قد سبق منا بيان مقصد هذا المتصدي، وذكرنا أنه ليس من المذنبين بهذا الأمل والمقصد، ولم يكن مقصده إلا توفير سواد المسلمين، وحسن دعوة أعداء الدين، وتفهيم العوام أجل مقاصد الإسلام، فكيف يكون مثل هذا هو من الملحدين، والسالكين غير سبيل المؤمنين، والنبهاني لا يحكم بالابتداع والإلحاد على من يفسر التراث برأيه، ويقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وذكاء النفس، ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات (وأنتم تتلون) كتاب فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد (أفلا تعقلون) فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية (بالصبر) على ما يفعل بكم لكي تصلوا إلى مقام الرضا (والصلاة) التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقّي تَجَلِّيَاتِ الرَّبّ، وإن المراقبة لشاقة إلا على المنكسرة قلوبهم اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم وأنهم إليه راجعون بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته، فلا يجذون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار" انتهى.
وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١. فانظر أيها المنصف العارف باللغة ومدلولاتها،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٤٤- ٤٦.
[ ١ / ١١٩ ]
فمتى دلت ألفاظ هذه الآيات على ما ذكروه من المعاني، وهل هو إلا تفسير بما تهوى الأنفس؟!
وحيث انجر الكلام بنا إلى هذا المقام وجب أن نذكر هنا بعض القواعد الأصولية المتعلقة بفن التفسير، ليتميز به الحق من الباطل، ويعرف الخطأ من الصواب، ومن الله نستمد الإعانة والتوفيق.
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني- قدس الله روحه- في كتابه الذي صنفه في أصول التفسير- وهو كتاب مفصل حافل لم يؤلف مثله في هذا الفن- ما نصه: "يجب أن يُعلم أن النبيَّ ﷺ بيَّنَ لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها [من العلم] ٢ والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا٣. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وال عمران جل في أعيننا، رواه أحمد في مسنده٤. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ٥. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٤٤. ٢ سقطت من الأصل. ٣ أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١/٦٠) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/١١٧/ ٢٩٩٢٩) وابن سعد في "الطبقات" (٦/١٧٢) بإسناد حسن. ٤ هو في "المسند" (٣ /١٢٠- ١٢١، ٢٢٢، ٢٤٥) أو رقم (١٢٢٣٥، ١٣٣٤٨، ١٣٥٩٩)، وأخرجه البخاري (٣٦١٧) ومسلم (٢٧٨١) وغيرهم. (١/٢٠٥/١١) بلاغًا. ٦ سورة ص:٢٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ١. وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟
ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًا، وهو إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم (الصراط المستقيم) بعضٌ بالقرآن؛ أي: اتباعه، وبعض بالإسلام، فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ٢ الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٨٢. ٢ سورة فاطر: ٣٢.
[ ١ / ١٢١ ]
والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، والمقتصدون أصحاب اليمين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١ ثم إن كلًا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع -الموجود منهم- ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللغة، كلفظ (القسورة) الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئًا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٢. وكلفظ: الفجر والشفع، والوتر، وليال عشر، وأشباه ذلك، فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، وإما لكون اللفظ متواطئًا فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم -ويجعلها بعض الناس اختلافًا- أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم (تُبْسَل) بتحبس، وبعضهم بترتهن، لأن كلًاّ منهما قريب من الآخر.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: ١٠- ١١. ٢ سورة النجم: ٨- ٩.
[ ١ / ١٢٢ ]
ثم قال: (فصل) والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك، وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته، وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي ﷺ قُبِلَ، ومالا- بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب- وقف عن تصديقه وتكذيبه، لقوله ﷺ: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"١. وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلًا صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما يُنقَل عن التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٤/١٣٦) أو (رقم: ١٧٢٧٤، ١٧٢٧٥- قرطبة) وأبو داود (٣٦٤٤) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢١٧ ٢١٨/ ١٢٤) وابن حبان في "صحيحه" (١٤/ ١٥١/ ٦٢٥٧) والبيهقي (٢/١٠) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ رقم: ٨٧٤- ٨٧٩) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/٣٨٠) وعبد الرزاق في "مصنفه" (رقم: ٢٠٠٥٩) والمزي في"تهذيب الكمال" (٣٤/ ٣٥٤) . من طريق: ابن شهاب الزهري، عن نملة بن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه به مرفوعًا. نملة بن أبي نملة الأنصاري؛ قال عنه الحافظ في"التقريب": "مقبول". قلت: وقد روى عن خمسة من الرواة كما في ترجمته من "تهذيب الكمال". والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (٥٠٥٢) و"ضعيف سنن أبي داود" (٧٨٦) وعزاه للضعيفة رقم (١٩٩١) فلم أجده فيه. تنبيه: عزا مخرّجا "مجموعة الفتاوى" ط. الوفاء والعبيكان- هذا الحديث للبخاري (٤٤٨٥)؛ فأبعدا النجعة! وإنما هو فيه من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم".
[ ١ / ١٢٣ ]
يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟!
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثير ولله الحمد، وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل؛ التفسير والملاحم والمغازي١. وذلك لأن الغالب عليها المراسيل، وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين- حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم يإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع، وعبد، وإسحاق، وأمثالهم- إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم ولسياق الكلام.
ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/٢٣١/١٥٣٦) . ثم قال الخطيب: "وهذا الكلام محمول على وجه؛ وهو أن المراد به كتب مخصوصة في المعاني الثلاثة، غير معتمد عليها ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها. فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصحّ في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية. وأما الكتب المصنفة في تفسير القرآن؛ فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان.. وأما المغازي؛ فمن المشتهرين بتصنيفها وصرف العناية إليها؛ محمد بن إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي. فأما ابن إسحاق؛ فقد تقدّمت مِنّا الحكاية عنه أنه كان يأخذ عن أهل الكتاب أخباره وأما الواقدي؛ فسوء ثناء المحدّثين عليه مستفيض "اهـ. وانظر الكلام عن قول الإمام أحمد والمقصود منه في مقدمة العلامة أبي إسحاق الحويني الأثري- وفّقه الله ومتع المسلمين بحياته وعلومه- في تحقيقه لتفسير ابن كثير (١/ ١٢- وما بعدها) .
[ ١ / ١٢٤ ]
يغلط في ذلك الذين قبلهم. كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون. وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الاخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول، فالذين أخطؤوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا تفسيرهم، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجُبّائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري، وأمثالهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب "الكشاف"ونحوه، حتى أنه يَرُوج على خلق كثير من أهل السنة كثيرًا من تفاسيرهم الباطلة، وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة، وأسلم من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن، فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري- وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا- ثم إنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام، الذين قرّروا أصولهم بطرق من جنس ما قرّرت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة، لكن ينبغي أن يُعطى كل ذي حق حقه، فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين؛ صار مشاركًا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك بل مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله.
[ ١ / ١٢٥ ]
وأما الذين أخطؤوا في الدليل لا في المدلول- كمثل كثير من الصوفية، والوعاظ، والفقهاء، يفسّرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السّلمي في الحقائق- فإن كان فيما ذكروه معانٍ باطلة دخل في القسم الأول". انتهى كلام شيخ الإسلام ملخصًا١.
فقد عُلِمَ من كلامه- رحمه الله تعالى- أن من فسَّر القرآن تفسيرًا لا يخرج به عن السنة، ولا يذكر فيه شيئًا يناقض المنصوص، ويذكر ما دل عليه لفظ القرآن بأوجز عبارة، وألطفها وأوضحها، ويُبيّن محاسن ما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام، وأما أخبر به من أمور الدنيا والآخرة، وبيان الحكم المشتمل عليها مما ينطبق على الفنون الصحيحة على ممر الأعصر والأيام- فكيف يكون المتصدي لمثل هذا التفسير والطالب له ملحدًا أو مبتدعًا، ويكون النبهاني الذي يحكم بغير ما أنزل الله من قوانين محاكم العدلية مسلمًا على المنهج المستقيم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
قال الله عز ذكره: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢ ومحبة الرسول باتباعه لا بالعمل على خلاف شريعته، ولا بالغلوّ فيه كما غلا النبهاني، حيث اعتقد أن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان، يريد بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، وما من مكان إلا وهو فيه موجود، وهذه مقالة شنيعة في الغلو في النبي ﷺ، وإنزال له فوق منزلته التي أنزله الله فيها، فإن هذا إشراك للنبي ﷺ في أخص أوصاف الباري جل شأنه، فكيف يدّعي محبته من يقول بهذه المقالة، ثم يصرف عمره في الحكم بغير ما أنزل الله، ويذب عن البدع ويحث عليها، ويشتم المحامين عن السنة النبوية، والمحافظين على التوحيد، وسائر ما وردت به الشريعة الغراء، كشيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه؟! فهل يتردد المنصف في أن مثل النبهاني أعدى الأعداء لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: "مقدمة في أصول التفسير" ط. دار ابن حزم ببيروت. وهي برمتها في "مجموع الفتاوى" (١٣/٣٢٩- ٣٧٥- القديمة) أو (١٣/١٧٦- ٢٢٩- الجديد ة) . ٢ سورة آل عمران: ٣١.
[ ١ / ١٢٦ ]