الاحتفال
بعيد الأم
إن بِرَّ الوالدين عبادةٌ مأمور بها العبد في كل يوم بقدر استطاعته، وأكمل المسلمين من أتمها في كل يوم وأداها كما ينبغي، والاحتفال بعيد الأم بتحديد يوم معين وكيفية معينة لبر الوالدين هو تخصيص لهذه العبادة بما لم يأت به الشرع، وأقصى ما يقدمه المرء في هذا اليوم لأمه هو مطالب به طوال أيام العام بقدر استطاعته لإدخال السعادة والرضا على نفسها وأيضًا يفعل ذلك مع أبيه.
ولو كان في الاحتفال بعيد الأم خيرٌ يُقَرب إلى الله - ﷿ -، لَفَعَلَه رسول الله - ﵌ - ولَفَعَلَه سلفنا الصالح - ﵃ -، ولَحَثُّوا عليه.
وإضافة عيد في حياة الأمة لا يكون إلا بدليل من الشرع، فالأعياد من العبادات والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بما لم يشرعه الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع» (١).
قال ابن عابدين - ﵀ -: «سُمِّيَ الْعِيدُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ لِلهِ - تَعَالَى - فِيهِ عَوَائِدَ الْإِحْسَانِ أَيْ أَنْوَاعَ الْإِحْسَانِ الْعَائِدَةَ عَلَى عِبَادِهِ فِي كُلِّ
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص٢٦٦).
[ ٢٠ ]
عَامٍ: مِنْهَا الْفِطْرُ بَعْدَ الْمَنْعِ عَنْ الطَّعَامِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَإِتْمَامُ الْحَجِّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَالنَّشَاطُ وَالْحُبُورُ غَالِبًا بِسَبَبِ ذَلِكَ» (١).
وعيد الأم نوع من العبادات المحدثة في دين الله وهذا الاحتفال ليس من باب العادات، لأنه يتكرر، ولهذا كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﵌ - الْمَدِينَةَ قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمْ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى» (رواه النسائي وصححه الألباني)، مع أن هذا من الأمور العادية عندهم» (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: «عيد: اسم لما يعتاد فعله أو التردد إليه، فإذا اعتاد الإنسان أن يعمل عملًا كما لو كان كلما حال عليه الحول صنع طعامًا ودعا الناس فهذا يسمى عيدًا، ولأنه جعله يعود ويتكرر» (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «العيد اسم لما يُعادُ من
_________________
(١) حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الابصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان لمحمد أمين الشهير بابن عابدين (٢/ ١٦٥).
(٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٣) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٩/ ٤٤٣).
[ ٢١ ]
الاجتماع العام على وجه معتاد عائد: إما بِعَوْد السنة، أو بعود الأسبوع أو الشهر، أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورًا منها: يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة، ومنها: اجتماع فيه، ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا.
فالزمان كقوله - ﵌ - ليوم الجمعة: «إنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ» (١)، والاجتماع والأعمال: كقول ابن عباس: «شَهِدتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» (٢)، والمكان كقوله - ﵌ -: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا» (٣)، وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب، كقول النبي - ﵌ -: «دَعْهُمَا يَا أبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لِكُلّ قَوْمٍ عِيدًا وَإِنَّ هَذَا عِيدُنَا» (٤).
* فالعيد يطلق على:
- زمان العيد.
- مكان العيد.
_________________
(١) رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
(٣) رواه أبو داود، وصححه الألباني.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (ص١٦٩)، والحديث رواه البخاري ومسلم.
[ ٢٢ ]
- الاجتماع والأعمال من العبادات أو العادات.
- مجموع اليوم والعمل فيه.
* وعندما نطبق كلام شيخ الإسلام على الاحتفال بعيد الأم نجده عيدًا وليس عادة فقط فهو:
١ - يوم عائد بِعَوْدِ السنة (يتكرر كل سنة في ٢١ مارس).
٢ - يحدث فيه اجتماع للأهل والأقارب.
٣ - يحدث فيه أعمال مثل إهداء الهدايا.
فالاحتفال بهذا الشكل يجعله عيدًا يتكرر كل سنة على وجه مخصوص وهو بهذه الكيفية عيد مبتدع لم يكن عليه عمل السلف الصالح - ﵃ -.
وفي الاحتفال بعيد الأم مخالفة أخرى وهي التشبه بالكفار، قال - ﵌ -: «مًنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح)، وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِىِّ - ﵌ - قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟» (١) (رواه البخاري ومسلم).
_________________
(١) «فَمَنْ»:أي فَمَنْ غيرُ أولئك.
[ ٢٣ ]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِىِّ - ﵌ - قَالَ «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِى بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟»، فَقَالَ «وَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ؟» (رواه البخاري).
فبدعة الاحتفال بعيد الأم لم يكن المسلمون يعرفونها، وإنما انتقلت إليهم عن الكفار، وهذه ليست كالأمور العادية من الاختراعات والمأكولات التي لا تخالف شرع الله، فتكرارها كل عام في نفس اليوم يجعلها عيدًا من أعياد الكفار، وليس للمسلمين التشبه بهم في أعيادهم وإن لم تكن أعيادًا دينية.
[ ٢٤ ]
تكريم