسار: "وإن كنت ترى المدنية في الافتتان باللباس والتفنن بالطعام والشراب والإستكثار من الوظائف والمرتبات من أجل ذلك، فهذا أقبح ما سرى إلى صنف العلماء من الأمور الذميمة، وصدهم عن تخريج الطلاب في العلوم والأدب وتصنيف الكتب وإحياء العلوم. إلى أن قال وإن عند كثير من علمائنا الأغنياء من العلوم والمال ما يستطيعون أن يخدموا به كثيرا من الطلاب، فلو كانت هممهم متوجهة لإِحياء العلوم الشرعية والعربية لقاموا بهذه الوظيفة المقدسة حق القيام، وإذا لازدهرت هاتيك العلوم في هذه الديار أيما ازدهار. وإنك لتجد بعض الشبان والكهول من المشتغلين المجدين الذين قضوا شطرا كبيرا من حياتهم في الجمع بين المعقول والمنقول، والتدقيق في الفروع والأصول، يفتشون عن وظيفة علمية تسند إليهم لينفعوا بعلمهم ويستزيدوا منه ويتمرنوا على العمل، وليستعينوا بالمرتب على أمر معيشتهم فلا يجدون إلى ذلك سبيلا،
[ ٢ / ١٠٥١ ]
ولا من أحد من أهل العلم مساعدة، ولو بالتخلي عن وظيفة ومرتب زائدين عن حاجتهم، فيضطرون هناك إلى الاشتغال بما يقيهم ذل السؤال والأمر لله.
وقد كان الواجب يتقاضى من يزعم الغيرة على الدين وأهله، ويدعي أنه من حماته ودعاته، أن يساعدهم بكل ما يمكن رحمة بهم، وبمئات الطلاب التي كان يمكن أن تحصل عندهم وتخرج على أيديهم.
من ذا الذي يخدم الدين للدين، والعلم للعلم خدمة خالصة من كل شائبة لا يتقاضى عليها أجرا أو ليس له في مقابلها شيء؟! ألا ليت أصحاب الوظائف الموكول إليهم أمرها يقومون بها ويوفونها حقها كيلا يأكلوا أجورها من دون عمل وهي لم توقف أوتخصص إلا لمن عمل. ثم يقارن أبو اليسار بين الفريقين فيقول:
(حالنا وحال النجديين)
«إذا أردنا أن نقابل بيننا معشر أهل التمدن والحضارة وبين سكان البوادي النجديين الذين تزعم، وتوازن بين سخائنا على نشر العلم وسخائهم وغيرتنا على الدين وغيرتهم، وكانت حالنا ما قدمنا- ورأينا كثيرا من كتب العلم الديني قد طبعها تجارهم، وجعلوها وقفا لله تعالى، ووزعوا الألوف منها على المسلمين في عامة الأقطار، سواء في ذلك أهل البوادى وسكان المدن والأمصار، ولايزالون دائبين على طبع الكتب النفيسة، حريصين على نشرها مجانا يخرجون بها الناس من ظلمات الجهل
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
إلى نور العلم والمعرفة ولم تكن تلك الكتب من تأليف أهل نجد فحسب، بل معها كتب أئمتنا وأَجلائنا الدمشقيين وغيرهم كابن تيمية وابن القيم وابن قدامة، وهم يطبعونها ويوزعونها على المسلمين لا يريدون منهم جزاء ولا شكورا، فأي المدنيتين قد عم خيرها، وظهر أثرها، وحق أن يفخر بها أهلها المدنية التي أفسدت علينا ديننا ومرؤتنا، وسلبتنا جل أوصافنا الحميدة، وأكسبتنا أخلاقا ذميمة كالبخل، والكذب، والكبر، والبذخ، والرياء، وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، أم تلك المدنية الفطرية التي لم تشبها شائبة الفساد؟! بربك انصف ثم احكم. وهكذا حتى انتهى منها فوقع الحق وبطل ما كانوا يأفكون. وقد نقلت ما نقلت من هاتين الرسالتين لأبين كيف يعاني أصحاب العقيدة السليمة عقيدة السلف الصالح وكيف يعاني من تأثر بالحق والتزمه حيث لا سلطان له، وكيف يتكلمون بالحق وليس معهم سيف ولكن الله يؤيدهم بلطفه ويُيَسِّر لهم من ينصرهم كما نصر الذين من قبلهم ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم.
وقد كتب الإمام الملك عبد العزيز كما ذكرنا في الفصل الرابع لهما كتابا يحمد الله فيه إليهما على ما من به عليهما من معرفة الحق والبصيرة فيه ومعه هدية هي مجموعة الهدية السنية التي جمعها الشيخ سليمان بن سحمان ويوصيهما بلزوم الحق والاستمرار والصبر عليه ويؤيدهما ويدعو
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
لهما ويشكرهما على ذلك. وتقدم إيرادنا نص رسالته١.
وفي مقدمة هذه المجموعة التي كتبها الشيخ سليمان بن سحمان يقول بعد البسملة والثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
(أما بعد) فقد وقفت على ما كتبه العالمان الجليلان التقيان المنصفان الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري نزيل دمشق والشيخ أبو اليسار الدمشقي الميداني على ما افتراه الاسكندراني، مما لفقه من الأكاذيب الشنيعة، والمفتريات الواهية الوضيعة، أوتلقاه عن جميل أفندي البغدادي٢. وقد اعتمد هذا وغيره في كل ما افتروه على ما لفقه إمام ضلالتهم أو بدعتهم أحمد بن زيني دحلان٣. من الخرافات والخزعبلات، التي لا تصغي إليها إلا القلوب المقفلات ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: ٨)
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢/٩٦٥ من هذا البحث. ٢ قال محمد رشيد رضا هو جميل الزهاوي المتفلسف الذي طعن في الشريعة بأشد مما طعن في المستمسكين بعروتها من أهل نجد وقد نشر طعنه وإِنكاره لتعدد الزوجات وقسمة الميراث في الإسلام في جريدة المؤيد المصرية فكفره بها العلماء الكثيرون. ٣ قال محمد رشيد: هو الذي كان مفتيا في مكة زمن ظهور الدعوة وكتب ما كلفه كتابته سادته وموظفوه من الأمراء والحكام، من غير تبين ولا تثبت فيما جاء به أولئك الفساق الطغام.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: ١١٣) .
فلما تصدر وانتصب هذا الرجل لعداوة أهل الإسلام أتباع الملة الحنيفية والطريقة المحمدية، وشرق بهذا الدين، الذي من الله به على إخواننا الدمشقيين لما تبين لهم حقيقة ما عليه أهل الإسلام الموحدين من أهل نجد المشهورين بالوهابية وأنهم كانوا على ما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها من إِخلاص العبادة لله رب العالمين وترك عبادة ما سواه مما كان عليه أهل الكفر والشرك برب العالمين، وإنكار البدع المحدثة في الدين، وكتب ردًا على الوهابية، المستمسكين بالطريقة المحمدية والملة الحنيفية، ورماهم بما هم برئيون منه من هذه الأكاذيب والأوضاع، التي تمجها الطباع وتستك عند سماعها الأسماع، وبئس ما انتحله من الأكاذيب والأوضاع الوبية، وقد تبع فيها أقوال قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
رد عليه هذان العالمان الجليلان، وغارا لله وللمسلمين من تلفيق أهل الكذب والبهتان، فأزالا بما كتباه من الرد عن القلوب صداها، وأماطا به عن العيون قذاها. فجزاهما الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، فلما قرأناها وتأملناها علمنا وتحققنا أن في الزوايا خبايا، وأَنه قد بقي من فحول الرجال بقايا فله الحمد وله الشكر والمنة.
ثم اعلموا أيها الإِخوان، أنا على ما كان عليه أئمتنا أهل الإسلام،
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
والعلماء الأئمة الأعلام، الذين ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، كشيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام، تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وتلميذه شمس الدين محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) والحافظ الذهبي الشافعي والعماد ابن كثير الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، والحافظ الإمام عبد الرحمن بن رجب الحنبلي١ وغيرهم من علماء أهل الإسلام الذين هم القدوة، وبهم الأسوة، وقد كان لهم قدم صدق في العالمين، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. وقد سلك شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على طريقهم وسار على منهاجهم وأثرهم في الدعوة إلى الله وإقامة حججه وبيناته، وساعده على ذلك أئمة أهل الإسلام من آل سعود ﵏. فنصروه وآووه وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى ظهر دين الله وانتشر في البلاد والعباد فله الحمد وله الشكر.
ثم إنا لما تحققنا ما أنتما عليه من الحق والتحقيق، وسلوك طريقة أهل الهداية والتوفيق، أحببنا أن نهدي إليكما ونخبركما بما كنا عليه من المعتقد وما ندين الله به وما كان عليه أئمتنا من مشايخ أهل الإسلام، وما قالوه وما قلناه في ذلك نظما ونثرا، والله المسئول المرجو الإجابة، أن يسلك بنا
_________________
(١) ١ قال محمد رشيد: إنما خص هؤلاء بالذكر لما في كتبهم المتداولة من النصوص الواضحة.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
وبكما وإخواننا الموحدين طريق الإِصابة، وأن يجزل لنا ولكما الأجر والإثابة، إنه ولي ذلك والقادر عليه وإليكما وإلى جميع إخواننا المسلمين، ما نهديه ونرفعه ليعلم حقيقة ما كنا عليه بعد علم اليقين عين اليقين. انتهى١.
فما من شك ولا ريب أن هذا النشر والبيان لعقيدة الشيخ وأنصاره له أثركبير في نشر عقيدة السلف الصالح في الشام وتمكين الله أنصارها في الأرض، ونصرهم لما نصروا دين الله ورسوله ﷺ.
ونجد من علماء الشام الشيخ محمد بهجة البيطار الذي عينه الملك عبد العزيز ﵀ مديرا لدار التوحيد بالطائف أول ما أنشئت ومن مؤلفاته "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، محاضرات ومقالات ودراسات، ونشره المكتب الإسلامي بدمشق عام ١٣٨٥ هـ".
ويرد في هذا الكتاب على (الفريد غيوم) في كتابه الإسلام، ترجمة محمد مصطفى هدارة، والدكتور شوقي اليماني السكري الطبعة الأولى سنة ١٩٥٨ م بالقاهرة ومن رده عليه رده ما جاء في ص ١٠٠ من كتابه، وهو قوله: (في المملكة الوهابية) (حيث يسود المذهب الوهابي) قال محمد بهجة البيطار: الجواب: ليس للوهابية، ولا للإمام محمد بن عبد
_________________
(١) ١ الهداية السنية والتحفة الوهابية النجدية لجميع إِخواننا الموحدين من أهل الملة الحنيفية والطريقة المحمدية جمع الشيخ سليمان بن سحمان ص ٦-٨.
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
الوهاب مذهب خاص، ولكنه ﵀ كان مجددا لدعوة الإسلام، ومتبعا لمذهب أحمد بن محمد بن حنبل١.
هذا وللمكتب الإسلامي في دمشق وبيروت نشاط ملموس في طبع ونشر مؤلفات الشيخ وسائر مؤلفات السلف الصالح.
ومن تعليق للأمير شكيب أرسلان من أهل الشام على الوهابية على حد تعبيره نقتطف من قوله ما نصه: (ولكن المقرر أنها حركة إنابة إلى العقيدة الحق وهدى السلف الصالح واقتفاء أثر رسول الله ﷺ والصحابة، ونبذ الخرافات والبدع وحظر الإستغاثة بغير الله ومنع التمسح بالقبور والتعبد عند مقامات الأولياء، ولذلك يسمونها عقيدة السلف، ويلقب الوهابيون أنفسهم سلفيين، وأكثر اعتمادهم في الاجتهاد على الإمام أحمد ابن حنبل، والإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية٢.اهـ.
وشكيب أرسلان عضو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وكانت له صلة وثيقة بمحمد رشيد رضا، وقد قابل الملك عبد العزيز أثناء رحلته إلى الحجاز سنة ١٣٥٤ هـ٣. وقال: "لله در الملك ابن سعود يقول: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين ما أخشى من الأجانب
_________________
(١) ١ حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، بقلم محمد بهجة البيطار ص ٢٠٠. ٢ هامش حاضر العالم الإسلامي ج١ص ٢٦٤. ٣ انظر: الأعلام للزركلي، ج٣ ص١٧٣-١٧٥. وانظر كتابه: لماذ تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، تأليف الأمير شكيب أرسلان مقدمة ص ٢٥-٢٧.
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
كما أخشى من المسلمين، وهو كلام أصاب كبد الصواب، فإِنه ما من فتح فتحه الأجانب من بلاد المسلمين إلا كان نصفه أو قسم منه على أيدي أناس من المسلمين، منهم من تجسس للأجانب على قومه، ومنهم من بث لهم الدعاية بين قومه، ومنهم من سل لهم السيف في وجه قومه، وأسال في خدمتهم دم قومه.
وقال محمد رشيد رضا مضيفًا إلى ما نقله شكيب أرسلان عن الملك عبد العزيز من كلام صائب أَنه في حفل حافل بحجاج الأقطار- وقد طالب مصري أزهري الملك عبد العزيز بمحاربة الإِنكليز والفرنسيين المعتدين على المسلمين ذاكرا عداوتهم لهم فقال الملك عبد العزيز: الإِنكليز والفرنسيين معذورون إذا عادونا لأنه لا يجمعنا بهم جنس ولا دين ولا لغة ولا مصلحة، ولكن المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين أصبحو أعداء أنفسهم، وأنا والله لا أخاف الأجانب وإنما أخاف من المسلمين، فلو حاربت الإِنكليز لما حاربوني إلا بجيش من المسلمين١.
وهذا محمد كرد علي من أهل الشام في كتابه (القديم والحديث) منتقيات من مقالاته، وهو عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق يقول:
وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى
_________________
(١) ١ انظر: كتاب: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم، تأليف الأمير شكيب أرسلان ص ٦٣.
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
الدين السمح وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإِخلاص، مثل هؤلاء القوم.
وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له١.
أثرها في بلدان الخليج العربي:
نجد في قطر أن حكامه آل ثاني كانوا يسهمون إسهاما كبيرا في طبع مؤلفات علماء السلف الصالح ولا تنكر صلتهم الوثيقة بأنصار عقيدة الشيخ من قديم وكان في قطر من العلماء الذين يحملون عقيدة سلفية سليمة، ولهم دور لا ينكر في ذلك الأثر الحميد، كالشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع الذي كان مديرا عاما للمعارف في المملكة العربية السعودية ثم طلبه أخيرا حكام قطر، ليستفيدوا من علمه، ويشير عليهم بما كانوا متقبلين له، من نصر لعقيدة السلف الصالح ونشر لكتبهم كمجموعة التوحيد النجدية وكتب فقه الحنابلة وغيرها.
وأخيرا يخرج إلينا كتاب للشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي قاضي المحكمة الشرعية بقطر، قدم له وصححه سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز وأمر بطبعه الملك فيصل بن عبد العزيز، عام ١٣٩٥ هـ.
_________________
(١) ١ نقلا عن كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامى ص ٩٦. وانظر الاعلام للزركلى ج ٦ ص ٢٠٢-٢٠٣.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
وهو عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعقيدته السلفية ودعوته الإِصلاحية وثناء العلماء عليه، وهوكتاب علمي جيد، من أجود ما كتب في هذا الموضوع، قال في مقدمته: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي الداعي إلى توحيد الله تعالى من المجددين العدول والمصلحين المخلصين قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإِخلاص العبادة لله وحده بما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ، وقام بنبذ البدع والمعاصى وعبادة الأولياء والصلحاء والأشجار والغيران، ويأمر بإِقامة شرائع الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة.
ومع ذلك فالناس لازالوا من عصره إلى اليوم بين مادح وقادح. ثم يبين أن السبب في القدح هو دعاية الأتراك وأشراف مكة في ما مضى ضد ما قام به الشيخ وأنصاره والتي نالت رواجا وانتشارا في الأقطار الإسلامية وتأثر بها الأكثرون، بالإِضافة إلى كتب ألفها بعض أدعياء العلم ينقدون عقيدة الشيخ وأنصاره بما لفق عليها من غير تثبت وراجت الدعاية لدى الجمهور وظنوا أنها صحيحة.
وقد جهل أولئك المؤلفون أو تجاهلوا: أن الواجب على الشخص ولاسيما من انتسب إلى العلم- أن لا يقبل كل ما يقال عن شخص أومذهب أو طائفة حتى يثبت لديه بأنه يسمع من ذلك المنسوب إليه ما أذيع عنه، أو يقرأ كتابه ويتأكد من صحة نسبة الكتاب إليه، وهكذا القول فيما سمعه عن مذهب أو طائفة.
[ ٢ / ١٠٦١ ]
ثم يقول الشيخ أحمد بن حجر: أما في هذا العصر، فقد خفت وطأة تلك الدعاية السيئة، وعرف كثير من العقلاء في سائر الأقطار والبلدان، حقيقة دعوة الشيخ وصحتها، وذلك بفضل انتشار العلم والوعي في العالم، وبفضل ما اتصفت واشتهرت به الدولة السعودية من التوحيد، وتحكيم الشرع المبين، وإِقامة شعائر الإسلام، وإِقامة الحدود الشرعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العدل والأمان، وتمسكها بالسنة الصحيحة والقرآن ومحاربة أهل البدع، والاهتمام بالعلم والتعليم، ونشر المدارس والمعاهد والكليات في سائر أرجاء المملكة العربية السعودية، وفتح الأبواب للطلاب الوافدين من مختلف البلدان، وإعانتهم بالوسائل النافعة الكافية، كما اشتهرت بالكرم والبذل، لجميع الوافدين إليها من غير فرق بين مذهب وبلد وعنصر.
ثم قال الشيخ أحمد: وبالرغم مما قلنا من انتشار الوعي واتصاف الدولة العربية السعودية بتلك الصفات الكريمة، لازال كثير من المنتسبين إلى العلم، فضلا عن العوام، يزعمون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، لم يكن على الصواب، وأن الفئة الوهابية، تكفر المسلمين، ولا ترى للأنبياء مقاما ولا احتراما ولا شفاعة كما لا تحترم الأولياء والصالحين ولا ترى زيارة قبر الرسول ﷺ ولا غيره. إلى غير ذلك من الأقاويل الزائفة التي لا تعتمد إلا على الوراثة والسماع عن الماضين الجاهلين، والاغترار ببعض كتب المخرفين.
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
قال: فمن أجل ذلك رأيت أن أكتب في سيرة الشيخ المجدد لما اندرس من معالم الإيمان والإسلام، وعقيدته، ودعوته الإصلاحية مؤلفا وسطا، اعتمدت فيه على ما ذكر المؤرخون لنجد كابن غنام، وابن بشر، والألوسي، والريحاني وغيرهم ممن ذكر الشيخ ودعوته في ثنايا كتبهم كما اعتمدت على بعض رسائل إمام الدعوة وأبنائه وأحفاده، وسأختمه- إن شاء الله- بثناء العلماء الراسخين، وبعض المؤرخين المحققين من المسلمين والغربيين، على ذلك الإمام الجليل الذي شغل عصره، وبعده بعلومه وآرائه وإصلاحه. ودعوته المقيدة بالكتاب والسنة والذي دوى صوته بعلومه ودعوته في نجد وفي الخارج، وجادل وناضل بقوة جنانه وفصاحة لسانه، وواضح برهانه١.
وللشيخ محمد بن حسن المرزوقي القطري رد على النبهاني في تهجمه على شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد رشيد رضا، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب٢.
_________________
(١) ١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أحمد بن حجر آل بوطامي ص١٠-١٣. ٢ ترجمة الألوسي في أول كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني، بقلم الشيخ محمد ابن عبد الله السبيل ص ١١
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
أما عن أثرها في البحرين:
فننقل قصة طريفة جرت إبان نكبة الدرعية والتجاء بعض علماء الدعوة إلى البحرين وإلى عمان وغيرهما.
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب، تأليف الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر في قصة تأليف الكتاب المذكور ما ملخصه (إن الإنكليز أرسلوا مندوبا إلى البحرين من القسس، ليعمل على بث الدعاية النصرانية وشكوكها، لفتنة الناس في البحرين عن دينهم، كما هي سياسة أعداء الإسلام من الصليبيين في الشرق الإسلامي كله، فقام ذلك القسيس بتأليف كتاب ضمنه شبهاتهم حول الإسلام، ودفعه إلى أمير البحرين عبد الله بن خليفه وطلب منه أن يعرضه على المشايخ ليقولوا رأيهم، فرد عليه الشيخ عبد العزيز بن حمد آل معمر بكتابه: (منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب) ودفعه إلى أمير البحرين ففرح به الأمير أشد الفرح ودعا القنصل الإنكليزي القسيس وأعطاه الرد فاندهش جدا لأنه كان يظن عجز علماء البحرين، ثم قال: (هذا الرد لا يكون من هنا، وإنما هو من البحر النجدي)
_________________
(١) ١ انظر: كتاب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب، ط ٣ منشورات دار تثقيف بالطائف، ص ٣-٥.
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
ولعل ما نقلناه فيما تقدم يبين لنا مدى أثر عقيدة الشيخ السلفية في نشر الحق والعمل به واتباع السلف الصالح في منهجهم الإصلاحي والحكم بعدل وإنصاف على عقيدة الشيخ السلفية في تلك الربوع الخليجية وغيرها.
أثرها في العراق:
وإذا جاوزنا الخليج إلى العراق فإننا نجد مدرسة أهل السنة والجماعة يتصدرها آل الألوسي أمثال العلامة نعمان خير الدين الألوسي، والعلامة محمود شكري الألوسي.
أما نعمان خير الدين الألوسي الشهير بابن الألوسي البغدادي ولد سنة ١٢٥٢ هـ. وولي القضاء في أماكن متعددة في العراق ثم ترك المناصب، وزار مصر في طريقه إلى الحج ثم الإستانه ومكث سنين هناك ثم عاد يحمل لقب رئيس المدرسين فعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي ببغداد سنة ١٣١٧ هـ.. وله مؤلفات كثيرة ويعنينا منها مؤلفه: شقائق النعمان في رد شقاشق ابن سليمان ويعني داود بن سليمان بن جرجيس وسيأتى طرف من خبره. وكذلك مؤلفه الآخر المشهور جلاء العينين في محاكمة الأحمدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وأحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي وهو دفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما اتهمه به وتهجم به عليه أحمد بن حجر وقد أقزع ابن حجر في السباب والشتم والمهاترة تجاه شيخ الإسلام من غير دليل، ولا حجة ولكن عمي البغي
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
وصمم الهوى، يدفعان صاحبهما إلى مجاوزة حدود أدنى العقول١.
أما صاحبنا نعمان الألوسي فكما قال فيه بهجت الأثري في كتاب أعلام العراق كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إِنشائه وإِنشاؤه أمتن من نظمه، وكان جوادًا، وفيًا، زاهدًا، حلو المفاكهة سمح الخلق٢.
وقد انتهج في انتصاره لشيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدة السلف الصالح أسلوب المناقشة في هدوء وإِقامة الدليل، وتوضيح الحجة، وسطوع البرهان بروح العالم الراسخ، والعاقل الثابت، وهذا منهج يرتضيه علماء السلف الصالح من أهل السنة والجماعة٣.
وأما العلامة محمود شكري الألوسي أبو المعالي فهو ابن أخي نعمان خير الدين الذي تقدم ذكره ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف من الهجرة أبوه عالم أديب وكاتب بارع اسمه عبد الله بهاء الدين، وأما جده فهو الإمام محمود شهاب الدين صاحب التصانيف المشهورة وأشهرها روح المعاني في التفسير وقد أخذ محمود شكري العلم عن أبيه وتأثر به في حسن السمت، وصفاء الطوية، وحب الأدب والعلم، ولما توفي أبوه عام ١٢٩١ هـ. كفله عمه العلامة نعمان خير الدين الألوسي الذي سبق
_________________
(١) ١ انظر: جلاء العينين: ص ١٦-٣٧، وص ١١٩ وغيرها. ٢ انظر الأعلام للزركلى، ط ٤ ج ٨ ص ٤٢ ومعجم المؤلفين العراقيين، كوركيس عواد ج ٣ ص ٣٩٩. ٣ انظر مقدمة جلاء العينين للمدني، ص ٢-٦.
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
ذكره آنفا ثم أخذ العلم من مشايخ بغداد وجد واجتهد في مواصلة الدرس ومتابعة البحث، وكلّف بالتاريخ والسيرة واللغة، وزاول الكتابة، له الاطلاع الواسع، والمادة الغزيرة والتحقيق النادر، والرأى الصائب، وتصدر للتدريس في داره، وفي جامع عادل خاتون، وعين مدرسا رسميا في جامع الحيدرية، ثم في جامع السيد سلطان علي، ثم عين مدرسا في مدرسة مرجان، وجعل رئيس المدرسين، ونفع الله به وتخرج منها خلق كثير١.
وله نشاط في إحياء الكتب الدينية، ونشر مذهب السلف وله اليد الطولى في إِذاعتها ونشرها، وكان يرى أن مذهب السلف هو الواسطة الوحيدة لتحرير العقول من رق التعصب الذميم ولم يكن يحب الفخر والظهور، وإنما يرمي إلى حصول الغرض من أي طريق، مباشر أو غير مباشر، وكان يحمل على أهل البدع في درسه وفي داره وفي المسجد. ويرد عليهم برسائل فعاداه كثير من الناس، وسعوا به لدى والي بغداد عبد الوهاب باشا، فكتب عبد الوهاب إلى مرجعه السلطان عبد الحميد الثاني العثماني فصدر الأمربنفيه إلى بلاد الأنا ضول، فلما وصل إلى الموصل في سنة ١٣٢٠ هـ. قام أعيانها فمنعوه من تجاوزها، وكتبوا للسلطان يحتجون، فسمح له بالعودة إلى بغداد فعاد إليها، وقد اتصل بالملك عبد
_________________
(١) ١ ترجمة مؤلف كتاب غاية الأماني بقلم الشيخ محمد بن عبد الله السبيل، ص٧-٨.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في نجد عام (١٣٣٣ هـ)، وبحث مع الملك بعض الشؤون ثم عاد مكرما محترما. ولما كان في سنة ١٣٤٢ هـ. توفي في العراق رحمه الله١.
ولأصالتهم في عقيدة السلف الصالح فإننا لنجد عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية لديهم يحكيها العلامة أبو المعالي. محمود شكري الألوسي في مؤلفه تاريخ نجد فقد قال ﵀: "اعلم أن أهل نجد كلهم مسلمون موحدون بل وجميع سكنة جزيرة العرب وقد دخلوا في الإسلام في العصر الأول عند ظهور أنوار الشريعة الغراء. وهم على عقائد السلف الصالح ثم ذكر اعتقادهم في الله تعالى وذكر اعتقادهم في الرسول ﷺ واعتقادهم في الآل والأصحاب إلى أن قال: والحاصل أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وأن طريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل الأحكم".
ثم ذكر: "وأنهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ولا ينكرون على من قلد أحدا من الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذهب الغير كالشيعة والزيدية والكرامية ونحوهم. إلى آخر ما حكاه في هذا الموضوع إلى أن قال:
_________________
(١) ١ انظر: ترجمته في كتاب غاية الأماني بقلم الشيخ محمد بن عبد الله السبيل ص١٠- ١١.
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
وأما ما يكذب عليهم سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي ﷺ وأنه ليس له شفاعة وأن زيارته غير مندوبة، وأنهم لا يعتمدون أقوال العلماء وأنهم يتلفون مؤلفات أهل المذاهب لكون الحق والباطل فيها وأنهم مجسمة، وأنهم يكفرون الناس على الإِطلاق من بعد الستمائة إلى هذا الزمان إلا من كان على ما هم عليه، وأنهم لا يقبلون بيعة أحد إلا إذا أقر عليه أَنه كان مشركا وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم يحرمون زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأنهم لا يرون حقا لأهل البيت، وأنهم يجبرونهم على تزويج غير الكفء لهم، إلى غير ذلك من الإفتراءات، فكل ذلك زور عليهم وبهتان وكذب محض من خصومهم أهل البدع والضلال، بل أقوالهم وأفعالهم وكتبهم على خلاف ذلك كله. فمن روى عنهم شيئا من ذلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، ومن شاهد حالهم وحضر مجالسهم وتحقق ما عندهم علم قطعا أن جميع ذلك وضعه عليهم، وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإِذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله على أنه لا يغفره، وأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فإنهم يعتقدون أن من فعل أنواعا من الكبائركالقتل للمسلم بغير حق، والزنى، والربا، وشرب الخمر،
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
وتكرر منه ذلك لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد في دار الانتقام، إذا مات موحدا لله تعالى في جميع أنواع العبادة والذي اعتقدوه في رتبة النبي ﷺ أن رتبته أعلى مراتب المخلوقين على الإِطلاق، وإِنه حي في قبره حياة مستقرة أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل إذ هو ﷺ أفضل منهم بلا ريب. وأنه يسمع سلام من يسلم عليه، وأنه تسن زيارته غير أن لا تشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق أنفس أوقاته بالصلاة عليه الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين وكفي همه وغمه كما جاء في الحديث. وأنهم لا ينكرون كرامات الأولياء، ويعترفون لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، غير أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادة لا حال الحياة ولا بعد الممات. بل يطلبون من أحدهم الدعاء في حال الحياة، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث «دعاء المرء مستجاب لأخيه» ويثبتون الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة حيثما ورد وكذا سائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حيثما ورد أيضا. ويسألونها من الله تعالى المالك لها والإذن فيها لمن شاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، فإنهم يقولون متضرعين إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة أوعبادك الصالحين أو ملائكتك ونحو ذلك. ولا يلزم أن يكونوا مجسمة وإن قالوا بالجهة كما ورد الحديث بها. ويقولون فيمن مات تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
يعملون. ولا يقولون بكفرمن صحت ديانته واشتهر صلاحه وعلمه وورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها (كابن حجر الهيتمي المكي) ﵀، فإِنهم يعلمون كلامه في (الدر المنظم) ولا ينكرون سعة علمه، ولهذا يعتبرون ما بقي من كتبه كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ويعتمدون على نقله.
هذا ما هم عليه. وقد كتبوا في ذلك عدة رسائل خاطبوا بها من له عقل وعلم وهو متصف بالإِنصاف، خال من الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال.
وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته سواء كان حقا أو غير حق مقلدا فهو ممن قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال، لا الرجال بالحق، فلا يخاطب هذا وأمثاله فجنود التوحيد بحمد الله منصورة، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة.
وما كتبناه في هذا الحاصل هو مضمون رسالة كتبها أحد فضلاء علماء نجد وهو الشيخ (عبد الله ابن العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) عليهم الرحمة، وقد قرئت عند دخول الأمير (سعود بن عبد العزيز في الحرمين الشريفين بمحضر علماء المذاهب الأربعة وبمسمع منهم. فمن الواجب على طالب معرفة الحق وإدراك الحقائق أن لا يبادر بالإنكار قبل التبصر، ولا يحكم على شيء قبل الوقوف على حقيقة الحال، فالخطأ في ذلك عظيم.
[ ٢ / ١٠٧١ ]
فلا تحكم بأول ما تراه فأول طالع فجر كذوب
والقصد بما ذكرناه التنبيه على خطأ من نسب إلى القوم ما هم بريئون منه مما يخل بالديانة، حتى أساء الظن بقسم عظيم من الأمة العربية وانطوى على بغضهم الذي هو من أعظم أسباب النفاق.
وغالب من أشاع ذلك هم أهل البدع والأهواء الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وكذبوا بأقوالهم وأفعالهم على الدين المبين الذي هو بعيد عنهم بمراحل. وهم الدجالون الجالبون على الإسلام كل عار، وإلا فأهل الإيمان هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ثم (ذكرمناظرة جرت بين عراقي ونجدي تحريرا) فقال:
هذه مناظرة اتفقت بين عالم عراقي من سكنة بغداد، وبين فاضل كامل، وعالم عامل من علماء نجد: كتب بها العراقي إلى العالم النجدي، فأجاب عنها بما سيأتى:
ولكونها تزيد الحق وضوحا والواقع بيانا أدرجناها على سبيل التلخيص والاختصار ليتجلي بها الحق المستور، ويرد بها الباطل المشهور، رجاء الفوز بثواب ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم ذكرها ويقصد بالعراقي داود بن سليمان بن جرجيس صاحب التلبيس والذي زار عنيزة واتصل بالشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في أثناء عشر سنين ومائتين وألف وحصلت منه تشبيهات لينصر دعواه: أن وقوع الشرك في الأمة المحمدية مستحيل ويزعم أن دعاء غير الله طلبا
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
للزلفى عند الله ليس شركا. ثم رد عليها الشيخ عبد الله المذكور بكتاب طبع سنة ١٣٤٤ هـ. بمطبعة الحلبي بعنوان: كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن سليمان بن جرجيس، استوفى مائة وعشرين صفحة، ثم طبع ملخصا بعنوان الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين، عني بنشره الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ وكان طبعه بالمطبعة السلفية بالقاهرة واستوفى تسعا وثلاثين صفحة: وقد رد عليه أيضا شيخ المسلمين ومفتي نجد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، وكذلك ابنه الشيخ عبد اللطيف رد على داود هذا بمؤلف اسمه (منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس) .
والألوسي يعني بالعالم النجدي الشيخ عبد اللطيف فإن من مؤلفاته تتمة لمنهاج التأسيس الذي ألفه الشيخ عبد اللطيف، وقد لخصها الشيخ الألوسي على شكل مناظرة فيقول:
قال السائل العراقي: ثم يورد قوله وبعد نهايته يقول: قال العالم النجدي: ثم يورد جوابه وبيانه حتى أتى على شبهات الخصوم أعداء التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ثم ذكر الألوسي طرفا من معتقد المغالين في القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين المخالف لدين المرسلين ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن؛ لئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
تشفعا وتوسلا واستظهارا مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق ثم أخذ يبين ذلك.
ولما انتهى من البيان، أخذ يقص شيئا من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ويذكر طرفا من أخباره، وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان وأغواه، وبالغ في كفره واستهواه، ثم مضى في ذلك يقرر الحق ويبين الرشد ويقارن أقوال الشيخ بأقوال من سلف من علماء المسلمين وأئمتهم المهديين، ونقل عبارة أبي الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين في نقله جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة، إلى نهايتها وهي قوله: «فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل، وانتهى الألوسي من بحثه هذه المسألة عند ذلك١.
هذا وللألوسي ﵀ مؤلف جيد في نقض شبه المخالفين للرسل والسالكين غير منهج السلف الصالح من المسلمين والمؤمنين هذا المؤلف هو «غاية الأماني في الرد على النبهاني» وكان قد ألفه ولم يصرح بذكر اسمه عليه، ولكنه كنى عنه: بأبي المعالى الحسيني وزاد عليها السلامي
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ نجد للألوسي ص ٤٠-٨٧.
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
الشافعي لئلا يتضح اسمه خوفا على نفسه، ويقول محمد رشيد رضا في تقريظه: غاية الأماني في الرد على النبهاني، كتاب مؤلف من سفرين كبيرين، لأحد علماء العراق الأعلام، المكنى بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي، رد فيها ما جاء به النبهاني في كتابه شواهد الحق من الجهالات والنقول الكاذبة، والآراء السخيفة، والدلائل المقلوبة، في جواز الاستغاثة بغير الله تعالى، وما تعدى به طوره في سب أئمة العلم وأنصار السنة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن قال: وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية في التوحيد، والحديث، والتفسير، والفقه، والتاريخ، والأدب، وما انفرد به بعض المشاهير فأنكره العلماء عليه، كالإنكار على الغزالي وابن عربي الحاتمي وغيرهما.. فعلى هذا الكتاب نحيل الذين يكتبون إلينا في الشرق والغرب، يسألوننا أن نرد على النبهاني، وكذا من اغتروا بقوله ونقوله، وظنوا أن قولنا في الاعتذار عن عدم قراءة كتبه والرد عليها أنه لا يوثق بعمله ولا نقله هو من قبيل السب، وحاشا لله ما هو إلا ما نعتقده فيه وفي كتبه بعد النظر في بعضها، ورؤية ما فيها من الأحاديث الموضوعة والنقول المكذوبة، والاستنباطات الباطلة ممن جعل نفسه بالاستنباط مجتهدا وهو ينكر الاجتهاد، ويعترف بأنه ليس أهلا له. انتهى كلام صاحب المنار١. ولتأليفه هذا الكتاب دون أن يصرح باسمه عليه
_________________
(١) ١ المنار ١٢ ص ٧٨٥ نقلا عن ترجمة مؤلف كتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني، بقلم الشيخ محمد بن عبد الله السبيل، في نفس الكتاب ج١ص ٩، ١٠.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
قصة ذكرها الشيخ محمد السبيل في ترجمته للألوسي فقال: عندما عزمت على كتابة هذه الترجمة اتصلت بالعالم السلفي، الشيخ محمد نصيف بجدة، والذي كان له مساهمة فعالة في سبب تأليف الكتاب وطبعته الأولى، فأفاد بما ملخصه: أنه عندما ظهر كتاب النبهاني المسمى (شواهد الحق) وقرأه الشيخ محمد نصيف، ورأى ما فيه من التلفيق والتحريف الواهي، وتهجمه على المحققين من علماء السلف، وتجويزه دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وغير ذلك ما يخالف صريح الكتاب وصحيح السنة، عندما قرأه كتب للعالم العلامة الشيخ محمود شكري الألوسي، يطلب منه أن يقوم بالرد على النبهاني، ويدحض أباطيله، وينتصر للحق وأهله، فلم يمض سنة إلا وقد جاء الرد المسمى (غاية الأماني في الرد على النبهاني) للشيخ محمود شكري الألوسي، واتفق الشيخ محمد نصيف والشيخ عبد القادر التلمساني، من تجار جدة المحسنين، والعلماء السلفيين، على أن يقوما بطبعه وتكاليف الطبع بينهما نصفين. وكان الشيخ التلمساني آنذاك في مصر، فاتفقا أن يقوم بطبعه فرج زكي الكردي بمطبعته في مصر فقام بطبعته الأولى وقد وضع المؤلف على طرة الكتاب: تأليف أبي المعالي الحسيني، إشارة إلى كنيته ونسبه الحسيني، وزاد عليها السلامي الشافعي لئلا يتضح اسمه خوفا على نفسه، وذلك أن العلماء السلفيين في ذلك
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
العصر يخافون على أنفسهم من معارضة أهل البدع والخرافيين - كالنبهاني وغيره- والسبب في ذلك أن السلطان عبد الحميد سلطان الدولة العثمانية قد قرب المشايخ من أهل الطرق، من الصوفية أنصار البدع، فلذلك خاف السيد محمود شكري الألوسي من إِظهار اسمه على طرة الكتاب، وكذلك صاحب المطبعة فرج الله زكي خاف على نفسه، ولم يذكر اسمه إلا رمزا (ف، ج، ز) ولا اسم مطبعته، ولا البلد التي فيها المطبعة، وكذلك الشيخ عبد القادر التلمساني والشيخ نصيف خافا على أنفسهما من نفس العلة، لأن السلطان عبد الحميد في ذلك الوقت له النفوذ في بغداد ومصر والحجاز وهي البلدان التي فيها المؤلف والطابع والمطبعة، ولهذه المضايقات والخوف عندما تم طبع الكتاب لم يتمكنوا من توزيعه إلا عندما أخذت حكومة اسطنبول بالقوانين الوضعية الأوربية وأعلنت الدستور وكان الدستور يقضي بحرية العقائد والأديان، فعند ذلك أرسلت حصة الشيخ محمد نصيف من الكتاب إليه في الحجاز، ووزعها، ووضع على كل نسخة وزعها اسم المؤلف بخط يده، وكذلك الشيخ عبد القادر وزع نسخه في مصر وغيرها، ثم إن الشيخ محمد نصيف عندما لم يخف من جراء إظهار الكتاب أعلن في جرائد بيروت في ذلك الحين أن لديه كتابا في الرد على النبهاني للشيخ الألوسي اسمه (غاية الأماني في الرد على النبهاني)، ثم انبرى بعض تلامذة النبهاني وأعلن عن الرد، وحاول أن يحط من قدر الكتاب ولكن كما قيل:
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
وقل للعيون الرمد للشمس أعين سواك تراها في مغيب ومطلع١
وله مؤلفات كثيرة منها غير ما تقدم في خدمة السنة:
١- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى، ألفه ردا على النبهاني لما شن الغارة في سب شيخ الإسلام ابن تيمية، ورشيد رضا، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
٢- (فتح المنان) تتمة منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرجمن بن حسن آل الشيخ.
٣- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبع بعنوان مسائل الجاهلية٢.
وهذا في بغداد أحمد بن سعيد البغدادي قال في كتابه (نديم الأديب):
كما نقله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فقال: إليك أيها، القارى نص كلام أحمد سعيد منقولا بتمامه من كتاب (نديم الأديب) ص ١١ (وأما) حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه
_________________
(١) ١ ترجمة مؤلف كتاب غاية الأماني، في نفس الكتاب ج١ص ٨- ٩. ٢ انظر: ترجمة مؤلف كتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني، في أول الكتاب المذكور بقلم محمد بن عبد الله السبيل ص١٠- ١١. ومعجم المؤلفين العراقيين تأليف كوكيس عواد ص ٢٧٤- ٢٧٥.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
بتأمل لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإِن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى، ومنهم من يقول إن هذه الطائفة تنهى عن وصف النبي ﷺ بأوصاف المدح والتعظيم، ويقول إِنها تؤمن بقدم القرآن١، وبهذا يظهر بداهية التناقض لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣ وآيات غير هذه كثيرة، أما ما نهى عنه محمد
_________________
(١) ١ القرآن كلام الله، ونوع كلامه سبحانه قديم وآحاد كلامه محدثة وليس كل محدث مخلوقًا قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنبياء:٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (الشعراء: ٥) ويعني بالذكر القرآن، قال ابن كثير: أي جديد إنزاله كما قال ابن عباس: "ما لكم تسألون أهل الكتاب عما في أيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب" رواه البخارى، انظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص ١٧٤. وانظر: صحيح البخارى، كتاب الشهادات باب ٢٩ ص ١٦٣، وكتاب الاعتصام باب ٣٥ ص١٦٠، وكتاب التوحيد باب ٤٣ ص ٢٠٨. ٢ سورة الأحزاب: (٥٦) . ٣ سورة القلم: (٤) .
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
ابن عبد الوهاب إنما هو الوصف بأوصاف الألوهية كالقدرة والإرادة وعلم الغيب كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام فقد قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ومن أراد أن يعرف جليا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فإِنه مذهبهم، وأما سبب حرب صاحب مصر لهذه الطائفة فقد ذكره المؤرخ الشهير الموسيو (سيديو) الفرنساوي، وكلامه هذا محذوف من ترجمة كتابه التي أمر بها المرحوم علي باشا مبارك وخلاصة معناه هي: أن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوربا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم، وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا، وحصل ما حصل (ولكل أجل كتاب) وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون ومن سبها يأثم والله أعلم بغيبه وأحكم. انتهى ما كتبه المذكور في كتابه نديم الأديب بكماله١.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بقلم أحمد بن حجر آل بوطامي رقم ١ص ٩٧.
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
أثرها في فارس والهند:
وإذا تجاوزنا العراق وعرجنا على فارس في طريقنا إلى الهند، فإننا نجد في «لنجة» بلد من البلدان الفارسية الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان يرد على بعض قصائد الملحدين المعادين للشيخ ويثني خلال ذلك على الشيخ بقصيدة، هذا مطلعها:
جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي في سب دين الهاشمي محمد
إلى أن قال:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجا وشمسانا ومن ضاهاهما من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ويؤملون كذلك أخذا باليد
ورأى لعباد القبور تقربا بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأَشياخ ما شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصـ ـح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا يعبدوا إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا يشركوا ملكا ولا من مرسل كلا ولا من صالح أو سيد
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا إِ عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضا ولا أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إِنا وجدنا جملة الآبا على هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
[ ٢ / ١٠٨١ ]
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من أهل الزمان اشتد غير مقلد
إلى أن قال:
لو أنصفوا لرأوا له فضلا على إِظهار ما قد ضيعوه من اليد
ودعوا له بالخير بعد مماته ليكافئوه على وفاق المرشد
لكنهم قد عاندوا وتكبروا ومشوا على منهاج قوم حسد
ورموه بالبهتان والإِفك الذي هم يعملون به ومنهم يبتدي
كمقالهم هو للمتابع قاطع بدخول جنات وحور خرد
حاشا وكلا ليس هذا شأنه بل إِنه يرجو بها لموحد
إلى أن قال:
قالوا له ياكافرا يا فاجرا ما ضره قول العداة الحسد
قالت قريش قبلهم للمصطفى ذا ساحر ذا كاهن ذا معتدي
إلى أن قال:
هل قال إلا وحدوا رب السما وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضا ولا تتنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشا وهو قد بعثت به الرسل الكرام لمن هدي
من عهد آدم ثم نوح هكذا تترا إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم والتابعون وكل حبر مهتدي
منهاجهم هذا عليه تمسكوا من كان مستنًا بهم فليقتد
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
إلى آخر القصيدة وهي طويلة مفيدة١.
وقد أوردت في أول هذا الباب للشيخ ملا عمران هذا أبياتا سبعة من قصيدة له أخرى مطلعها:
إن كان تابع أحمد متوهبا فأنا المقر بأنني وهابي٢
ومن فارس إلى الهند فنجد علماء السنة في الهند قد بلغهم ما يقوله دحلان وأمثاله في الشيخ فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، وكما هو منهج أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح، فظهر لهم أن الطاعنين في الشيخ مفترون لا أمانة لهم فأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من أئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم وكما قال محمد رشيد رضا٣.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣/ ١١٨. ٢ انظر: كتاب كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام نأليف الشيخ سليمان بن سحمان ص ١٣٨-١٤٣. وكتاب الأسنة الحداد في رد شبهات علوى الحداد تأليف الشيخ سليمان بن سحمان ص ٥٨-٦٢. وانظر: كتاب الامام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ، تأليف عبد الله بن سعد الرويشد ج٢، ص ٣٥٧-٣٥٩، انظر كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بقلم أحمد بن حجر آل بوطامي ص١١٨. ٣ مقدمة محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية من صيانة الإنسان ص ١٤ من الطبعة الخامسة عام (١٣٩٥ هـ) .
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
ومن هذه الكتب: كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، تأليف العلامة الكبير، المحدث الفقيه النحرير، محمد بشير السهسواني الهندي، يقول عنه مؤلف كتاب: «الياقوت والمرجان»، في ذكر علماء سهسوان ما ملخصه:
كان من المجددين وأحد المحققين المتأخرين، ولد في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وتعلم في لكنو، ثم ذهب إلى دهلي فأخذ عن سيد نذيرحسين كتب الصحاح والسنن الستة وغيرها سماعا وقراءة، واستجاز من الشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليمني، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدى نزيل مكة والشيخ محمد السهارنبوي المهاجر بمكة.
وبعد فراغه من الطلب اشتغل بالتدريس وكان وحيد عصره في سعة المعلومات والاطلاع على مذاهب السلف، يصرف أكثر أوقاته في التدريس والتصنيف والوعظ والإِرشاد، وله من المؤلفات إِتمام الحجة على من أوجب الزيارة كالحجة، وكان الشيخ محمد بشير على جانب عظيم من الورع والتقوى والعبادة وقيام الليل، وكان يغلب عليه في وعظه رقة القلب والخشية حتى تدمع عيناه، وفي ٥ المحرم سنة ١٢٩٥ هـ. استدعاه النواب صديق حسن خان بهادير من آكره إلى بهوبال وفوض إليه رئاسة المدارس الدينية في إمارة بهوبال.
وقد أقر له أهل الهند كافة بقوة الاجتهاد والفضيلة العلمية واعترفوا له بها.
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
تناظر الشيخ محمد بشير والشيخ أحمد دحلان مفتي مكة في مسألة التوحيد، فكتب الشيخ ردا عليه، كتابه المسمى (صيانة الإنسان، عن وسوسة الشيخ دحلان) . واشتهر الكتاب وطبعه علماء نجد ولم يرد عليه أحد من المخالفين.
وناظر مرزا غلام أحمد القادياني في دلهي بأمر بيكم بهوبال زوجة صديق حسن خان حتى انقطع القادياني عن المناظرة.
وتوفي ﵀ سنة (١٣٢٦ هـ) عن عمر بلغ أربعا وسبعين سنة١.
وفي مقدمة كتابه صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان قال الشيخ محمد بشير بعد البسملة والحمدَلة والثناء على الله والشهادتين والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
أما بعد فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان، أنقذه الله من دحلان الخذلان، وسماها (الدرر السنية، في الرد على الوهابية) ورأيت مؤلفها يدعي في ديباجة رسالته الباطلة الساقطة الدنية الردية، أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة في زيارة النبي ﷺ والتوسل به من الدلائل والحجج القوية، من الآيات والأحاديث النبوية.
_________________
(١) ١ انظر: ترجمته في أول كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ص ١٨-٢٣.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
فتعجبت منه التعجب الصراح، كيف وليس في الباب حديث واحد حسن فضلا عن الصحاح؟! فتأملت فيها تأمل الناقد البصير، لكي أعلم أنه هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب الباطل المهين، فإِنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي (في شفاء الأَسقام) وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام: إِما موضوعة عملتها أيدى الوضاع اللئام، أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والأوهام. أو شيء يسير من الصحيح والحسن في زعمه، قاصر عن إِفادة المرام، كما بين ذلك كله الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى في (الصارم المنكى) وليس فيها من الآيات والأحاديث الصحاح والحسان ما يدل على المطلوب المحكي.
وكان حقا على المؤلف تعاطي واحد مما يذكر، لئلا يعد كلامه مما يهجر وينكر:
أما إِيراده لأحاديث صحيحة أوحسنة دالة على المطلوب غير ما أورد في الشفاء أو الإِجابة عما تكلم به عليها صاحب الصارم وغيره من الأئمة الأذكياء. وإذ لم يفعل هذا ولا ذاك فليس لها فائدة ولا يؤول هذا الطول الى منفعة وعائدة.
ومن عجائب صنيعه أن المؤلف مع زعمه أنه من جملة المقلدين، يستدل بالأدلة الشرعية وهو منصب المجتهدين. فعن لي أن أنبه على ما وقع فيه من مساوىء المفاهيم وزخارف الأقوال، وأراجيف الاستدلال،
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال١.
ثم صار يورد جملة من كلامه وبعدها يَقُومُ بردها وبيان زيفها. ولقد انتصر للشيخ المظلوم، وذب عن عرضه، ونصرالتوحيد بحجته ومنطقه وآزر الحق بدلائل القرآن والسنة، وكل ذلك بأسلوب العالم المنصف، قال عنه محمد رشيد رضا: (ومن فضائل هذا الكتاب ومؤلفه علو أدبه في عباراته، وتحاميه المبالغة في ذم المذموم، ومدح الممدوح، فهو لا يطري الإمام المجدد الذي يدافع عنه، ولا يهجو المتجرم الذي يرد عليه هجوا شعريا يدخل في مفهوم السباب المذموم وإِن كان جزاءا وفاقا، ومقابلة للسيئة بمثلها، فتراه يقول في كل فرية من مفترياته على الشيخ نفسه، أو نقوله غير المسندة: هذا قول لم تصح به رواية فليأتنا بروايته وما قيل في تعديل رواتها لنجيب عنها.
وجملة ما يقال في هذا الكتاب إِنه ليس ردا على الشيخ دحلان وحده، ولا على من احتج بما نقله عنهم من الفقهاء مما لاحجة فيه كالشيخ تقي الدين السبكي والشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المكي بل رد على جميع القبوريين والمبتدعين حتى الذين جاءوا بعده إلى زماننا هذا٢.
_________________
(١) ١ صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، ص ٢٥، ٢٦. ٢ مقدمة محمد رشيد رضا لكتاب: (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) ص١٦،١٧.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
وفيما يلي أسوق مثالا من كلامه الذي ينصر به الحق وهو قوله حين يرد على دحلان في افترائه على الشيخ أنه يكفر الأمة إلا من وافقه، قال الشيخ السهسَواني: وأما قوله (فسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله) فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة من المبعث النبوي١ إلى قيام الساعة، إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ، وما جاء به ودعا إليه؟! بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم. والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب- أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم، وعدل عن مناهجهم،
_________________
(١) ١ قال محمد رشيد رضا في تعليقه: وزعم غير هذا المعترض أنه كفر الأمة منذ مئات من السنين، لا من أَولها كما اقتضاه إِطلاقه، بل منذ فشا فيها تشييد القبور، وبناء المساجد عليها، والطواف بها، ودعاء الموتى، فإن هذا لم يكن في القرون الأولى ولكن الحق الواقع أن الشيخ لم يكفر الأمة كلها في زمنه، فضلا عما قبله، وإنما كفر من أشرك بالله بغير عذر الجهل. وهو كما قال.
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
كالجهمية والمعتزلة، وغلاة عباد القبور، بل قوله مما اجتمعت عليه الرسل، واتفقت عليه الكتب، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يكفر إلا على هذا الأصل، بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لامبتدع وهذا كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور، مقرر في محله، في حكم من عدل بالله وأشرك به وتقسيمهم الشرك إلى أكبر وأصغر، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة، لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم وما جاءت به الرسل.
وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإِجماع عليها، وأنها من ضروريات الإسلام، كما ذكره تقي الدين ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عقيل، وصاحب الفتاوي البزازية، وصنع
الله الحلبي والمقريزي والشافعي، ومحمد بن حسين النعيمي الزبيدى،
ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم١،٢.
_________________
(١) ١ قال محمد رشيد رضا يعني أن هؤلاء وأمثالهم صرحوا بأن ما عليه كثير من المسلمين الجاهلين من عبادة القبور ودعاء الموتى شرك جلي، وأما أصل المسألة فقد أجمع عليها الفقهاء قبلهم. ٢ صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ص ٤٢٦-٤٢٧.
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
ويظهر من مطالعة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ
دحلان، أن مؤلفه الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي، قد وصلته رسائل كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب واطلع على كثير من مؤلفاته ومؤلفات من بعده فهو ينقل عن الشيخ نفسه من كتبه ورسائله وينقل عن المؤرخ ابن غنام من تاريخه روضة الأفهام وينقل عن ابن الشيخ عبد الله وينقل عن حفيد ابنه الشيخ عبد اللطيف١.
ولا نغفل ذكر العلامة النواب أمير بهوبال صديق حسن خان، الذي أحيا بمصنفاته السنة، وانتشرت بسببه علومها المولود سنة ١٢٤٨هـ.، ولما شب تلقى العلم عن شيوخ جهابذة كالشيخ أحمد بن عبد الرحيم المدعو بـ (شاه ولي الله المحدث الدهلوي، والشيخ حسين بن محسن السبعي الأَنصاري اليمني تلميذ الشريف محمد بن ناصر الحازمي تلميذ الإمام الشوكاني. والشيخ عبد الحق بن فضل الهندي تلميذ الإمام الشوكاني أيضا٢، وهو الذي استدعى الشيخ بشير السهسواني صاحب كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان سنة ١٢٩٥ هـ. من آكره إلى بهوبال وفوض إليه رئاسة المدارس الدينية في إمارة بهوبال٣.
_________________
(١) ١ انظر مثلا: صيانة الإِنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ص ٤٠٨-٤٢٢ وص ٤٢٣- ٤٣١، وص ٤٦٤-٤٨٧. ٢ ترجمة صديق حسن خان في أول مؤلفه: الدين الخالص ج١ص ز- ح. ٣ صيانة الإنسان ص ٢٠ ط ٥ عام ١٣٩٥ هـ.
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
وكان معجبا بالإمام الشوكاني، ومحصلا لمؤلفاته وله كتاب الدين الخالص في التوحيد والتحذير من ضده.
وجرت من بعض مشايخ الدعوة له مكاتبات كالشيخ حمد بن عتيق، فقد أرسل إليه الشيخ حمد رسالة أولها بعد البسملة: (من حمد بن عتيق إلى الإمام المعظم، والشريف المقدم محمد الملقب صديق زاده الله من التحقيق،
وذكر الشيخ حمد أنه وصله تفسيره، وأثني عليه وبين له أمورا لاحظها وهي بسيطة بجانب ما أحسن فيه من تفسيره١. ورحل إليه الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عنه في الهند وعن غيره٢.
كما ارتحل الشيخ إسحق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ إلى بهوبال وأخذ عن الشيخ محمد بشير السهسواني والشيخ حسين بن محسن الأنصاري شيخ صديق حسن خان ٣ وغيرهما في مدرسة بهوبال السلفية تحت رعاية عالمها صديق حسن خان رحمه الله تعالى. وكذلك الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق رحل إليهم لطلب العلم ولما سألوه عن معتقد مشايخه من أهل بلده أجابهم سنة ١٣٥٢ هـ وكتب لهم في
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج١٠ ص ١١. ٢ الدرر السنية ج١٢ ص ٩٣. ٣ الدرر السنية ج١٢ ص ٨٠.
[ ٢ / ١٠٩١ ]
ذلك١.
وممن ألف في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته من كلية ندوة العلماء بالهند الأستاذ مسعود عالم الندوي وهو من الأحناف في أول أمره، وتتلمذ على الدكتور محمد تقي الدين الهلالي من أول سنة ١٣٤٩ هـ إلى سنة ١٣٥٢ هـ. في الهند ثم في بغداد بعد ذلك التاريخ أقام عند الدكتور الهلالي مدة سنة وبصحبة الأستاذ عاصم الحداد، وكان أحد رؤساء الجماعة الإسلامية التي يرأسها الأستاذ المودودي فسجن معه في الباكستان وبقي سنين في السجن فلم يجد سبيلا إلى التأليف فعكف على نيل الأوطار للشوكاني فتبين له أن التعصب للمذهب الحنفي من غير حجة لا يرضاه الله ولا يرضاه السلف الصالح ومنهم الإمام أبو حنيفة نفسه فرجع عن التعصب والتزم اتباع الكتاب والسنة٢.
وقد ألف هذا الأستاذ كتابا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما ذكرنا وعنوانه: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه باللغة الأردية، وترجمه منها إلى اللغة العربية الأستاذ عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، وقدم له الدكتور محمد تقي الدين الهلالي فقال فيه: "وإذا كان الفضل في إِخراج هذه الدرة الثمينة يرجع إلى تلميذي مسعود عالم
_________________
(١) ١ طبع تحت عنوان «عقيدة الطائفة النجدية في توحيد الألوهية» انظر المقدمة ص ٣. ٢ انظر: مقدمة الدكتور تقي الدين الهلالي على كتاب: محمد بن عبد الوهاب، لمسعود الندوي ص ٧-٨.
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
الندوي، فإن الفضل في إِخراجها من عالم العجمية إلى عالم العربية إلى تلميذي عبد العليم بن عبد العظيم البستوي المتخرج في الجامعة الإِسلامية" ١.
ويقول المترجم وهو زميلنا عبد العليم عبد العظيم البستوي ما ملخصه: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المجددين المجاهدين، ولذا درست سيرته وتعرفت طريقته في كتب كثيرة ألفت في ذلك فرأيت كتاب الأستاذ مسعود عالم الندوي ﵀ يمتاز بأنه ألف لنصرة الحق وأداء الواجب والتزم الإِنصاف في ما ناقشه من قضايا وبحوث مع الاطلاع على كثير من الكتب حول الشيخ من عربية وأعجمية، وسيجد القارىء في هذا الكتاب سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته وأنها سيرة إسلامية ودعوة إسلامية خالصة وأنها دعوة تحاول أن تعود بالمسلمين إلى الرقي والمجد والازدهار كما كانوا في القرون الأولى إِنها دعوة دعا إليها جميع الأنبياء والمرسلين، وإِن محمد بن عبد الوهاب لم يبتدع شيئا من عنده ولا خرج عن عقيدة المسلمين التي اتفق عليها أئمة الإسلام كلهم٢.
وفي الهند جهود مخلصة في خدمة السنة المطهرة يتحدث عنها زميلنا عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي في كتابه بهذا العنوان الذي نشرته
_________________
(١) ١ مقدمة الدكتور تقي الدين الهلالي على كتاب محمد بن عبد الوهاب، لمسعود الندوي ص ٨. ٢ انظر: كتاب محمد بن عبد الوهاب، لمسعود الندوي، كلمة المترجم، ص ١١، ١٢.
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
إِدارة البحوث الإِسلامية والدعوة والإِفتاء بالجامعة السلفية في بنارس بالهند.
وحركة الانطلاق الفكري بالهند وجهود الشاه ولي الله الدهلوي وفي غيرها من نشاطات إسلامية والجامعة السلفية في بنارس بالهند التي أنشئت في سنة ١٣٨٣ هـ. تحت إِشراف جمعية أهل الحديث الهندية.
وهذه كلها وإِن لم تكن قد أخذت عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية مباشرة فهي تلتقي معه في عقيدة السلف الصالح على الأغلب، وهذا ما تحرص على أن تؤكده كتاباتهم ففي كتاب بعنوان حركة الانطلاق الفكري بالهند وجهود الشاه ولي الله الدهلوي تأليف محمد إسماعيل السلفي وتعريب مقتدي حسن الأعظمي: يقولون إِن تسمية ما هم عليه بالوهابية كذب محض وافتراء عظيم، فالمركز الرئيسي للوهابيين الحجاز ونجد. ويقولون: إنهم هم الذين أخذوا علم الحديث من الهند، أو استفادوا من العلامة حياة السندي والحافظ الشوكاني في الحديث، فكأن الوهابيين أيضا قد أخذوا السلفية من الهند أو اليمن والحجاز١.
وكانت تطبع بعض مؤلفات الشيخ بالهند وتاريخ ابن غنام، وينتشر هناك ما ينتشر من ذلك ولهذا أثر كبير في بث الوعي الإسلامي السليم والعقيدة السلفية بالهند.
_________________
(١) ١ نقلا عن مجلة الجامعة السلفية (صوت الجامعة) السنة السادسة العدد الأول شعبان ١٣٩٤ هـ. ص ٧٧-٧٨.
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
أثرها في مصر:
ونعود من الهند إلى مصر، وما أدراك ما مصر؟! إذا تذكرنا الحملة المصرية وما أعقبها من ترحيل من قدروا عليه من آل سعود وآل الشيخ من الدرعية إلى مصر بحريمهم وذراريهم ومعهم علمهم وعقيدتهم السليمة، التي لا تزول وإن زالت الدولة والرواسي، فالعقيدة أمر ثابت يبقى ولا يزيله حتى الموت ومفارقة الروح الجسد سيما إذا كانت عقيدة صحيحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع هذه الحال لا بد وأن يظهر أثر العقيدة ونلتمس مما كتبه المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ما يبين أثر هذه العقيدة، فنجده ينتقد محمد علي باشا وجميع من شاركه في محاربته، وينتقد احتفالهم الهائل بوصول من قدروا على أسره من أنصار العقيدة السلفية وحملتها: ويقول عن احتفالهم: وكان ذلك من أغرب الأعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر، وما يقرب من ذلك".
إلى أن قال: وقد ذهب في هاتين الملعبتين من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر، وأهل الاستحقاق يتلظَّوْنَ من الفشل والتفليس مع ما هم فيه من غلاء الأسعار في كل شيء وانعدام الأدهان.
إلى أن قال: وأعصوان المحتسب مرصدون لمن يرد من الفلاحين والمسافرين بالسمن فيحجزونه لمطالب الدولة ومطايخهم ودورهم في هذه الولائم والجمعيات) ١.
_________________
(١) ١ نقلا عن كتاب: من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي تلخيص محمد أديب غالب ص ١٩٤.
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
وكان قد ذكر زينتهم ووصف إسرافهم وألمح إلى أن معظمها كان حيث مساكن الأفرنج والأرمن فإِنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل وأشكال السُّرُجِ وغيرها، وذكر أنها ملاهي وأغاني وتسماعات وقيان وجنك رقاصات١.
وتظهر العقيدة في مقابلة الباشا المزهو بغرور النصر المؤقت للإمام عبد الله المصاب الصابر ويحدثنا عن ذلك الجبرتي فيقول: "وصل عبد الله الوهابي فذهبوا به إلى بيت إسماعيل باشا ابن الباشا فأقام يومه وذهبوا به في صبحها عند الباشا بشبرا فلما دخل عليه قام له، وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه، وحادثه وقال له (ما هذه المطاولة؟) فقال: "الحرب سجال" قال: "وكيف رأيت إبراهيم باشا؟ " قال: "ما قصر وبذل همته، ونحن كذلك.. حتى كان ما كان قدره المولى" فقال: "أنا إن شاء الله تعالى أترجى فيك عند مولانا السلطان" فقال: "المقدر يكون
" ٢.
ثم لما قتل الإِمام عبد الله شهيدا ومن معه قال الجبرتي: "فذهبوا مع الشهداء" ٣ وهذا يعني تأثره بعقيدة السلف الصالح.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ١٩٠. ٢ المصدر السابق، ص ١٩٤- ١٩٥. ٣ نقلا عن كتاب: من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي، ص ١٩٧، ١٩٩.
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
وذكر أَن ابن الإمام عبد الله هو وخواصه ومن معهم نحو أربعمائة نسمة أسكنوا بدور بالقشلة، ولم يكن على ابن الإمام هو وخواصه حرج يذهبون ويجيئون ويترددون على المشايخ وغيرهم ويمشون في الأسواق ويشترون البضائع والاحتياجات.
ونجد الجبرتي ينكر بيعهم بعض الأسرى ويقول "هم مسلمون أحرار" ١.
وهذا قديم في أمثالهم فقد باعوا يوسف عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام. ولعل هذا مما دس على الجبرتي، إذ الحوادث التي جرت أثناء تلك الحروب مشهورة، وهذا ليس منها في الشهرة.
وما من شك أن مثل هذه الأمور تبين همجية أعداء السلف الصالح وبعدهم عن الشريعة الإسلامية. وتبين صفاء العقيدة لدى أصحابها ونقاءها حتى في الحالات التي قد ذهب عنهم كل شيء وفسدت دنياهم عليهم هم لا يزالون مشاعل خير وعلامات رشد تدعو إلى عقيدة السلف الصالح إن لم يكن بلسان مقالهم وسلطانهم فبلسان حالهم.
وقد ذكرت قبل قليل كلام أحمد سعيد البغدادي في بحث أثر عقيدة الشيخ السلفية في العراق ومن كلامه ذلك كلامه عن سبب حرب
_________________
(١) ١ نفس الهامش السابق: نقلا عن كتاب من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ص ١٩٧، ١٩٩.
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
صاحب مصر لهذه الطائفة، وأنه كما ذكره (سيديو) الفرنسي وخلاصته أن إِنكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإِحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوروبا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا وحصل ما حصل (ولكل أجل كتاب) ١.
ويؤيد ما أفاد به أحمد سعيد الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد حيث يقول وبدافع من ولائه للصليبية عن محمد علي في حملته المشؤومة على المسلمين ما نصه: "وكان هذا المقدام الألباني سيد مصر وأميرها، واقفًا حق الوقوف على قدرة أوربة وشدة بأسها وتفوقها، فدعا إليه ضباطا من أهل الغرب فنظموا له جيشا قويا، ودَرَّبُوه تدريبا على الطراز الغربي، وجهز بمعدات الأسلحة الغربية، وكان غالب هذا الجيش مؤلفا من المقاتلة الألبانيين الأشداء، فسرعان ما أجاب محمد علي نداء السلطان فأيقن حينئذ أن الوهابيين على شدة غيرتهم الدينية وحماستهم لن يستطيعوا بعد الوقوف في وجه البنادق والمدافع الأوربية يطلق عيارها جنود مجربون"٢.
_________________
(١) ١ انظر: ٢/ ١٠٧٩ من هذا البحث. ٢ حاضر العالم الإسلامي، ج ١/ ٢٦٢. وأحب أن أوضح بأنه ليس سبب هزيمة المسلمين، أَمام محمد علي هو قدرة أوربة الصليبية وشدة بأسها وتفوقها كما يقول الكاتب الأمريكي لوثروب وغيره ولكنه كما ذكرنا في نهاية البحث في أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في الدور الأول لدولة أنصارها، وخلاصته أنه التغير الذي حصل في نفوس المسلمين عن الاستمساك التام بعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية كما كان عليه الشيخ وأئمة آل سعود وعلماؤهم فإِنهم لما كانوا على حالة مستقيمة على عقيدة السلف الصالح نصرهم الله وأعزهم وجعل لهم الغلبة والتمكين كما كان في عهدهم الأول ثم لما حصل ما حصل من التغير تغيرت الأحوال والدولة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١٢) وانظر: آية ٥٤ من الأنفال. انظر: ص ٩٢٦-٩٣١ من هذا البحث.
[ ٢ / ١٠٩٨ ]
ويذكر الأستاذ مسعود الندوي: أن الحكومة البريطانية هنأت إبراهيم باشا على تدميره الدرعية وقضائه على حضارتها١ وهذا تأكيد على أن عدو عقيدة الشيخ وأنصارها هم أعداء الإسلام والمسلمين.
وها هو الشيخ الجبرتي المؤرخ المصري المشهور يصف إبراهيم باشا بما هو متصف به من صفات يتصف بها كل أضداد السلف الصالح ذوي الإسلام الخالص. فيقول: "ورجع إبراهيم باشا من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا وداخله من الغرور ما لا مزيد عليه حتى إن المشايخ لما ذهبوا
_________________
(١) ١ انظر: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم مفترى عليه، تأليف الأستاذ مسعود الندوي ص ١٥٠-١٥٤.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
للسلام عليه والتهنئة بالقدوم عليهم فلما أقبلوا عليه- وهو جالس في ديوانه- لم يقم لهم ولم يرد ﵈ فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلام فلم يجبهم ولا بالإِشارة بل جعل يحادث شخصا سخرية عنده. وقاموا على مثل ذلك منصرفين ومنكسرين١.
ولا شك أن مثل هذا يكون حافزا للمشايخ وغيرهم من أهل مصر أن يعيدوا النظر في عقيدة السلف الصالح التي يحملها من أوفدوا عليهم ويعلموا أن إبراهيم باشا المتسلط إنما احتقرهم لأنه إنما كان قد انتصرعلى أمثالهم فكيف يهنئونه على ذلك لولا هوانهم عند أنفسهم وقد احتقرهم لأنهم كذلك، وهذا دليل لهم صارخ على أن من حاربهم الباشا من أهل نجد ما حاربهم إلا لأنهم مسلمون من أتباع السلف الصالح من المسلمين وأن نظرته إلى جميع المنتسبين إلى الإسلام واحدة هي نظرة ازدراء واحتقار لهم ولما اتسموا به من الإسلام فهو قد انتصر عليهم بزعمه وعلى دينهم فلم يبق في نفسه لهم احترام وإِن كانوا من المشايخ العظام، وأصحاب العلوم والفهوم. وهذا بلا شك يعطي ردود فعل متعاطفة مع أبناء الشيخ العلماء وسائر حملة عقيدة السلف الصالح خصوصا الذين نقلهم الباشا إلى مصر، ويكون له دوركبير في التأثير، ومؤشره تأثر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي رحمه الله تعالى والذي ألمحنا لطرف منه هنا. ونورد ما ذكره عبد
_________________
(١) ١ انظر: كتاب (من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتى) تأليف محمد أديب غالب ص ٢٠٠، بإِشراف دار اليمامة ط (١) عام ١٣٩٥ هـ.
[ ٢ / ١١٠٠ ]
الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ في تعليقه على عنوان المجد من أسماء آل الشيخ الذين نقلهم الباشا إلى مصر، فيقول ما خلاصته إن ابن بشر لم يذكر في تاريخه أسماءهم مع أنهم محدودو العدد ومشهورو الأسماء بل هم قادة الدعوة وزعماء الإِصلاح في ذلك الوقت ولمزيد الفائدة نذكر أسماءهم فهم: الشيخ عبد الله بن الشيخ وصحبته حرمه وابنه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد وصحبته حرمه وابنه الشيخ عبد اللطيف، وكان عمر الشيخ عبد اللطيف ذلك الوقت لا يزيد عن ثمان سنوات. والشيخ علي بن الشيخ محمد، والشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد. هؤلاء هم الذين نقلهم الباشا إلى مصر، فأما الشيخ عبد الرحمن بن حسن فمكث بمصر ثمان سنوات ثم رجع إلى الرياض بعد تولي الإمام تركي بن عبد الله الحكم بسنة أي سنة ١٢٤١ هـ. وأما ابنه الشيخ عبد اللطيف فبقي بمصر واحدا وثلاثين عاما ثم رجع إلى الرياض في ولاية الإمام فيصل بن تركي سنة ١٢٦٤هـ١. وأما الشيخ عبد الله بن الشيخ فتوفي بمصر سنة ١٢٤٢هـ٢.
ويقول ابن بشر: "وكان لعبد الله المذكور ابن اسمه عبد الرحمن
_________________
(١) ١ هامش عنوان المجد في تاريخ نجد، تأليف عثمان بن بشر، تحقيق وتعليق عبد الرحمن ابن عبد اللطيف آل الشيخ، طبعة وزارة المعارف سنة ٤ ١٣٩ هـ. ص ٢٨٦. ٢ الدرر السنية ١٢/٤٥ ومشاهير علماء نجد ص ٤٩.
[ ٢ / ١١٠١ ]
جلب معه إلى مصر وهو صغير وذكر لي أنه اليوم في رواق الحنابلة في الجامع الأزهر وعنده طلبة علم وله معرفة تامة ودراية عظيمة١. ولعل ذلك من عوامل نشر عقيدة السلف الصالح وإقامة الحجة بها وكذا الشيخ علي بن الشيخ فقد توفي بمصر في سنة ١٢٤٥هـ. على أغلب الظن كما يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف٢.
وكذلك الشيخ إبراهيم بن الشيخ فإنه توفي بمصر ولم يقف ابن قاسم على تاريخ وفاته لكنه كان موجودا سنة ١٢٥١هـ. في مصر٣. ووجود مثل هؤلاء المشايخ إلى هذا الزمن في مصر، واحتكاكهم بطلبة العلم والمشايخ والعلماء سيكون له أثر في نشر عقيدة السلف الصالح وهم أبناء الشيخ المشهود لهم بالعلم والتحقيق كما قال الحفظي:
أولاده مشايخ التحقيق وسدرة في منتهى الطريق٤
وعلى كل حال فالأثرلم يبد بارزا حتى أعاد الله الكرة لعقيدة السلف الصالح بالإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل. عندئذ وجدنا مطبعة المنار بمصر، ومجلة المنار بمصر وصاحبها محمد رشيد رضا، يقبل الخير ويتجاوب مع الملك عبد العزيز في نشرمؤلفات وآثار علماء
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩٣، وط المعارف سنة ١٣٩٤ هـ. ص ١١٨، ١١٩. ٢ مشاهير علماء نجد وغيرهم ص ٥١ وانظر الدرر السنية ١٢/٤٧. ٣ الدرر السنية ١٢ / ٤٦. ٤ الدرر السنية ١٢/ ٤٧.
[ ٢ / ١١٠٢ ]
الدعوة وعلى رأسهم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.
فهذه مجموعة الرسائل والمسائل النجدية أربعة مجلدات كبار وغيرها وكثير من كتب السلف الصالح في الفقه والتفسير والحديث وغير ذلك بلغ المجلدات الكبار وبلغ قدرا كبيرا من ذلك كان له أثر كبير في بث الوعي بين المسلمين ونشر ضالتهم من الحق في تلك المؤلفات السلفية ومحمد رشيد رضا يخدمها بالتعليق والإِشراف على طبعها وكانت له مواقف حميدة وكتابات منصفة وبيانات للحق ناصعة في مجلته الكبيرة مجلة المنار التي بلغت ما يربو على عشرين مجلدا واستمر صدورها سنين عديدة وكان ينشر دفاعا مجيدا عن دعوة السلف الصالح، وما يدفعه إلى ذلك إلا تأثره بعقيدة السلف الصالح وتطلعه إلى نهضة المسلمين إذا استيقظوا من غفلتهم إلى دينهم بهذه العقيدة السليمة ومن كتاباته أجد بين يدي طائفة من المقالات نشرت في مجلة المنار، وجريدة الأهرام جمعت وأصدرت بعنوان: «الوهابيون والحجاز» وكانت طبعتها الأولى سنة ١٣٤٤ هـ. وأصبحت كتابا بذلك العنوان ويضم من الأبحاث أضواءا على حقيقة العقيدة السلفية، مثل تسجيله: شهادة التاريخ للوهابيين، وبيان عجز الشريف الحسين عن القيام بعقيدة السلف الصالح وأنه وإلى الأجانب على العرب وجعل الحجاز دولة حربية ونفسه ملكا للعرب وعزم على إِخضاع نجد واليمن بالقوة مع عداوته لابن سعود وطعنه في عقيدته السلفية مما جعلها الله أسبابا لزحف ابن سعود على الحجاز وتمكينه من ولايته
[ ٢ / ١١٠٣ ]
وتطهيره ثم شخص السبب لعداوة أشراف مكة المستولين عليها لأهل نجد عن مؤرخ مصري، وأنه ليس السبب في غير العقيدة، فأهل نجد يعتقدون عقيدة السلف الصالح، وأولئك على خلافها، ثم ذكر أشهر وقائع تعدى أهل الحجاز على النجديين ومنها منعهم من الحج ودسائس الشريف في نجد وإِغراؤه جيرانها بها وإِحباطه مؤتمر الكويت١ والوثائق الرسمية لنجد على أهل الحجاز ثم يتحدث عن صبر سلطان نجد وأنه صبر لم يعهد له نظير من قوى يعتدى عليه دينيا ودنيويا حتى علم هو وأمته بعد التروي واستفتاء العلماء أن إِنقاذ الحرمين من الحسين واجب شرعا ولو لم يكن لذلك موجب إلا منع أهل نجد من الحج لكفى. ويقول محمد رشيد رضا فكيف إذا أضيف إلى ذلك سائر ما أشرنا إليه فيما أجملناه في الأهرام وفصلناه في المنار من إلحاده بالظلم لأهل الحرمين والحجاج، وإِدخاله للنفوذ الأجنبي في البلاد وخطره على الأمة العربية وما بقي لها من البقعة الصغيرة المستقلة في جزيرتها وتكفيره للترك وللمصريين كالنجديين ثم تنحله منصب الخلافة. أما السلطان عبد العزيز ففي تصريحه نص قطعي باعترافه هو وعلماء بلاده بإسلام جميع الشعوب الإسلامية والرغبة في
_________________
(١) ١ انظر: الملك عبد العزيز ومؤتمر الكويت، ١٣٤٢ هـ ١٩٢٣-١٩٢٤ م، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤٠١هـ، إِعداد موضي بنت منصور بن عبد العزيز آل سعود، ط ١ عام ١٤٠٢ هـ. نشر مؤسسة تهامة جدة.
[ ٢ / ١١٠٤ ]
التعارف والتواد معها وبأن هؤلاء الأمراء الحجازيين ورثوا عن سلَفِهمْ تكفير النجديين والطعن فيهم والتنفير منهم.
وقال محمد رشيد: وقد استفتينا واستفتى غيرنا في شأن هذا البَاغِي الشريف حسين في سنة ١٣٤١ هـ. فأفتى بعض علماء الأزهر بأنه من البغاة المتغلبين الذين يجب قتالهم على إمام المسلمين وكتبنا فتوى مطولة نشرناها في المنار الذي صدر في ذى الحجة من تلك السنة ج٨ م ٢٤ ص ٥٩٣-٦١٦ ونشرناها في جريدة الأهرام أيضا أجملنا فيها صفاته وجناياته، ولكننا استدركنا على من جعل حكمه حكم البغاة متسائلين أين إمام المسلمين الأعظم الذي يجب عليه قتاله؟ ثم بينا أن إِنقاذ الحرمين من بغيه وظلمه يجب على كل من يقدرعليه من جماعات المسلمين وأمرائهم وأن أقدرهم على ذلك سلطان نجد وإمام اليمن وذكرنا ما يقال في المانع المشترك لهما من ذلك وهو الخوف أن يفضي إلى تدخل الإِنكليز في الحجاز لأنه جعله تحت حمايتهم١.
وفي مقالة لمحمد رشيد رضا يبين نهضة الوهابيين كما يسميهم بالإِصلاح وما آلوا إليه وأن آل سعود أهل نهضة إصلاحية إِسلامية وخصوصا السلطان عبد العزيز، السلطان العامل الصامت بخلاف ملوك الدعاية القوالين ثم كتب ملخصا لسيرة السلطان ابن سعود وملخصا
_________________
(١) ١ انظر: ص ٤٠- ٤١ من الكتاب المذكور.
[ ٢ / ١١٠٥ ]
لسيرة الشريف. ورد على الدعايات الكاذبة١. إلى آخر ما كتب وبين فكان لكتاباته أثر في تنبيه المصريين خصوصا والمسلمين عموما إلى رشد حملة عقيدة السلف من أهل نجد وصحة عقيدتهم، وأَنه لأثر كبير لاشك فيه، سيما والشيخ محمد رشيد رضا عالم محقق يأمر بالسنة وينهى عن البدعة خصوصا بدع القبورين في العبادة كما في مقالاته هذه ويقصد نهضة المسلمين جميعا ويهدف لمصلحتهم، ومحمد رشيد رضا حين يدعو للملك الإمام عبد العزيز وللعلماء الذين معه، يعلم أن عقيدتهم السلفية هي الأصلح للمسلمين عامة. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا في رسالته التي بعنوان: (السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة):
"ولما رأيت ما رأيت من سوء أمر مؤتمر النجف لشيعة العراق، ومن أمارات نشر الإِلحاد في إِيران والأفغان، ومن تجديد الشيخ العاملي في تواليفه والشيخ عارف الزين في مجلته الطعن في السنة، وتنفير المسلمين من دولتها الوحيدة في إِقامتها ونصرها، ومن بث الرفض والخرافات بين المسلمين، رأيت من الواجب علي أن أظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق التي لم يكن العاملي ولا الزين يعلمان بوقوفي عليها، لعلهما يفيئان إلى أمر الله، فكتبت الفصول الآتية بهذه النية".
وتشير الرسالة إلى أن العاملي المسمى محسن الأمين وهو الرافضي
_________________
(١) ١ انظر: كتاب «الوهابيون والحجاز» ط ١٣٤٤ هـ.
[ ٢ / ١١٠٦ ]
المتعصب ألف كتابا استغرق خمسمائة صفحة، جعل عنوانه (الرد على الوهابية) . ودس فيه ما يبغي من الخرافات القبورية والرفضية، والطعن في حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وعلى ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الهادي والشيخ محمد بن عبد الوهاب ويرد الشيخ محمد رشيد رضا بقوله: "أقول: أولا: إن الوهابية يدعون بحق أنهم موحدون وحامون لحمى التوحيد من تطرق الشرك، وكان يدعي هذه الدعوى بحقٍ قبلهم شيخ الإسلام. يعني ابن تيمية.
ثانيًا: أن الوهابية لم يدعوا أنهم هم الموحدون وحدهم وأن غيرهم من جميع المسلمين، مشركون كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصب وغيره، بل لم يدعوا أنهم فرقة أو أهل مذهب مستقل وإنما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الذي دعت إليه جميع رسله" ١.
ويأتي من بعد المنار وصاحبه، جماعة أنصار السنة المحمدية ورئيسها محمد حامد الفقي ومطبعتهم، فقد كان لهم دور في بث العقيدة السلفية ونشر كتب عقيدة السلف الصالح وبيان الحق والرد على طوائف الصوفية المنحرفة عن السنة، وكان لرئيس جماعة أنصار السنة المحمدية الشيخ محمد حامد الفقي نشاط خاص في هذا المجال وله كتاب سماه أثر الدعوة الوهابية في الإِصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها كتبه
_________________
(١) ١ نقلا عن كتاب انتشار دعوة الشيخ تأليف محمد كمال جمعة ص ١٦٩.
[ ٢ / ١١٠٧ ]
وتحدث به في نادي جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر وهذا النادي يحضره كثير من المصريين وغيرهم وقد نفع الله به وطبع عام ١٣٥٤ هـ. بمطبعة النهضة بشارع عبد العزيز بمصر، وقال الشيخ محمد حامد الفقي في مقدمته: أما بعد فهذ نبذة لطيفة في بيان حقيقة الدعوة الوهابية وإمامها وشيعتها وأنصارها وقصة إِزاحة الأوهام وإِبطال الأكاذيب التي نسجت حولها. وذلك لتخبط الكثير من الناس في شأنها١. وغيرهما، ويتعاون معهم في نشر عقيدة السلف الصالح بدافع من إيمانه وإيمان جماعته بسلامة منهجهم.
ونذكرمن أبرزهم شيخنا الدكتور محمد خليل هراس فقد كتب عن منهج الشيخ وأنصاره وسمى ما كتبه: الحركة الوهابية وهو رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقده للوهابية وطبعته الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٦ هـ. وقال في مقدمته ما ملخصه: لأستاذنا الدكتور محمد البهي كتيب نشرته (دار الفكر ببيروت) عالج فيه الفكر الإِسلامي في أدواره وعقد فيه فصلا عن الحركة الوهابية وملأه بمزاعم لا تتفق مع الحق، ولا سند لها من الواقع، ونقدها نقدا جانب فيه الإِنصاف ولم يراع فيه موازين البحث العلمي٢.
_________________
(١) ١ أثر الدعوة الوهابية، لمحمد حامد الفقى ص١-٢. ٢ الحركة الوهابية بقلم الدكتور محمد خليل هراس ص ٧.
[ ٢ / ١١٠٨ ]
ثم إن الدكتور الهراس نقض نقده ورد عليه ردا منصفا أجاد فيه وأفاد رحمه الله تعالى.
ولا ننسى محمد منير بن عبده آغا النقلي الدمشقي الأزهري: صاحب «دار الطباعة المنيرية» في القاهرة. تفقه في الأزهر سلفيا وأصبح من علمائه. وأنشأ دار الطباعة المنيرية (١٣٣٧ هـ) ونشركثيرا من المصنفات القديمة والحديثة. وصنف كتاب: نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية- مطبوع أنجزه في شعبان ١٣٥٨ هـ. وله (إِرشاد الراغبين في الكشف عن آي القرآن المبين) مطبوع وتوفي بالقاهرة١، وله المجموعة المنيرية وهي مجموعة رسائل سلفية لشيخ الإسلام ابن تيمية والصنعاني والشوكاني والصابوني وَأَبي محمد الجويني وغيرهم. وسماها المجموعة المنيرية وله عليها تعليقات وقد خدم كثيرا من رسائل السلف خاصة ومؤلفاتهم، ومن ذلك مجموعة بعنوان: (الأصول الثلاثة وأدلتها ويليها شروط الصلاة وواجباتها وأركانها، والقواعد الأربع للشيخ محمد ابن عبد الوهاب علق عليها وصحح أصولها وكساها حواشي مفيدة محمد منير الدمشقي، طبعت في القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية بلا تاريخ٢
_________________
(١) ١ الأعلام للزركلي، ط ٤ ج٧ ص ٣١٠. ٢ آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب سجل ببليوجرافي مادة رقم ١٨ ص ٢٥ ومادة رقم ٥٢ ص ٣٠.
[ ٢ / ١١٠٩ ]
ومنها: كتاب التوحيد الذي هوحق الله على العبيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب نشر المكتبة القيمة، بمباي والقاهرة، دار الطباعة المنيرية سنة ١٣٤٤ هـ١. ومنها: كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب علق عليه وصححه محمد منير الدمشقي، وفي ذيله نبذة في الحث على اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما للمعلق طبع القاهرة في إدارة الطباعة المنيرية، سنة ١٣٥١ هـ٢.
وفي مقدمة الأصول الثلاثة وأدلتها يقول الشيخ محمد منير عبده أغا الدمشقي الأزهري بعد الثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ. أما بعد:
سألني كثير من أهل العلم والمعرفة أن أطبع رسالة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة وأدلتها وشروط الصلاة وواجباتها وأركانها وأنشرها بين المسلمين لاسيما العوام منهم لينتفعوا بها ويعملوا بأحكامها، وهى سهلة موجزة صحيحة على مذاهب أهل السنة والجماعة فأجبتهم لذلك٣.
كما نذكر المطبعة السلفية ومكتبتها وصاحبها محب الدين الخطيب،
_________________
(١) ١ المرجع السابق مادة رقم ٩٧ ص ٣٦. ٢ المرجع السابق مادة رقم ١٩٦ ص ٤٩. ٣ ص ٢. ضمن مجموعة تضم الأصول الثلاثة وأدلتها وكتاب التوحيد والأربعين النووية وغيرها. مطابع الإشعاع- الرياض.
[ ٢ / ١١١٠ ]
وقد طبعت كثيرا من كتب السلف الصالح مع التحقيق والعناية من ذلك طبعهم لمجموعة التوحيد النجدية وعنايتهم بها، ولازالت حتى بعد وفاة مؤسسها تحت إِشراف ابنه قصي.
وكذلك مطبعة المدني المؤسسة السعودية في مصر وغيرها من المطابع التي تطبع آثار الشيخ ومؤلفاته وسائر مؤلفات السلف الصالح مما يكون له تأثير في نشر العقيدة السلفيلية.
وما يزال مدد تأثير عقيدة السلف الصالح في زيادة واستمرار خصوصا لما نهضت المملكة بالتعليم واستوفدت مدرسين من مصر لجامعة الإمام محمد بن سعود والجامعة الإِسلامية، وغيرهما من جامعات المملكة فإن هؤلاء الأساتذة يعودون بانطباعات ومشاعر يحملونها ويبثونها في مجتمعاتهم وهذا ليس خاصا بمصر غير أنه في مصر أكثر ظهورا، ونذكر على سبيل المثال أستاذا زائرا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية في العام الجامعي ١٣٩٥-١٣٩٦ هـ. وهو المستشار عبد الحليم الجندي، والرئيس السابق لإِدارة قضايا الحكومة في جمهورية مصر العربية ورئيس لجنة تجلية مبادىء الشريعة الإسلامية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو لجنة الشريعة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، جاءنا زائرا ثم عاد يخرج كتابا اسمه (الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي) يقول في مقدمته:
ومن أجل الاعتبار بما صنعه ابن عبد الوهاب وحاجة العصر الحالي
[ ٢ / ١١١١ ]
إلى التأسي بكل كلمة قالها وكل صنيع صنعه وضع هذا الكتاب، ليذكر كل ذي بصر أن صفحات هذا التاريخ العظيم تتكرر ويعني تاريخ الإسلام إلى أن يقول: "بهذا أصبحت المملكة العربية السعودية دولة رائدة في المجتمع العالمي، معلمة للمجتمع الإسلامي، بانتصار الشريعة على الجريمة والرذيلة والتواكل والجهل والفشل بسيادة العدالة والطمأنينة وانتشار الجامعات وازدهار الأخلاق الرغيبة والائتمار بالمعروف والتناهي عن المنكر. وبهذا قامت جماعة إسلامية حقا هي آدىٍ للأمانة وآكد في التعامل، وأبعد من التبذل، وأصون للحرمات، تتواصل فيها الطبقات وتكدح، وتجد وتجتهد، وتثبت لعالم تتخاذل دوله، وتتسلل شعوبه أن العذاب يحل بالأمم من أنفسها، ولا يصيب الذين ظلموا خاصة، وأن الله صادق وعده ناصر جنده، وإن غبي عن ذلك عبدة القوة أو المادة، أو عمي الآخرون عن رؤية الواقع" ١.
_________________
(١) ١ انظر تقديم كتاب: الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي ص ٨ - ٩.
[ ٢ / ١١١٢ ]
حول مايقال في تأثر بعض الحركات والدعوات
بعقيدة الشيخ السلفية
وما قيل من تأثر بعض الحركات والدعوات في خارج سلطان أنصار عقيدة الشيخ مثل حركة السنوسي في ليبيا وحركة أحمد بن عرفان في الهند، وحركة الفرائضيين في الهند، وحركة نزار علي في الهند أيضا، وحركات البدري الثلاث في أندونيسيا، وحركة الإِخوان المسلمين، وبعض دعاة في البلدان قيل إنهم تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، والجمعية الشرعية في مصر، وما قيل أيضا أن الثورات التي انطبعت بطابع ديني تأثرت بدعوة الشيخ كالثورة المهدية في السودان وثورة ايش محمد كول في التركستان، وما قيل من أن إِصلاح سلطان المغرب المولى سليمان بن محمد في المغرب، وعبد الحميد بن باديس في الجزائر، قد تأثروا بدعوة الشيخ١، كل ذلك
_________________
(١) ١ انظر: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الاسلامي رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة، ص ٤٣٩- ٤٩١. وكتاب انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية، تأليف محمد كمال جمعة، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز وطبع على نفقة وزارة التعليم العالى ص ٩٧- ١٠٥ وص ٢١٣- ٢٢٠ وص ٢٢٣-٢٢٥. الفصول: الثالث والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. وكتابات الدكتور محمد عبد الله ماضي أستاذ التاريخ بكلية أصول الدين في حاضر العالم الإِسلامي، النهضات الحديثة في جزيرة العرب. في المملكة العربية السعودية ص ٦٢-٧٠ ط ٢ عام ١٣٧٢ هـ الحلبي. وانظر: بحث الدكتور محمد سلام مدكور من مصر ص ١٦- ٢١ وبحث الدكتور وهبه مصطفى الزحيلي من الشام ص ٢١- ٤١. وبحث عبد الفتاح مقلد الغنيمي، عن غرب أفريقيا ص ٣-١٩ وبحث أنور الجندى عضو المجلس الأعلى للشؤن الإسلامية القاهرة ص ٢، ٤-٩. وبحث الدكتورعبد الحليم عويس ص ١٤-١٩، ٢٠- ٣١. وبحث الشيخ عطية محمد سالم ص ١٤-١٦، ٢١-٢٢، ٣٥-٣٦. وبحث الدكتور مصطفى محمد سعد هرجس ٨، ١٦-١٧، ١٨. وبحث الدكتور محمد السعيد جمال الدين بعنوان دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصداؤها في فكر محمد إِقبال وكل هذه البحوث قدمت لمؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكتبت على الآلة وجمعت في مجلد سمي: (تأثر الدعوات الإِصلاحية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) ثم وزع على المشاركين في المؤتمر وبعض الحضور والمدعويين وهو المنعقد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في ٢١/٤/ ١٤٠٠هـ.
[ ٢ / ١١١٣ ]
يحتاج إلى دقة وتحقيق ودليل يثبت أن هذه الدعوات والحركات تأثرت بعقيدة الشيخ وحركته ودعوته وقيام أنصاره.
وأغلب ما تعتمد عليه هذه الأقاويل على مصادر غربية بعيدة معادية لا دقة لديها ولا تحقيق، ولكن تعتمد على الظنون وما تريده من تشويه للصورة الصحيحة حتى لا يفهم الناس الحقيقة.
والحقيقة أن هذه الدعوات والحركات والثورات نابعة من أهلها، وهم بأنفسهم لا يذكرون أَنهم من أتباع الشيخ ولا أنهم تتلمذوا عليه أو
[ ٢ / ١١١٤ ]
قرأوا كتبه ومؤلفاته وأرادوا تطبيقها ولا أحد يثبت ذلك فيذكره، بل إن هؤلاء لا يعترفون بهذه التبعية، ولا بالتأثر به. وربما أن أكثرهم لا يعرفه إلا عن طريق أعدائه ودعاياتهم الكاذبة وبصورة مشوهة غير حقيقية، أو يعرفه بعضهم ولكن لا يعترف بطريقته السلفية وإِن كان ينتسب إلى السلف، كما هو شأن الأشعرية والصوفية وأهل الكلام وأهل السياسة الدنيوية التي تريد العلو في الأرض والرئاسة أو تريد الدنيا ولا تريد الآخرة.
فكل هذه المذاهب وما كان على هذه الشاكلة لا تعترف بعقيدة السلف الصالح وهي العقيدة التي يعتقدها الشيخ. فأصحابها يخالفونها في كثير أو قليل والأمثلة على ذلك كثيرة فهذا السنوسي قد سئل عنه أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵏ فقال السائل السنوسي المغربي مصنف السنوسية المعروفة بعلم الصفات فهل تنقمون عليه شيئا من ذلك؟ الخ. فكان جوابهم أن السنوسي ليس من أئمة السنة والجماعة فإن أهل السنة والجماعة هم الذين نعتهم النبي ﷺ لما ذكرأن (بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) قالوا ما هي يارسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ والسنوسي المذكور صنف كتابه أم البراهين على مذهب الأشاعرة وفيها أشياء كثيرة
_________________
(١) ١ سبق تخريجه في ١/ ٢٥٤ من هذا البحث.
[ ٢ / ١١١٥ ]
مخالفة ما عليه أهل السنة، فإن الأشاعرة خالفوا ما عليه السلف الصالح في مسائل، منها: مسألة العلو، ومسألة الصفات، ومسألة الحرف والصوت. الخ جوابهم١.
وبعضهم الآخر قي نصوص الصفات سلك مسلك من يفوض المعنى والكيف ولا يقول بأن، المعنى معلوم والكيف مجهول إذ لا فرق عنده بين المعنى والكيف، ثم صحح مذهب الخلف أهل التأويل المذموم وهو صرف اللفظ عن معناه الراجح من ظاهره إلى المعنى المرجوح بحجة فرارهم من التشبيه والتمثيل وهم قد وقعوا في شر مما توهموه وفروا عنه، ورجح مذهب أهل التفويض وجعلهم هم السلف٢، ولم يذكر مذهب السلف الصحيح الذي عبر عنه الإمام مالك حيث قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، ففرق بين المعنى والكيف وأن المعنى معلوم والكيف مجهول"، وكذلك الإمام الطحاوي قال العلم علمان علم موجود وعلم مفقود٣، فالموجود علم المعنى والمفقود علم الكيف في باب صفات الله المقدسة.
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ قول من قال في وسيلة دعوته الله وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت فقال الشيخ عبد الرحمن: اعلم أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة،
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج ٣ ص ١٩١. ٢ انظر: العقائد، للإمام الشيخ حسن البنا، ص ٧٠ -٧٨. ٣ انظر: العقيدة الطحاوية، شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني ص ٣٤.
[ ٢ / ١١١٦ ]
وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" ففرق هذا الإمام بين ما يعلم منه معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوق ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله فتنبه لمثل هذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف١.
ويدعي هذا البعض من أولئك الدعاة أن في نصوص الصفات ما يوهم التمثيل والتشبيه٢. بينما أنه ليس في نصوص الصفات ما يوهم ظاهره اللائق بالله تعالى تمثيلا أو تشبيها، ومن توهم شيئا من ذلك فهو لأنه لم يعط النص حقه من التأمل والتدبر وإمعان النظر، ولو فعل ذلك لم يجد في ظاهره اللائق بجلال الله تعالى ما يوهم تمثيلا أوتشبيها وحاشا أن يكون ظاهركلام الله وكلام رسوله يوهم ذلك، والسلف والأئمة لم يكونوا يتوهمون أن ظاهرها التمثيل ولا يرضون بذلك كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية٣ وعلى ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسائر السلف الصالح.
وفي تعاليمهم أن أركان بيعتهم عشرة أولها: الفهم ويريدون بالفهم
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج٣ ص ٢٩٩. ٢ انظر: العقائد، للإمام الشيخ حسن البنا، ص ٧٤- ٧٥. ٣ انظر: التدمرية، القاعدة الثالثة ص ٢٧ ضمن مجموعة نفائس.
[ ٢ / ١١١٧ ]
أن يفهم الإسلام في حدود ما يسمونه بالأصول العشرين وفي أكثرها نظر. ومن ذلك تأصيلهم أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أوحكومة وأمة وهو خلق وقوة أورحمة وعدالة وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء وهومادة وثروة أو كسب وغنى وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة١.
وهذه كلمات مجملة غامضة يدخل فيها ما هو من الإسلام وما ليس منه، ولا يفهم منها تحديد للمقصود كما يفهم من تعريف السلف الصالح للاسلام وعلى رأسهم رسول الله ﷺ فلما سأله جبريل عن الإسلام قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج بيت الله الحرام إن استطعت إليه سبيلا" ٢.
وقال ﷺ بني الإسلام على خمس "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام" ٣.
_________________
(١) ١ رسالة التعاليم، للإمام الشيخ حسن البنا ص ٣. ٢ انظر: صحيح البخارى، كتاب الإِيمان، باب ٣٧، ٣٤، وكتاب الشهادات باب ٢٦ وتفسير سورة ٣١ وصحيح مسلم، الإِيمان ٥، ٧، ٨ وغيرهما. ٣ انظر: صحيح البخارى، كتاب الإِيمان باب ١، ٢ تفسبر سورة ٢، ٣٠ وصحيح مسلم، الإِيمان ١٩- ٢٢ وغيرهما.
[ ٢ / ١١١٨ ]
ولما كان أصل هذه المباني هو شهادة أن لا إله إلا الله كما بين الرسول ﷺ ذلك حين بدأ بها وحين بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يبدأهم بها وقد ذكر ذلك البخاري في أول كتاب التوحيد من صحيحه لذلك قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب "الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله وهو ثلاث مراتب الإسلام والإيمان والإحسان وكل مرتبة لها أركانٌ فأركان الإسلام خمسة " الخ١.
ويرون الاستعاذة بالمقبورين ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم. وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر٢ بينما هي شرك ينقض الإسلام وليست مجرد كبائر ومبتدعات على المصطلح في مفهوم الكبائر والمبتدعات التي لا تخرج من الملة، وهكذا.
لا يركزون في دعوتهم على إِبعاد الناس عن الشرك مثل دعاء غير الله والنذر له طلبا للنفع ودفع الضر ليصححوا التوحيد وهو أول شيء ولكن يركزون على الحاكمية تركيزا جعل دعوتهم أشبه بدعوة سياسية تطلب الحكم بينما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتركز على أنه لا يدعى إلا الله ولا يذبح إلا له ولا يصرف شيء من أنواع العبادة المشروعة
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٩ وما بعدها. ٢ رسالة التعاليم للإِمام الشيخ حسن البنا ص ٦.
[ ٢ / ١١١٩ ]
لغيره فهي دعوة توحيد الله بالعبادة التي شرعها الله لرسوله ﷺ ولأتباعه. ثم طلب من الأمير الموهوب ملكات الإِمارة أن ينصر ذلك. وبين له أن الدولة والملك ثواب لمن نصر ذلك لا أن الإسلام هو الدولة كما توهمه تعاليمهم بأن الإسلام دولة ووطن أو حكومة وأمة.
وضياع الحكومة والملك من المسلمين إنما يكون عقوبة للتفريط منهم بدينهم فإذا عادوا إلى حفظ دينهم وصححوا توحيدهم عاد الله عليهم بالعز والتمكين، كما في حديث ابن عباس "احفظ الله يحفظك" فمشكلة المسلم ليست في نزع الملك من يده وإنما مشكلة المسلم هي عدم تصحيحه شهادة أن لا إله إلا الله فإذا صححها وعمل بمقتضاها وصبر على ذلك ملكه الله بها العرب ودانت له بها العجم والله أعلم.
وهذا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد التي ألفها لا يذكر تعريف التوحيد الذي هوحق الله على العبيد حين أراد أن يعرف علم التوحيد ويبين معناه وقد استدرك عليه تلميذه محمد رشيد رضا فقال: (فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة، وهو أن يعبد الله وحده ولا يعبد غيره بدعاء ولا بغير ذلك مما يتقرب به المشركون إلى ما عبدوا معه من الصالحين والأصنام المذكرة بهم، وغير ذلك كالنذور والقرابين التي تذبح بأسمائهم أو عند معابدهم، وهذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه، بقوله: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" ١.
_________________
(١) ١ رسالة التوحيد، تأليف محمد عبده، تعليق محمد رشيد رضا، الطبعة ١٢ عام ١٣٦٦هـ. ص ٤.
[ ٢ / ١١٢٠ ]
وقال شيخنا محمد خليل هراس: "وقد غلط الشيخ عبده في اعتباره توحيد الربوبية والانفراد بالخلق هو الغاية العظمى من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام فإن هذا النوع من التوحيد كانت تقر به الأمم التي بعثت إليها الرسل، ولم يقع فيه نزاع بينهم وبين الرسل، وإنما كان النزاع في توحيد الإِلهية والعبادة، ولهذا لم يجىء على لسان الرسل ﵈ الدعوة إلى اعتقاد أن الله وحده هوالخالق، وإنما كان مدار دعوتهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، فكل منهم كان مفتتح دعوته لقومه "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".
إلى أن قال الشيخ الهراس: "ولعل فضيلة الشيخ عبده في هذا كان متأثرا بالأشعرية الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإِلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد دون أن يشيروا إلى توحيد الإِلهية الذي هو أقصى الغايات ونهاية النهايات" ١.
وغير ذلك من شطحاته في الملائكة والجن ونحو ذلك كما في تفسير المنار نقلا عنه.
وذلك المهدي في السودان رضي أن يطلق عليه المهدي، بل أعلن أنه
_________________
(١) ١ دعوة التوحيد، أصولها، الأدوار التي مرت بها- مشاهير دعاتها، تأليف حمد خليل هراس ص ٩،١٠.
[ ٢ / ١١٢١ ]
قد رأى رؤية للنبي ﷺ يدعوه فيها إلى قيادة المؤمنين كمهدي مخلص أرشده الله. وتدافع عليه الآلاف يحلفون له على الطاعة١.
وهذا يدل على أنه اغتر بنفسه أنه المهدي بناء على إِعلانه أنه رأى رؤية للنبي ﷺ، ثم إن هذه الرؤية لم يبين هل هي منام أو يقظة كما يدعيه جهلة الصوفية أنهم أو أحدهم يرى النبي ﷺ في اليقظة ويحضر المولد أوما أشبه ذلك- وهذا أقبح الغلط وغاية التلبيس وأعظم الخطأ المخالف للكتاب والسنة وإِجماع أهل العلم لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبا بينا أوغالط ملبس عليه لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح ودرج عليه أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان.
ولو تبين أن هذه الرؤية رؤية منام فعلى كلا الاحتمالين هي ليست بصحيحة لأن رسول الله ﷺ لا يدعو إلى خلاف الحق ولا يشير ولا يقول بخلاف الحق لا في حياته ولا بعد موته٢ وقد تبين أن مهدي السودان ليس هو المهدي الذي يقود المؤمنين كمهدي مخلص أرشده الله، بل لم يخلص حتى أهل السودان من الخرافات ومخالفة التوحيد، ومن الاستعمار النصراني فقد استولى كتشز الإنكليزي على السودان وأمر بتدمير قبر
_________________
(١) ١ انتشار دعوة الشيخ تأليف محمد كمال جمعة، ص ٢٢٤. ٢ انظر: التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز﵀ - ص ١٨-١٩.
[ ٢ / ١١٢٢ ]
المهدي والتمثيل بجثته وعرض رأسه في القاهرة١ وكان أتباعه يعتقدون بمعجزة رجوعه٢.
وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن الرؤيا السارة في المنام فقال: "الرؤيا أرجو أنها من البشرى، ولكن الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره" ٣.
وكل تلك الدعوات والحركات لا تخلو واحدة من سمة تدل على عدم ارتباطها بعقيدة الشيخ دلالة واضحة فليس من عقيدة الشيخ شيء من هذه الطرق الصوفية ولا الأشعرية ولا القبورية ولا المذاهب السياسية التي تريد التسلط ولا النزعات الثورية كل ذلك ليس من عقيدة الشيخ السلفية كما هو ليس من عقيدة السلف الصالح جميعا في شيء، وما وافقوا فيه الإسلام من أمور فهذه الموافقة ليست دليلا على أنهم تأثروا بالشيخ كما قررنا وكون أحدهم حج مرة أومرتين وحتى لو قابل أحدا من حملة عقيدة السلف الصالح ليس هذا اللقاء مقتضيا لتأثره ما لم يثبت دليل من أدلة التأثر أوصيغة من صيغ التحمل والاقتناع. هذا بالإِضافة إلى أن هؤلاء لا يقولون بأنهم من أتباع الشيخ كما قررنا ولا الشيخ وأتباعه
_________________
(١) ١ انظر: انتشار دعوة الشيخ تأليف محمد كمال جمعة، ص ٢٢٤- ٢٢٥. ٢ المصدر السابق. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ١١ ص ٥١. وانظر: روضة ابن غنام ج١/ ١٩٨.
[ ٢ / ١١٢٣ ]
وأنصاره يحتضنون شيئا من هذه الدعوات بقصد احتوائهم وجعلهم تبعا لهم. ولا يطمئنون لبعض طرقهم المخالفة كالنزعات الصوفية أو الكلامية، أو البدع الأخرى، حتى في تعريف العبادة فأكثر هؤلاء لا يعرف أن العبادة مبناها على الأمر الشرعي ولا يعرف أن التوحيد من مقامين مقام توحيد المعرفة والإِثبات، ومقام توحيد القصد والطلب ولا يعرف أن توحيد القصد والطلب الذي هو توحيد الألوهية والعبادة متضمن لتوحيد الربوبية ولا عكس لكن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وكثير منهم إذا عرف التوحيد إنما يعرفه بأنه هو توحيد الربوبية كما ذكرت عن الشيخ محمد عبده، وسائر من تأثر بالأشاعرة، الذين اشتهر عنهم هذا المنهج في تعريفهم التوحيد. ومعلوم أن الإِقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي عن الإِتيان بلازمه وهو توحيد الألوهية، وكم من يقر بالربوبية وينكر توحيد الإِلهية؟!.
ولعل في ذلك كفاية في بيان عدم صحة الرأي القائل بأن مثل هذه الدعوات والحركات متأثرة بالشيخ ودعوته وحركته وحركة أنصاره من أجل نصرة دين الله ورسوله ﷺ والله أعلم. وبهذا نأتي على ختام هذا الفصل وبختامه أختم الباب الثاني في أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في العالم الإسلامي ونأتي إلى خاتمة البحث كله سائلين الله حسن الخاتمة.
[ ٢ / ١١٢٤ ]
الخاتمة: وتشتمل على خلاصة البحث ونتيجته
نحمد الله ﵎ ونشكره على ما يسر من هذا البحث وقد أتيت فيه على مقدمة بدأتها بالثناء على الله بما هو أهله وثنيت بالصلاة والسلام على رسوله ﷺ، وأشرت إلى خير الحديث وخير الهدى، وحالة الناس حين أرسل الله خاتم الرسل ﷺ، وظهور دين الله ورسوله ﷺ على الدين كله. ثم حدوث ما أخبر به الرسول ﷺ من الفتن في الأمة الإِسلامية، وبقاء طائفة منها على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة لتقوم بهم الحجة الرسالية ومن هذه الطائفة المجددون في الإسلام، ومن هؤلاء المجددين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن ناصره من آل سعود.
وإنني اخترت عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي موضوعًا لرسالة الدكتوراه التي أدرس للحصول عليها إن شاء الله تعالى، لأهمية هذا الموضوع، ولأسباب ركزتها في ثلاثة خلاصتها أنها عقيدة نعتمدها في ديننا ودنيانا وهي أساس وحدة المملكة العربية السعودية، فأردت تذكير ناشئة الجيل الجديد بها على هذا المستوى الجامعي، ليكون اعتقادنا السليم عن علم واتباع لا عن تقليد وابتداع.
وفي ضمن ذلك أردت الرد بأسلوب علمي على أعدائها والمفترين عليها وذلك عن طريق عرضها عرضا أصيلا وصحيحا من مصادرها
[ ٢ / ١١٢٥ ]
الكثيرة الأصلية وبينت فضائل من سبقني في ذلك وشكرت من أسدى إلي معروفا ودونت خطة البحث ومنهجه.
ثم أتيت إلى المدخل واشتمل على مبحثين أولهما في البيئة من حول الشيخ في العالم الإسلامي وثانيهما في حياة الشيخ خصوصا الناحية العلمية، وقد ذكرت في مبحث البيئة وصفا لها من الناحية السياسية والدينية وما يتبع ذلك من الناحية الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من النواحي المتفرعة وتوصلت إلى أنها بيئة يغلب عليها أمر الجاهلية من عبادة غير الله تعالى كالذبح للمقبورين ودعائهم والإستغاثة بهم والنذر لهم من أجل أن يشفعوا لفاعل ذلك عند الله تعالى، ومن فوضى واضطراب وتفرق وعداوة ونهب وسلب وخيانة ومعاملات كانت كلها سببا في دمار الاقتصاد وخرابه وفساد في الأخلاق وخوف وقلاقل وفتن هذا في الغالب فبينت أن البيئة بما غلب عليها من غربة لهذا الدين شديدة كانت بحاجة إلى مصلح يعيد للدين ظهوره وانتشاره وعهده بعد غربته فقيض الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبرز هؤلاء المصلحين.
وأما مبحث حياة الشيخ فقد تضمن ترجمته ونشأته ورحلاته العلمية وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ووفاته ورثاءه، وذكرت مصادر ترجمته وما يعتمد عليه وما لا يعتمد عليه منها، ونسبه، وأسرته العلمية، ونشأته في هذه الأسرة نشأة علمية، ورحلاته من ناحية خط سيرها وزمانها والأمكنة التي رحل إليها، وشيوخه من أهل الحديث وغيرهم في الحرمين والبصرة والأَحساء وذكرت أن نتيجة هذه الرحلات زيادة معرفة الشيخ وتسلحه
[ ٢ / ١١٢٦ ]
بسلاح العلم النافع، واليقين الراسخ وحرر علم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد من الكتاب والسنة على علماء أهل السنة والجماعة في مهابط الوحي إلى رسول الله ﷺ، وامتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة وبرع في مذهب أحمد بن حنبل ﵁، ورجع من رحلاته وهو في مستوى علمي يفوق علماء زمانه. وفي ذكري لمؤلفاته بينت عدم صحة نسبة بعض المؤلفات إليه وحققت نسبة بعض منها إليه وهي التي حصل تشكيك من البعض في نسبتها إليه.
هذا مع ذكر شيء عن كل مؤلف وأثر من مؤلفات الشيخ من ذكر مكان وجوده وصفته وشيء من موضوعه بشكل موجز ومختصر.
ثم وصلت إلى الباب الأول وهو ما يختص بعقيدة الشيخ السلفية وقد تضمن أربعة فصول أما الفصل الأول فهو في منهج الشيخ في عقيدته ودعوته وتوصلت إلى أن منهجه هو منهج السلف الصالح في العلم والعمل، وأما الفصل الثاني فهو في مجمل عقيدة الشيخ السلفية وتوصلت إلى أنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر وبالقدرخيره وشره جملة وتفصيلا كما يؤمن بذلك سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، ويقول في الإيمان ما يقولونه واكتفيت بذكر أدلته من الكتاب والسنة على كل مسألة من مسائل عقيدته لبيان أصالة اعتقاده وصلته بمذهب السلف الصالح والتقائه معهم في المصير والمرجع كما التقى معهم في المنهج والوسيلة.
[ ٢ / ١١٢٧ ]
وأما الفصل الثالث فهو في التوحيد من مقاميه المقام العلمي والعملي ويكمن فيه الأمر الذي واجه به الشيخ مجتمعه واستنكره عليه عامة الناس ثم أظهره الله به على من ناوأه وعاداه، وأما بقية أركان العقيدة فلم يحصل فيها من النزاع ما حصل في التوحيد، ولأنها في الحقيقة مبنية على التوحيد، فلذا لم أجد من تفاصيلها ما وجدته في التوحيد فاكتفيت بما ذكرته منها عن الشيخ في مجمل عقيدته.
وقد أتيت في هذا الفصل الثالث على ذكر عقيدة الشيخ في التوحيد من مقاميه المقام العلمي الخبري والمقام العملي الطلبي فالمقام الأول هو توحيد المعرفة والإِثبات ويدخل فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات والمقام الثاني توحيد الطلب والقصد ويدخل فيه توحيد الألوهية والعبادة.
وتوصلت إلى أن الشيخ يعتقد في كل ذلك عقيدة السلف الصالح وما خرج عنها في شيء من ذلك يين هذا من أدلته وبراهينه من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة واتفاق أهل المذاهب الأربعة، مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أحمد بن حنبل إمام كل حنبلي في أصول العقيدة السلفية وفي مسائلها الأصلية ودلالتها.
والفصل الرابع تضمن التحذير من نواقض عقيدة السلف الصالح أو نواقض كمالها وأتيت فيه على نواقض الإسلام وتفاصيل عن الشرك وأقسامه وأفراده وخطره وإمكان وقوعه وبيان وسائله وأسبابه وطرق مقاومته والحذر الشديد من ذلك وحماية جناب التوحيد وتصحيح
[ ٢ / ١١٢٨ ]
الاعتقاد بترك الشرك كله وسد ذرائعه والرد على شبهات المشركين وكشفها ثم وصلت إلى الباب الثاني وهو ما يختص بأثر عقيدة الشيخ السلفية في العالم الإسلامي وقد تضمن خمسة فصول، فالفصل الأول ذكرت فيه أسباب ومبادىء تأثير عقيدة الشيخ وأول ظهورها في حريملاء لما رجع من رحلاته العلمية ثم أثرها في العيينة وما حصل عليه من آثار في البلدان الأخرى وأتباع في تلك المرحلة قبل قيام دولة العقيدة.
ثم في الفصل الثاني بينت كيف تم لقاء الشيخ بالأمير محمد بن سعود وكيف تأثر بما عرضه الشيخ محمد من عقيدة السلف الصالح وحصلت البيعة المباركة وبينت أن ذلك التأثر دليل على فضل الأمير وطيب معدنه وخيريته ورجحان عقله وشجاعته وبينت أنه المؤسس لمكاسب آل سعود من دولة إسلامية بسبب تلك العقيدة السلفية التي من شأنها أنها تأتي بالخلافة والملك الإسلامي، وأن من مكاسبهم صلاح دينهم ودنياهم وظهورهم على الملوك والأمراء ونصرهم على أعدائهم واتساع مملكتهم حتى شملت غالب جزيرة العرب وما حولها وارتفع ذكرهم في الخافقين، وبينت ظهور الدين وانتشاره، واندحار الشرك واختفاءه وحصول الأمن والأمان.
وفي الفصل الثالث وهو ما يخص الدور الثاني من أدوار دولة أنصارها، بينت ما تم من أثرها على يد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود وابنه فيصل وما تم من آثارها العلمية على يد الشيخ عبد
[ ٢ / ١١٢٩ ]
الرحمن بن حسن آل الشيخ وابنه عبد اللطيف وغيرهما من علماء الدعوة وأتباعها.
وفي الفصل الرابع بينت كيف عاد الله بعائدته على أهل هذه الجزيرة المرة بعد المرة وهيأ لها الإمام الملك عبد العزيز يستعيد مكاسب عقيدة السلف الصالح التي حققها أجداده وآباؤه، ويعمل على نشر هذه العقيدة والقيام بما تقتضيه وهو الدور الثالث الحاضر الذي لايزال متصل الحلقات، يرتبط حاضره بماضيه، ويعمل لمستقبله منطلقا من حاضره وبينت أبرز ما في هذا الدور من أثر العقيدة وهو استعادة مكاسبها وتوحيد البلاد تحت راية واحدة واسم واحد والتقيد بأحكام الشرع وتطبيقها ومحاربة البدع والمنكرات ومظاهر الشرك والقضاء على الأفكار الإِلحادية المنافية للعقيدة، ودعوة العالم الإسلامي للتضامن ونشر الدعوة إلى الإسلام وبذل الجهود في التعليم وبناء المساجد وتعميرها والاهتمام بخدمة الحرمين الشريفين، وذلك الأمن الوارف الذي لا يوجد في غير هذه المملكة العربية السعودية كل ذلك من أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وأما الفصل الخامس وهو الأخير فهو يختص بأثر عقيدة الشيخ في خارج سلطان أنصارها من بلدان العالم الإسلامي بينت فيه كيف وصل أثرها إلى خارج سلطانها وأثرها في اليمن ثم في الشام ثم في بلدان الخليج والعراق وفارس والهند ومصر وبينت عدم ثبوت صلتها بالحركات السياسية والدعوات وإِن كانت منتمية إلى الإسلام مثل حركة السنوسي في ليبيا، والفرائضيين في الهند، وأحمد بن عرفان الشهيد في الهند، والبدري
[ ٢ / ١١٣٠ ]
في أندونيسيا، ومثل دعوة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والإِخوان المسلمين، والجمعية الشرعية وثورة المهدي في السودان وايش محمد كول في تركستان وإصلاح سلطان المغرب وابن باديس في الجزائركل ذلك لم يثبت شيء منه أنه تأثر بعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته فبينت ذلك.
والنتيجة العامة التي توصلت إليها من بحثي هي: أن عقيدة السلف الصالح قطب رحى المسلمين، وأنها تعود على المتمسك بها بالنصر والتمكين في العاقبة ومن تخلى عن نصرتها فقد تخلى عن نصرة الإسلام الخالص وتكون عاقبته الهلاك والزوال، وكلما رجع المسلمون إلى دينهم وعادوا إلى عقيدتهم السليمة كلما عاد الله عليهم بعائدته ورد لهم الكرة بعد الكرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
وأما النتيجة الخاصة فاني وجدت أن نور الحق والإسلام الخالص قد أشرق بدعوة الشيخ واستجابة آل سعود إلى نصرة عقيدة السلف الصالح، وبسبب ذلك صار ورثة الشيخ من أبنائه وغيرهم الذين ورثوا علمه فصاروا مشايخ الدعوة الإسلامية، وصار أنصارها من آل سعود هم الأئمة والملوك، وتحققت أن منهج الشيخ منهج السلف الصالح الذي يأتي بالخلافة والملك الإسلامي في الأرض، كما تحققت أن عقيدة الشيخ السلفية كما قامت عليها دولة سعودية فاقت أهل زمانها فهي صالحة لأن تقوم عليها دولة سعودية معاصرة تفوق أهل هذا الزمان في الدين والدنيا
[ ٢ / ١١٣١ ]
والعلم والعمران في جميع أقطار المعمورة بحول الله وقوته، كيف لا وهي تحقيق لا إله إلا الله، التي تميل كفتها بكل كفة؟! وإننا على الطريق إن شاء الله سائرون، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) .
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ١١٣٢ ]