قال النبهاني: وها أنا أرجع إلى الكلام على (منهاج السنة) للإمام ابن تيمية فأقول: لما كان كثير من طلبة العلم في هذا الزمان- فضلًا عن العوام- غير ماهرين في علم الكلام، ومعرفة ما يخالف أو يوافق العقيدة الصحيحة من أبحاثهم الدقيقة، التي لا يهتدي لمعرفتها والتفريق بين الحق والباطل منها إلا أكابر علماء الإسلام- الذين قضوا زمنًا طويلًا من أعمارهم في مباحث علم الكلام -كان من الواجب على علماء أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية- وهم أهل المذاهب الثلاثة وبعض الحنابلة أيضًا- أن يحذروا العوام وضعاف الطلبة من مطالعة هذين الكتابين، لكثرة ما فيهما من خلط الحق بالباطل، والرد على أهل السنة والجماعة بحجج مزخرفات، ربما لا يهتدي لدفعها القاصرون من طلبة العلم فضلًا عن العوام.
[ ١ / ٥٤٥ ]
قال: وقد تقدم في كلام الإمام السبكي أنه رد على كتابه (العقل والنقل) فرده هو لا شك من الجهات التي خالف بها أهل السنة ورد عليهم مثل الإمام الأشعري وغيره.
ثم إنه نقل عن الزبيدي ما يؤيد قوله من أن أهل السنة هم الأشاعرة ونحوهم، وعن التاج السبكي ووالده مثل ذلك، وأنه لا فرق بين الأشاعرة وبين الماتريدية إلا في مسائل.
ثم إنه نقل أيضًا عن الزبيدي أيضًا أن للسبكي شرحًا على قصيدة ابن زفيل الحنبلي التي رد فيها على الأشاعرة وأضرابهم، وهي التي يقول فيها:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فعليك إثم الكاذب الفتان
جهم بن صفوان وشيعته الألى جحدوا صفات الخالق الديان
بل عطلوا منه السموات العلى والعرش أخلوه من الرحمن
والعبد عندهم فليس بفاعل بل فعله كتحرك الرجفان
اعلم أن هذه الأبيات من نونية ابن القيم رحمه الله تعالى، وهي المسماة (بالكافية الشافية) ولم نسمع أن أحدًا سماه ابن زفيل، وكلامه يوهم أنه شخص آخر، وهكذا شأن الغلاة ديدنهم ودينهم تحريف الكلام عن مواضعه. والسبكي ليس من رجال هذه المنظومة حتى يكتب عليها شيئًا، ومن ادّعى غير ما ذكرناه فعليه البيان حتى نتكلم عليه بما يجب.
ثم نقل من شرح السبكي على هذه الأبيات ذم علم الكلام، وذم الشيخ ابن تيمية وأصحابه بسبب قولهم في المسائل المختارة للشيخ وما افتراه عليهم خصومهم. وبعد أن فرغ من عبارة السبكي التي نقلها الزبيدي، قال النبهاني: إذا علمت ذلك أيها المسلم الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي الصالح الموفق تعلم أنه يجب عليك الحذر التام من كتب الإمام ابن تيمية وجماعته المتعلقة بالعقائد، لئلا تهوى في مهواة الضلال، ولا ينفعك الندم بعدم ذلك بحال من الأحوال، وإياك أن تغتر بكلام السيد نعمان أفندي الألوسي البغدادي في كتابه
[ ١ / ٥٤٦ ]
(جلاء العينين) وتظنه أنه حنفي من أهل السنة والجماعة، فهو بهذا الكتاب قد خرج عن حنفيته وسنيته، وصار من جماعة ابن تيمية ناصرًا لمذهبه مذهب الوهابية- عفا الله عنه وعنهم أجمعين- فإنهم بلا شك من جملة المسلمين وإن كانوا فيما خالفوا أهل السنة مبتدعين، وهم إنما يغرون أهل الإسلام من ضعاف الطلبة والعوام بقولهم إنهم على مذهب السلف. ثم نقل بعض العبارات عن كتاب "المنهاج" زعم أن فيها إثبات الجهة، إلى آخر هذيانه.
وحاصل كلامه الطويل السخيف العليل؛ أنه حذر طلبة العلم من مطالعة كتب ابن تيمية، ولاسيما كتاب "العقل والنقل"، و"المنهاج"، ومن كتاب "جلاء العينين"، فإن تلك الكتب مخالفة لعقائد أهل السنة، وأن مؤلف "جلاء العينين" بسبب الذب عن ابن تيمية وإبطال بهتان ابن حجر خرج عن حنفيته وسنيته، وله الفضل حيث لم يخرجه أيضًا عن حنيفيته، وأن ابن تيمية قائل بالجهة، هذا حاصل جميع هذيانه في هذا المقام، والله المستعان، وقد جعل الموافقين لابن تيمية مبتدعة، وقد كرر ذلك الكلام مرارًا، وأعاده مرة بعد أخرى.
أقول في الجواب عن غلطه: إنا قد قدمنا الكلام على كتب الشيخ ابن تيمية مفصلًا، وذكرنا ما ذكرنا من تقاريظ أهل العلم عليها، وما قالوه من الثناء الذي لم يكن لغيرها، وهي الكتب التي فتح الله بها عيونًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وكانت من بعض آيات نبوة النبي ﷺ إن كان فرد من أفراد أمته بلغ ما بلغ من العلم بحمد الله وتوفيقه، ويقال للنبهاني كما أنشدناه سابقًا:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
ويقال له أيضًا: من أين لك علم بعلم الكلام، بل بعلم من العلوم؟ فإن كتابك هذا الذي نراه من أوضح الدلائل على جهلك لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
ويقال له أيضا: إن كان لك علم وفهم فلم لم تنصح نفسك وتردعها عن سلوك هذا المسلك الذي أنت متلوث به والنفس مقدمة على الغير؟
[ ١ / ٥٤٧ ]
وما أحسن ما قيل:
يا أيها الشيخ المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
ويقال له أيضًا: لم لم تنصح- إن كان لك فهم وذوق- عن مطالعة الكتب التي تصادم الشريعة الغراء وتناقضها، ككتب الشيخ محي الدين ابن العربي وأضرابه من المتصوفة، التي تقشعر من سماعها جلود المؤمنين، قال الشيخ محي الدين عند الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية برواية أبي زرعة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ستروا محبتهم ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ١ استوى عندهم إنذارك وعدم إنذارك لما جعلنا عندهم (لا يؤمنون) بك ولا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنا. (ختم الله على قلوبهم) فلا يعقلون إلا عنه. (وعلى سمعهم) فلا يسمعون إلا منه. (وعلى أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون إلا إليه، ولا يلتفتون إليك وإلى ما عندك بما جعلناه عندهم وألقيناه إليهم (ولهم عذاب) من العذوبة (عظيم) ! انتهى.
ولكن النبهاني وأضرابه من الغلاة يذبون عن مثل هذه الكتب، ويحثون على مطالعتها، ويلمزون كتب السنة الداعية إلى توحيد الله، وهكذا شأن علماء أهل الكتاب وأحبارهم.
فقد ناقل الحافظ ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى" عند رده على من طعن في علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما نصه- من كلام طويل-: "وما يدريكم معاشر المثلثة وعُبّاد الصليب وأمة اللعنة والغضب؛ بالفقه والعلم، ومسمى هذا الاسم، حيث تسلبونه أصحاب محمد الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل؟ وهل يميز بين العلماء والجهال ويعرف مقادير العلماء إلا من هو من جملتهم، ومعدود في زمرتهم؟ فأما طائفة شبه الله علماءهم بالحمير التي تحمل الأسفار، وطائفة علماؤها يقولون في الله ما لا يرضاه أمة من الأمم فيمن تعظمه وتجله، وتأخذ دينها عن كل كاذب ومفتر على الله وعلى أنبيائه، فمثلها كمثل عريان
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٦.
[ ١ / ٥٤٨ ]
يحارب شاكي السلاح، ومن سقف بيته زجاج وهو يزاحم أصحاب القصور بالأحجار، ولا يستكثر على من قال في الله ورسوله ما قال أن يقول في أعلم الخلق إنهم عوام.
فليهن أمة الغضب علم [المشنا] والتلموذ وما فيها من الكذب على الله وعلى كليمه موسى، وما يحدثه لهم أحبارهم وعلماء السوء منهم كل وقت، وليهنهم علوم دلتهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شق عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وغير ذلك.
وليهن أمة الضلال علومهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء، وخالفوا بها المسيح خلافًا يتحققه علماؤهم في كل أمره، وعلومهم التي قالوا بها في رب العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشق منه والأرض تتفطر، والجبال تنهد، لولا أن أمسكها الحكيم المصور، وعلومهم التي دلتهم على التثليث وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة، ودلتكم على قول عالمكم أن السيد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت، وأن الشبر الذي ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمكم الآخر من لم يقل إن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله"١ انتهى ما قصدنا نقله وبقي منه كلام طويل من أراده فليرجع إليه.
سمعت أيها النبهاني ما قال إخوانك وما قيل لهم، فوازن بين كلامهم وطعنهم على أهل الحق وعلومهم وبين كلامك وقدحك في كتب السنة والدين الخالص، ووازن بين ما أجابوا به وما أجبت به، ولقد تشابهت قلوبكم، وتوافقت مثالبكم وعيوبكم، كل ذلك أيها النبهاني من جهلك الذي أنت فيه، وهو الذي أوقعك في مهواة البلاء وعجبك بنفسك، وتكبرك الذي دعاك إلى أن ضربت بسهم مع الأفاضل وأرباب التقوى، مع أنك كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت في البيداء أبعد منزل ثم نقول: إن ما ادعاه النبهاني- تقليدًا لأسلافه- أن الأشاعرة والماتريدية
_________________
(١) ١ "هداية الحيارى" (ص ٤٥٩- ٤٦٠- ط. دار القلم) .
[ ١ / ٥٤٩ ]
هم أهل السنة وأن من كان على طريقة السلف- كشيخ الإسلام ابن تيمية- هم من المبتدعة كلام لا أظنه يصدر عن ذي فهم ولا معرفة، فلا بد من الكلام على تحقيق هذه المسألة وبيان المراد بالسنة والبدعة، ليتبين الحق من الباطل، ويعلم به أنه الأحق باسم المبتدع هو هذا الخصم الألد، ومن على منهجه من أسلافه الغلاة قبحهم الله تعالى وخذلهم.
اعلم أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة، الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات. فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله ﷺ، وما سَنَّهُ أو أَمَرَ به من أصول الدين وفروعه، حتى الهَدْيَ والسمت، ثم خُصّت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافًا للجهمية المعطلة النفاة، وخُصّت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافًا للقدرية النفاة، وللقدرية الجبرية العصاة، وتطلق أيضًا على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته، لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله: "الحج عرفة"١ أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة، ككتاب السنة للألكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة، والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم.
فما قاله النبهاني إن في كتب ابن تيمية التي ذكرها حكمًا على أهل السنة والجماعة بالتكفير والإشراك؛ كذب ظاهر، وبهت جلي، ما قيل ولا صدر فضلًا عن كونه عرف واشتهر، وآحاد العامة فضلًا عن الخاصة لا يخفى عليهم أن الشيخ
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩، ٣٣٥) وأبو داود (١٩٤٩) والنسائي (٥/ ٢٥٦) والترمذي (٨٨٩) وابن ماجه (٣٠١٥) وغيرهم.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وأصحابه كانوا من أكابر أهل السنة والجماعة، وأنهم تصدوا للرد على المبطلين والمشركين، من اليهود والنصارى، والصابئة والفلاسفة، وعباد القبور والمشائخ، ولم يكفروا غير هذه الطوائف ومن ضاهاهم، كغلاة الجهمية، والقدرية، والرافضة، هذا يعرفه كثير من العوام.
فما قاله النبهاني من أن الشيخ ابن تيمية رد في كتابه "منهاج السنة" وكتاب "العقل والنقل" على أهل السنة لا أصل له، بل إنه رد على الغلاة من عبدة القبور. وتسمية هؤلاء أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله، وقلب للمسميات الشرعية وما يراد من الإسلام والإيمان، والشرك والكفر، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ١.
والنبهاني وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام وبعد العهد بآثار النبوة، كما أفاده العلامة الشيخ عبد اللطيف في منهاجه.
وظن النبهاني أن دعاء غير الله والعمل بغير الشريعة الأحمدية والقول بالحلول والاتحاد؛ لا يخرجه عن جادة الحق مع الإتيان بالشهادتين، مع أنه لا يشترط في ذلك أن يكفر المكلف بجميع ما جاء به الرسول، بل يكفي في الكفر والردة- والعياذ بالله تعالى- أن يأتي بما يوجب ذلك ولو في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من كل مذهب، وهو من عجيب جهل النبهاني وأمثاله من الغلاة، لأنه يعرفه المبتدئون في الفقه والعلم، ومن أراد الوقوف على جزئيات وفروع في الكفر والردة فعليه بما صنف في ذلك، كالأعلام لابن حجر، وما عقده الفقهاء من أهل كل مذهب في باب حكم المرتد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمر النبي ﷺ بقتالهم قال: "فإذا كان عهد النبي ﷺ وخلفائه
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٩٧.
[ ١ / ٥٥١ ]
ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر ﷺ بقتاله؛ فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب؛ منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ الآية. وعليّ ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة فقُذِفُوا فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر الصحابة، وقصتهم معروفة عند العلماء.
وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في عليّ بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية- مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجرني أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال- فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى- مثل المسيح والملائكة والأصنام- لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ فبعث الله رسوله ينهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٤.
قال طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة فأنزل
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٧١. ٢ سورة الزمر: ٣. ٣ سورة يونس: ١٨. ٤ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧.
[ ١ / ٥٥٢ ]
الله هذه الآية، ثم ذكر آيات في المعنى". انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في "الفرقان بين الحق والباطل": "وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا هم كما قال مجاهد: أهل البدع والشبهات يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل. وكما قال فيهم الإمام أحمد، قال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يحتجون بالمتشابه من الكلام، ويضلون الناس بما يشبهون عليهم، والموافقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث فإن وافقه احتجوا به اعتقادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه: فتارة يحرفون الكلام عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه ويقولون نفوض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم، وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول، يجعلون أقوالهم البدعية محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها، والمخالف إما كافر وإما جاهل لا يعرف هذا الباب، وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول، ويجعلون كلام الله ورسوله الذي يخالفها من المتشابه الذي لا يعرف معناه إلا الله، أو لا يعرف معناه إلا الراسخون في العلم، والراسخون عندهم من كان موافقًا لهم على ذلك القول، وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم، كالنصارى والخوارج وغيرهم، إذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله وجعلوه محكمًا وجعلوا المحكم متشابها، وأما أولئك -كنفات. الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم كالفلاسفة- فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه، وإن لم يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه، ويجعلون ما جاءت في الأنبياء وإن كان صريحًا قد يعلم معناه بالضرورة ويجعلونه من المتشابه، ولهذا كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع، حتى قال يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد: إن الجهمية نفاة الصفات خارجون عن الثنتين والسبعين فرقة.
قالوا: وأصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية، وقد
[ ١ / ٥٥٣ ]
ذكرنا في غير هذا الموضع أن قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١ في المتشابهات قولان: أحدهما أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس، والثاني: وهو الصحيح- أن التشابه أمر نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم، كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٢ وهذا كقوله: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور لا يعلمهن كثير من الناس"٣ وكذلك قولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٤.
وقد صنف أحمد كتابًا في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وفسر تلك الآيات كلها، وذمهم على أنهم تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله، وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء في تفسيرها، مثل الآيات التي سأل عنها نافع بن الأزرق لابن عباس، قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عنى بها، ومن قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضًا، ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه، مثل وقت الساعة، ومجيء أشراطها، ومثل كيفية نفسه، وما أعده في الجنة لأوليائه، وكان من أسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم، كقوله: (أنا) و(نحن) وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذي له أعوان، لم يرد به أن الآلهة ثلاثة، فتأويل هذا- الذي هو تفسيره- يعلمه الراسخون، ويفرقون بين ما قيل فيه (أنا) وما قيل فيه (إنا) بدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه إذ كانوا رسله، وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده، ولهذا لا يقول فإيانا فاعبدوا، ولا إيانا فارهبوا، بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص، وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٧. ٢ سورة هود: ١. ٣ أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) . ٤ سورة البقرة: ٧٠.
[ ١ / ٥٥٤ ]
الملائكة قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٢ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ٣ ونحو ذلك مع أن تأويل هذا وهو حقيقة ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم لا يعلمه إلا الله، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا؛ أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقل ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة.
فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِلَ وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب، والجسم، والمتحيز، والجوهر، والجهة، والعرض، ونحو ذلك، ولفظ الحيز ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة أيضًا، بل هم يختصمون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ، فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى، ويبطل ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل، وعرف وجه الكلام على أدلتهم فإنها ملفقة من مقدمات مشركة يأخذون اللفظ المشترك في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر، فهو في صورة اللفظ دليل وفي المعنى ليس بدليل، كمن يقول سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا يتزوجها، والذي قال:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ١. ٢ سورة القيامة: ١٨. ٣ سورة القصص: ٣.
[ ١ / ٥٥٥ ]
أراد امرأة اسمها الثريا ورجلًا اسمه سهيل، ثم قال: عمرك الله.. إلخ.
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
وهذا لفظ مشترك، فجعل تعجبه وإنكاره مع الظاهر من جهة اللفظ المشترك، وقد بسط الكلام على أدلتهم المفصلة في غير موضع.
والأصل الذي بنى عليه نفات الصفات وعطلوا ما عطلوا حتى صار منتهاهم إلى قول فرعون الذي جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلَّمَةُ؛ هو استدلالهم على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة، واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من الحوادث ولم تسبقها، وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث، وهذا أصل قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم، وأصل قول المتكلمين الذين أطبقوا على ذمهم.
وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها أقوال السلف والأئمة في ذم الجهمية وفي ذم هؤلاء المتكلمين، والسلف لم يذموا جنس الكلام فإن كل آدمي يتكلم، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به رسوله، والاستدلال بما بينه الله ورسوله، بل ولا ذموا كلامًا هو حق بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضًا، وهو الباطل.
فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل، ولكن كثيرًا من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام، فمنهم من اعتقده موافقًا للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم الخليل استدل به، ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الإيمان أو لا يتم إلا به، ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون هذا المسلك، فصار من عرف ذلك يعرف أن هذا بدعة، وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد، بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل لكنه طويل أو بعيد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه، فصاروا يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف، مع اعتقادهم أنه يوصل إلى المعرفة وأنه صحيح في
[ ١ / ٥٥٦ ]
نفسه، وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل عقلًا وشرعًا، وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة، بل إنما يوصل لمن اعتقد صحته إلى الجهل والضلال، ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك، إذ كان حقيقته أن كل موجود فهو حادث مسبوق بالعدم، وليس في الوجود قديم، وهذا مكابرة، فإن الوجود مشهود، وهو إما حادث وإما قديم، والحادث لا بد له من قديم، فثبت وجود القديم على التقديرين.
وكذلك ما ابتدعه في هذه الطريق ابن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن على الواجب أبطل من ذلك، كما قد بسط ذلك في غير هذا الموضع.
وحقيقته؛ أن كل موجود فهو ممكن، ليس في الوجود موجود بنفسه، مع أنهم جعلوا هذا طريقًا لإثبات الواجب بنفسه، كما يجعل أولئك هذا طريقًا لإثبات القديم، وكلاهما يناقض ثبوت القديم والواجب، فليس في واحد منهما إثبات قديم ولا واجب بنفسه، مع أن ثبوت موجود قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة، ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه، وقالوا هو الله، وأنكروا أن لا يكون للعالم رب مباين للعالم، إذ كان ثبوت القديم الواجب بنفسه لا بد منه على كل قول، وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ينكر هذا الوجود المشهود.
فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم، بل يظنون أنهم أقاموا الدليل على إثبات القديم الواجب بنفسه، ولكن وصفوه بصفات الممتنع، فقالوا لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو صفة ولا موصوف، ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تستلزم عدمه، وكان هذا مما تنفر عنه العقول والفطر، ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة الموجود، فدليلهم في نفس الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب، ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب، وهذا الذي أثبتوه ممتنع فما أثبتوا قديمًا ولا واجبًا.
[ ١ / ٥٥٧ ]
فجاء آخرون من جهتهم فرأوا هذا مكابرة، وأنه لا بد من إثبات القديم والواجب، فقالوا هو هذا العالم، فكان قدماء الجهمية يقولون إنه بذاته في كل مكان، وهؤلاء قالوا هو غير الموجودات، والموجود القديم الواجب هو نفس الوجود المحدث الممكن، والحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه.
وأما حقيقة قولهم فهو النفي؛ أن لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن هذا لم يسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم، ولهذا كان الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان، ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية، وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنها قد حليت بمحاسن الأشياء
وهم لم يقصدوا نفي القديم والواجب، فإن هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا مسلم ولا كافر، إذ كان خلاف ما يعلمه كل واحد ببديهة عقله، فإنه إذا قدر أن جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها، ومن المعلوم ببداهة العقول أن الحادث لا يحدث بنفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١ وقد قيل: خلقوا من غير شيء من غير رب خلقهم وقيل من غير مادة، وقيل من غير عاقبة وجزاء. والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلا بد له من خالق.
ثم ذكر الشيخ ﵀ معرفة الفطر، ثم ذكر قول الأشعرية، والهشامية، والكرامية، وغيرهم، ثم أبطله بأوضح بيان وأجلى برهان.
والمقصود، أن شيخ الإسلام لم يَرُدّ إلا على من خالف الشريعة وصادمها بقواعده، ولم يرد على أهل السنة وهم الذين كانوا على الصراط المستقيم ولم يخالفوا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، بل ذب عنهم وانتصر
_________________
(١) ١ سورة الطور: ٣٥.
[ ١ / ٥٥٨ ]
لأقوالهم، غير أن النبهاني ظن أن ما هو عليه من الزيغ والإلحاد هو مذهب أهل السنة، ى قد سبق فيما نقلناه من مجالس الشيخ الثلاثة ما ينفع في المقام، بل كتبه طافحة بتفصيل ما قررناه فراجع أيّ كتاب شئت منها.
وبما قررناه علم أيضًا أن ما نقله الزبيدي من كلام السبكي عند كلامه على أبيات ابن زفيل ساقط عن درجة الاعتبار، لأنه من خصوم شيخ الإسلام وحسدته، عدا ما كان عليه من الغلو والجهل والافتراء على أهل الحق، والظاهر أنه ليس له من الكلام على قصيدة العلامة ابن زفيل سوى ما نقله الزبيدي إن صح نقله، وإلا لذكره ولده التاج فيما عد من مؤلفاته في "الطبقات" ولم يذكره مع أنه أتى بجميع عُجَرِهِ وبُجَرِهِ.
وأما ما نسب النبهاني إلى الشيخ من القول بالجهة فهو من افتراءات السبكي وابن حجر المكي وغيرهما من أعدائه وخصومه، والنبهاني قلدهم في هذا القول تقليدًا أعمى كما هو ديدنه وعادته، وكتب الشيخ طافحة من تنزيه الله تعالى عن الجهة والجسمية، ومدار كلامه على ما ثبت بالكتاب والسنة وأقوال السلف، وأنشد في كتاب الفرقان:
أيها المقتدي لتطلب علمًا كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب الفرع كي تصحح حكمًا ثم أغفلت أصل أصل الأصول
ثم قال: والله يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
قال: وهذه الأصول ينبني عليها ما في القلوب ويتفرع عليها، وقد ضرب الله مثل الكلمة الطيبة التي في قلوب المؤمنين، ومثل الكلمة الخبيثة التي في قلوب الكافرين.
ثم إنه أطنب الكلام في شرح الكلمتين، وأتى بما تقر به من المؤمن العين، كما هي عادته رحمة الله عليه، وسنتكلم إن شاء الله على العلو والاستواء عند
[ ١ / ٥٥٩ ]
إبطال أقوال النبهاني التي هذى بها في هذا الباب، ويتميز بحوله تعالى القشر من اللباب.
[ ١ / ٥٦٠ ]
[الكلام على كتاب "جلاء العينين"]
وأما ما تكلم به النبهاني من الهذيان في شأن (جلاء العينين) ومصنفه، وتحذير المسلمين من مطالعته، وإخراج مصنفه عن حنفيته بل سنيته بسبب الذب عن ابن تيمية وانتصاره له؛ فهو كلام من لا ينبغي أن يخاطب ولا يوجه إليه مقال، فإن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ وقال عز من قائل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. ومصنف "جلاء العينين" لم يذكر فيه إلا أقوال الفريقين وبسط فيه دلائل الطرفين، ودعا إلى الله وتوحيده، وبرهن على وجوب إفراده سبحانه بالعبادة، وذب عن خلص عباد الله، وحكى ما كان وأظهر ما زوره الخصم من البهتان، ومثل (جلاء العينين) ينبغي لكل مسلم أن يطالعه ويستفيد منه حقيقة دينه، ثم يدعو لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان، وأن يجزيه عن خلص عباده خير الجزاء.
ثم إنا قد ذكرنا حقيقة السنة والبدعة، وما ذكر فيهما أهل العلم من البيان الشافي والكلام الوافي، فأي مسألة ذكرت في "جلاء العينين" تخالف ما ورد عن النبي ﷺ وتستوجب التبديع، نعم ذكر فيه ضلالات أهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد، وهي ليست بخفية على أحد من الناس، وكتب العلم طافحة بذكر ذلك الهذيان ورد هذا الوسواس، فقد ألف السعد التفتازاني كتابًا رد فيه على الفصوص، وكذا العلامة الملا علي القاري الحنفي، والفهامة الشيخ محمد البخاري الحنفي وغيرهم.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ١٨. ٢ سورة آل عمران: ١٠٤.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وذكر أيضًا بدع القبوريين وأعمالهم الشركيه، وأظهر افتراء ابن حجر وخيانته في النقل واتباعه لهواه وخصومته للحق، وما كان من السبكي من العدوان والقول على الله بغير علم، وأي مذهب من مذاهب المسلمين يسوغ ما كان ابن حجر والسبكي ونحوهما من التجاوز والقدح في علماء السنة النبوية وحفّاظ الحديث بغير حق.
أيرضى الإمام الشافعي وأكابر أصحابه والمنصفون من أتباعه بما كان من هؤلاء الغلاة؟ أم هل يسوغ الإمام أبو حنيفة أن يتلاعب أحد بالدين ويعرض عما ورد فيه الكتاب والسنة ويسلم لابن حجر وأضرابه كل ما هذى به؟ أم هل يبيح إمام دار الهجرة أن تباح أعراض ورثة الرسول ﷺ وحفّاظ حديثه أن يمزقها ابن حجر بأظفاره وأنيابه؟! وهكذا جميع أئمة الدين، وأكابر المجتهدين، وقد أوصى كل منهم باتباع الحق والإعراض عن الهوى ومجانبة التعصب، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ثم يقال للنبهاني: الخروج عن المذهب متى يكون؟ والتقليد بماذا كان؛ هل في الفروع والأصول معًا أم في الفروع لا في الأصول أم بالعكس؟ ولا شك أن النبهاني جاهل بكل ذلك لا يفرق بين الأصول والفروع، بل لا يميز بين الكوع والكرسوع.
وأهل العلم ذكروا أن التقليد هو أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم إن لم يتمكن من استفراغ الوسع لتحصيل ظن الحكم، وإلا فيحرم عليه كما يحرم التقليد في العقائد، وقد رأيت كلامًا مفيدًا لبعض أكابر الشافعية في بحث التقليد نذكره تتميمًا للفائدة، قال: "ثم إني لم أزل متشبثًا بأذيال هذا الإمام، متمسكًا بعرى أقوال ذياك الهمام، مستغرقًا النهار والليل في استكشاف دقيق كلامه، مستنهضًا الرجل والخيل لارتشاف رحيق مدامه، لم أعرج على غير حماه، ولم أعرج لسوى سماه.
أبعد سليمى مطلق ومرام
وغير هواها لوعة وغرام
[ ١ / ٥٦١ ]
وكذا شأني مع أصحابه الكرام، وحالي مع أتباعه الفخام، لا ألوي عناني إلا على أطلالهم، ولا أسترشد بغير أقوالهم.
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
لا أميل إلى تقليد أحد من الأئمة، مع علمي بأن اختلافهم في الفروع رحمة، بل ديدني رفاقهم أنجدوا أم اتهموا، وديني وفاقهم أيمنوا أم أشأموا، إلى أن خاصمني مخاصم الإنصاف فخصمني، وعارضني معارض الاعتساف فأفحمني، وتبين لي بمخالطة الأنام، أن كثيرًا من العقود لا تصح على مذهب الإمام، وأن تصحيحها كالمحال، وأن ليس للشافعي في ذلك مجال، فلم أر بدأ في هذا الزمان من تقليد إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان، فقلدته في جميع معاملاتي، ولولا ما في قلبي للشافعي لاتبعته في سائر دياناتي.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل
ثم قال: فها أنا ذاك شافعي في عباداتي، حنفي في سائر معاملاتي، وهكذا سائر علماء الزمان في المعاملات على مذهب النعمان، قد طووا سنن الشافعي، ورفعوا أذكار النووي والرافعي، فلا نرى جاهلًا يستفتى، ولا عالمًا في هاتيك المسائل يفتي.
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا خلًا نجاريه
ويقال للنبهاني إذا كان الرجل من أتباع الإمام الشافعي قد قلد غيره في كثير من المسائل لا يخرجه ذلك عن تقليد إمامه فكيف حكم على من لم يتحقق لديه مخالفة إمامه ولا في مسألة واحدة بالخروج عن تقليده؛ بل كم رأينا من أصحاب الأئمة من خالفه في مسائل كثيرة ولم يقل أحد بخروجهم في ذلك عن التقليد أفيقال إن الإمام أبا يوسف بسبب مخالفته لإمامه في مسائل كثيرة خرج عن كونه حنفيًا، وكذلك محمد، وكذلك زفر، وهكذا أصحاب كل إمام، فكيف يحكم النبهاني بهذا الحكم الفاسد، ويقول هذا القول الكاسد؟!
[ ١ / ٥٦٢ ]
وللشيخ أحمد الطيبي منظومة فيما يحتاج الشافعي فيه إلى تقليد الإمام أبي حنيفة، وهي هذه بعد البسملة:
الحمد لله الذي ما جعلا من حرج في الدين لكن سهلا
لهذه الأمة فضلًا وكرم سبيل رشدها وأسبغ النعم
ثم صلاة وسلام سرمدى منه على خير الأنام أحمد
نبينا الذي به نلنا الهدى وآله وكل من به اهتدى
وبعد فاعلم أن من قد قلدا من الأنام عالمًا مجتهدا
فجائز له بأن يقلدا آخر إلا أن يكون اعتقدا
بأن من قلده في الأول أعلم من ثانيه فالمنع جلي
فإذ عرفت الشرط واحتجت إلى تقليد غير الشافعي فافعلا
كأن تقلد الإمام الأعظما أبا حنيفة الزكي المقدما
في البيع والشرا بلا إيجاب ولا قبول منك في الخطاب
بل بالمعاطاة إذا ما كثرا أوقل ما به المبيع والشرا
وفي النجاسات التي البليه عمت بها ما لم تكن كلبيه
من ذلك الفراء في الأثواب وفي القباقيب وفي النشاب
وهو الفرا المعمول من غير السمك أما الذي منه فليس فيه شك
كذا الفرا من نحو قط ونمر وكل مأكول ولم يكن نحر
كذا الرماد من نجاسة حصل في مائع أو ما قليل أو محل
أو شربة مع طينها قد عجنا أو طين أرض أو جدار أو لنا
والعفو عن نجاسة قد كثفت ووزنها الدرهم حين وزنت
كذاك عن رفيقة وبلغت مقدار بسط الكف لما بسطت
كذاك في نقل زكاة الواجد للمستحق ولشخص واحد
يدفعها ولو صبيًا إن قبض إن بلغ التمييز ذاك المفترض
ودفعنا من ذهب عن فضة وعكسه عند أبي حنيفة
يكفي كذاك كلما ينتفع
به الفقير كثياب تدفع
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقل زكاة الفطر مثل المنال فقس به في سائر الأحوال
فتدفع القيمة عنها إن تشا أين أردت أو سواها كنشا
كذاك في الأنثى إذا ما زوجت لنفسها أو غيرها إذ وكلت
كذاك في التأجيل للصداق إلى الممات أو إلى الطلاق
وأن ما يؤخذ من أموال بقصد تعزير من الحلال
والقول في تعلق الحرام بذمة الجاني من الأنام
لا يتعدى لسواها أصلًا قد رد حيث لم يلاق جهلًا
نعم إذا غير من قد عصبا مغصوبه يملكه وإن أبى
لكنه يحرم الانتفاع به حتى يؤدي للضمان فانتبه
ونية الصلاة حيث وجدت ولم تكن من المصلي اقترنت
بلفظة التكبير للإحرام فهي صحيحة لدى الإمام
فمن يقلده به لا يعمل إلا بتطهير لديه يقبل
وسعينا بين الصفا والمروة في حجنا وهكذا في العمرة
ما عده فرضًا ولكن واجبا فمن به أخل لن يطالبا
إلا بفدية ونسكه يصح وتلك شاة فادر فهو متضح
ولم يقل شرط الطواف الطهر فإن يضق بنفساء الأمر
أو حائض وهجمت وطافت فهو صحيح وفدت وتابت
فإن يكن حجًا فدت ببدنه أو اعتمادًا فبشاة بينه
وإن تطلق ذات حيض وانقطع ما لم تحض ثم بلا التباس
بأشهر ثلاثة تعتد كذاك قال الشافعي الفرد
كذا أبو حنيفة وقالا في ذاك مالك وأحمد لا
وإنما سبيلها إذا مضت تسع شهور بعد ما قد طلبت
تعتد بالثلاثة الأشهر من بعد وسن اليأس عندنا ابن
بانه اثنان وستون سنة على الصحيح وحكى من بينه
عند الإمام الأعظم النعمان
خمس وخمسون احتفظ بياني
[ ١ / ٥٦٤ ]
وقس بما حوته ذي الصحيفة مقلدا غير أبي حنيفة
فإن تكن قلدت في الكلبية مالكًا افعل ما مضى في النية
ففي الوضوء امسح جميع الرأس لكي تتمه بلا التباس
والحمد لله الذي ما عسرا على عباده ولكن يسرا
والكلام في هذا الباب طويل، وكم أفرده بالتأليف فاضل جليل، وليس هذا مقام التفصيل.
ثم نعود إلى النبهاني ونقول له: إن كثيرًا من المعتزلة قلّدوا الإمام أبا حنيفة وهم- مع اعتقادهم الفاسد- لم يقل أحد بخروجهم عن مذهب أبي حنيفة، وهكذا في اتباع الشافعي وغيره من كان على عقيدة الاعتزال، حتى أن عد السبكي في "طبقاته" جماعة واتهم الماوردي أيضًا بذلك، وكثير من الكرامية والمرجئة كانوا أتباع الإمام أبي حنيفة، وكثير من المجسمة كانوا أتباع الشافعي، وقد سبق ذكر شيء من ذلك في المجالس التي انعقدت لمناظرة شيخ الإسلام، كل هؤلاء على سوء اعتقادهم لم يخرجوا عن مذهب من قلدوه، فكيف ساغ للنبهاني أن يخرج عن الحنفية والسنة مصنف (جلاء العينين) وذكر العلة في ذلك وقال بسبب انتصاره لابن تيمية والذب عنه وتبريته عما نسب إليه.
فلينظر المنصفون إلى حال هذا الرجل وغلوه وجهله وضلاله واتباعه لهواه وعجبه بنفسه، فكيف يسوغ أن يولى الحكم على بشر ويكون بيده زمام بعض الأمور؟
ما أنت بالحكم الترضي حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
اللهم إنا نشكو إليك ما أصبح اليوم عليه العالم الإسلامي من البلاء المبين، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها واستفتاء من غوى وضل عن سبيلك، وحيث أن هذا المبطل قد أفرد فصلًا من كتابه في الكلام على (جلاء العينين) ومصنفه أخرنا تمام البحث إلى أن نتكلم على ذلك الفصل إن شاء الله تعالى
قال النبهاني بعد كلام له على الجهة وتكفير القائل بها: ولما كانت كتبه-
[ ١ / ٥٦٥ ]
يعني ابن تيمية- قد طبعت ونشرت وكان فيها مسائل في العقائد مخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية، كان من اللازم على أكابر العلماء في هذا العصر أن يتصدوا لبيان تلك المسائل التي وقع فيها مخالفة أهل السنة، والتنبيه عليها ليحذرها الناس خوفًا عليهم من تشويش عقائدهم، ولما كان من أهم تلك اله سائل القول باعتقاد الجهة وهو كما ترى- وإن تستر بعض الحنابلة بنفيه عنه وعدم اعتقاده إياه- فهو مصرح باعتقاده. ثم قال: فقد رأيت أن أجمع رسالة أنقل فيها أقوال أكابر علماء المذاهب في استحالة الجهة على الله، قال: فجمعتها على هذا الوجه وسميتها (رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله) ثم ذكر الرسالة بحذافيرها وركة عباراتها، وزعم أن ما فيها اعتقاد جمهور علماء الأمة وأوليائها وأتباع المذاهب الأربعة وجميع الصوفية، وهم صفوة الصفوة من هذه الأمة، وخلاصة الخلاصة من أهل الملة، وخاصة الخاصة من المتبعين للكتاب والسنة، قال: فقد اتفق جمهورهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم في جميع الأعصار والأقطار، وفي كل القرى والبوادي والأمصار: على أن الله تعالى منزه عن الجهات، ونقل بزعمه ما يؤيد كلامه عن الغزالي والسيد مرتضى الزبيدي والفخر الرازي وشمس الدين محمد بن اللبان الشافعي واليافعي وابن حجر المكي وأمثال هؤلاء، ثم ختم رسالته بقصيدة زعم أنه قارض بها القصيدتين في الرد على أبيات السبكي، هذا حاصل ما تكلم به في هذا الباب وأتى بما قدر عليه.
أقول في الجواب عن كلام النبهاني- هذا ومنه سبحانه التوفيق-: إن مسألة العلو والاستواء والنزول من غوامض المسائل، والنزاع فيها قديمًا وحديثًا من المشهور بين العلماء، وقد ألف فيها كتب مفصلة وفرغ أهل العلم منها نفيًا وإثباتًا، ومن المعلوم لدى كل منصف أن النبهاني ليس من رجال هذا الميدان، ولا ممن يعد في زمرة ذوي العرفان، ولا ممن له نصيب في فن من الفنون، ولا ممن يلتفت إليه في باب الجرح والتعديل ولا تنظر إليه العيون، بل هو الحريّ بقول القائل:
أقول لمحرز لما التقينا تنكب لا يقطرك الزحام
[ ١ / ٥٦٦ ]
وقد رأيت في طبقات ابن السبكي رسالة أخرى أشبه شيء بهذيان النبهاني، نسبها ابن السبكي للشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيي بن إسماعيل الكلابي الحلبي، وحيث كانت في الرد على ابن تيمية أدرجها ابن السبكي في ترجمة مؤلفها بتمامها ظنًا منه أنها تروي غليله وتشفي عليله، وما دراها أنها سراب يحسبه الظمآن أعذب شراب، وهي نحو اثنين وثلاثين صحيفة قد اشتملت على كل سخيفة.
وبناء على تعرض هؤلاء الغلاة لهذه المسألة وجب التصدي لرد إفكهم ورفع شركهم ببيان ما يعارضهم من النصوص، وما يناقضهم من البناء المرصوص، فنقول: إن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب مما لا يحصيها أولو الألباب، منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ١ وفي تفسير "روح المعاني" بعد أن ذكر كلام المؤولين: أن الداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة، والله تعالى منزه عنها، لأنها محدثة بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم أيضًا من كونه ﷾ في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف إثبات الفوقية لله تعالى كما نص عليه الإمام الطحاوي وغيره، واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل، وقد روى الإمام أحمد في حديث الأوعال٢ عن العباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق ذلك كله". وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده قوله ﷺ للرجل الذي استشفع بالله تعالى عليه: "ويحك أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته - وقال بأصابعه مثل القبة- وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب"٣. ومن حديث صحيح أن النبي ﷺ قال لسعد يوم حكم في بني قريظة: "لقد حكمت
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٨. ٢ تقدم أنه حديث ضعيف. ٣ أخرجه أبو داود (٤٧٢٦) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠١٧) .
[ ١ / ٥٦٧ ]
فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات"١. وفي حديث آخر قال: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رؤوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم. ثم قرأ رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٢. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه"٣.
وأنشد عبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ أبياته التي عرض بها عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته:
شهدتُ بأن وعدَ الله حقٌّ وأن النارَ مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
فأقره ﵊ على ما قال وضحك منه٤.
وكذا أنشد حسان بن ثابت ﵁ قوله:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن الذي عادى اليهود ابن مريم رسول أتى من عند ذي العرش مرسل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيهم ويعدل
فقال النبي ﷺ: "وأنا أشهد"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٠٤٣) ومسلم (١٧٦٨) . ٢ سورة يس: ٥٨. ٣ أخرجه ابن ماجه (١٨٤) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" (٣٣) . ٤ القصة ضعيفة لا تثبت، فصّل الكلام عليها العلامة المحقق مشهور بن- حسن آل سلمان- وفقه الله- في الجزء الثاني من "قصص لا تثبت" (ص ٢١- وما بعدها) . ٥ أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨/ ٩٥/ ٦٠٦٨) وابن قدامة في "صفة العلو" (رقم: ٣٧، ٦٨) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ١٢٩- ط. دار الفكر) والذهبي في "العرش" (٢/ ٥٨- ٥٩/ ٥٣) وفي "العلو" (١/ رقم: ٦٩، ٧٣) وذكره في "السير" (٢/ ٥١٨- ٥١٩) وذكره المزي في "تهذيب الكمال" (٦/٢١) وابن القيم في "اجتماع الجيوش" (ص ١١٧، ٣٠٧، ط. الرشد) وابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (ص ٢٨٢- ط. المكتب الإسلامي) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/٢٤) وقال: "رواه أبو يعلى، وهو مرسل". وقال الذهبي في "العرش،: "وأخبرنا بإسناد صحح ثابت..، وقال في "العلو": "مرسل". قلت: الإسناد إلى حبيب بن أبي ثابت صحيح؛ لكن حبيبًا لم يدرك أحدًا من الصحابة، وهو كان يدلس. فالإسناد مرسل. وقال العلامة الألباني في تحقيقه على "شرح الطحاوية": "ضعيف، رواه ابن سعد في "الطبقات" بسند ضعيف ومنقطع".
[ ١ / ٥٦٨ ]
وعن ابن عباس في قوله تعالى- حكاية عن إبليس-: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ١ أنه قال: لم يستطع أن يقول: "ومن فوقهم" لأنه قد علم أن الله تعالى من فوقهم٢.
والآيات والأخبار التي فيها التصريح بما يدل على الفوقية- كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٣ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٤ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٥ و﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٦. وقوله ﷺ فيما رواه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٧. ٢ أثر ضعيف. أخرجه إسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (١٢/ رقم: ٣٠١١- ط. العاصمة) و"إتحاف الخيرة المهرة" (١/ ١٨٦/ ٢٣٢- ط. دار الوطن) و"اجتماع الجيوش الإسلامية"، لابن القيم (ص ١٢٤) وابن قدامة في "العلو" (رقم ٧٨) وعلقه الذهبي في "العلو" (٢/٨٢٥/ ٢٦٢) . من طريق: إسحاق بن راهويه؛ عن إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف لأجل إبراهيم بن الحكم؛ فهو "ضعيف". وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٤١/ ١٤٣٨٢) من طريق: حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان به. وإسناده ضعيف لأجل حفص بن عمر "مجمع على ضعفه". ٣ سورة الزمر: ١. ٤ سورة فاطر: ١٠. ٥ سورة النساء: ١٥٨. ٦ سورة المعارج: ٤.
[ ١ / ٥٦٩ ]
مسلم١ "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" كثيرة جدًا، وكذا كلام السلف في ذلك، فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) يسنده إلى أبي مطيع البلخي، أنه سأل أبا حنيفة ﵁ عمن قال لا أعرف ربي سبحانه في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر، لأن الله تعالى يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وعرشه فوق سبع سموات، فقال: قلت فإن قال إنه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أم في الأرض فقال ﵁: هو كافر، لأنه أنكر آية في السماء ومن أنكر آية في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله تعالى في أعلى عليين فهو يدعى من أعلى لا من أسفل"٣ انتهى.
وأيد القول بالفوقية أيضًا بأن الله لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجًا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفًا بضد ذلك، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق، والقول بأنا لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بأنه سبحانه لو لم يكن قابلآ للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه ﷻ ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيًا فقط بل وجوده خارج الأذهان قطعًا؛ فقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح، وإذا كان صفة
_________________
(١) ١ برقم (٢٧١٣) . ٢ سورة طه: ٥. ٣ الخبر في "العلو" للذهبي (٢/ ٩٣٥/ ٣٣٢) و"الفقه الأكبر" رواية أبي مطيع البلخي (ص ٤٠، ٤٤) و"شرحه" للقاري (ص ١٧١) و"مجموع الفتاوى" (٥/ ١٨٣) و"درء التعارض" (٦/ ٢٦٣) و"الفتوى الحموية" (ص ٢٥٦) و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ١٣٩) و"شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢٨٨) وغيرها كثير.
[ ١ / ٥٧٠ ]
الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها غير الباطل، لاسيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟! قال: فلطم الإمام على رأسه ونزل- وأظنه قال وبكى- وقال: حيرني الهمداني١.
وبعضهم تكلف الجواب عن هذا بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو أيضًا منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض، ولا يخفى أن هذا باطل، أما أولًا: فلأن كون السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أنزل الله تعالى به من سلطان، والذي صح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فقد صرحوا بأنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وقد استقبل النبي ﷺ الكعبة في دعائه جماعة المسلمين.
وأما ثانيًا: فلأن القبلة ما يستقبله الداعي بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة، وما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه مثلًا لا يسمى قبلة أصلًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، ولم يثبت ذلك في شرع أصلًا.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما
_________________
(١) ١ الخبر في: "الفتاوى" (٤/ ٦١) وفي "الاستقامة" (١/ ١٦٧) و"العلو" للذهبي (٢/ ١٣٤٧/ ٥٣٨) و"السير" (١٨/ ٤٧٧) و"الطبقات" للسبكي (٥/١٩٠) و"اجتماع الجيوش " (ص ٢٧٥) . وقال الشيخ الألباني في "مختصر العلو" (٢٧٧/٣٠٨): "وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ".
[ ١ / ٥٧١ ]
قصده الخضوع لمن فوقه بالذل لا أن يميل إليه إذ هو تحته، بك هذا لا يخطر في قلب ساجد، نعم سُمِعَ عن بشر المريسي أنه يقول: سبحان ربي الأسفل!! تعالى عما يقول الجاحدون والظالمون علوًا كبيرًا.
وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير وأفضل، كما يقال الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء: الله تعالى خير من عباده أو خير من عرشه من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوء من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار ونحو ذلك، وليس في ذلك أيضًا تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل هو من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه؟ وهو الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، على أن في ذلك تنقيصًا لله تعالى شأنه، ففي المثل السائر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف خير من العصا
نعم إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجًا على مبطل كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٣ فهو أمر لا اعتراض عليه، ولا توجه سهام الطعن إليه.
والفوقية بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضًا، وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٣٩. ٢ سورة النحل: ٥٩. ٣ سورة طه: ٧٣.
[ ١ / ٥٧٢ ]
﷾، منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، لئلا يثبتوا معنى فاسدًا أو ينفوا معنى صحيحًا، فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه.
وأما لفظ الجهة؛ فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقًا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى عن ذلك.
وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس لعناك إلا الله تعالى وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعنى ذلك أنه. فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه سبحانه كان قبل الجهات، وأنه من قال إنه تعالى في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، وأنه جل شأنه كان مستغنيًا عن الجهة ثم صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها تنزل على أنه عز اسمه ليمس في شيء من المخلوقات سواء سمي جهة أم لم يسم وهو كلام حق، ولكن الجهة ليست أمرًا وجوديًا بل هي أمر اعتباري ولا محذور في ذلك.
وبالجملة؛ يجب تنزيه الله تعالى من مشابهة المخلوقين، وتفويض علم ما جاء به من المتشابهات إليه عز شأنه، والإيمان بها على الوجه الذي جاءت عليه، والتأويل القريب إلى الذهن الشائع نظيره في كلام العرب مما لا بأس به عندي، على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف، والله أعلم بمراده. انتهى ما ذكر في "روح المعاني" وهو مما يزهق روح النبهاني، ويرد التأويل الذي تلعق به الشيخ أحمد الحلبي الكلابي.
وتفصيل الكلام في هذا المقام يطلب من كتب شيخ الإسلام وتلامذته، فإنهم أحسن من صنف في هذه المسائل، وفيها يجد المنشد ضالته، وقد ألف
[ ١ / ٥٧٣ ]
الشيخ الحافظ أبو بكر الشهير بابن القيم كتابه (غزو الجيوش الإسلامية في الرد على الجهمية) وكتابه (الصواعق المرسلة على الدهرية والمعطلة) في هذه المطالب العالية، وبسط كلامه فيها كل البسط كما هو شأن كرمهم وجودهم في سخاء نفوسهم ببذل كنوز العلم طيب الله تعالى ثراهم.
وقد تكلم ابن القيم في "غزو الجيوش الإسلامية" على مسألة العلو، فذكر أولًا مما ورد من النصوص في الكتاب والسنة وبين معانيها على أتم وجه، ثم ذكر فصلًا فيما حفظ عن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يمكن هنا استيفاء ما ذكروه كله بل نقتصر على ذكر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى١:
(قول الإمام أبي حنيفة قدس الله روحه) قال البيهقي٢: حدثنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال حدثنا أبو حيان: أن أحمد بن جعفر بن نصر قال: حدثنا يحيي بن يعلى، سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعتُ نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمِذ كانت تجالس جهمًا فدخلت الكوفة، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة فَأْتِيه، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: أن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى ﴿َهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٣ قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب.
قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله تعالى وتقدس من الكون في الأرض وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في
_________________
(١) ١ "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ١٣٧- وما بعدها) . ٢ "الأسماء والصفات" (٢/٣٣٧- ٣٣٨/ ٩٠٥) . وقال محققه (عبد الله الحاشدي- ردّه الله للحق): إسناده ضعيف جدًا. ٣ سورة الحديد: ٤.
[ ١ / ٥٧٤ ]
قوله الله ﷿: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام: وفي كتاب "الفقه الأكبر" المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رواه- بإسناد عن أبي مطيع البلخي- الحكم بن عبد الله، قال سألت أبا حنيفة عن "الفقه الأكبر" قال: لا تكفر أحدًا بذنب، ولا تنفي أحدًا من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا توال أحدًا دون أحد، وإن ترد أمر عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما إلى الله تعالى.
قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه ﷿ خير من أن يجمع العلم الكثير، قال أبو مطيع: قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه، قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة، وذكر مسائل في الإيمان، ثم ذكر مسائل في القدر، ثم قال: فقلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك ناس فيخرج عن الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ فقال: كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام، وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة: ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وعرشه فوق سبع سموات، قلت: فإن قال إنه على العرش ومنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرت ربي شي السماء أو في
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٤٤. ٢ سورة طه: ٥.
[ ١ / ٥٧٥ ]
الأرض، قال: كفر لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات، قال فإنه يقول على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. روى هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) بإسناده.
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة ﵀ عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله الرحمن على العرش استوىا بتن في أن الله ﷿ فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله فوق العرش، ثم أردف بذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال لأنه أنكر أن يكون في السماء وأن الله في أعلى عليين، وأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل، واحتج بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله ﷿ في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبد الله الرازي، كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه. فقال: أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن في خلقه. قال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث.
(قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى) ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد) ١ بسنده، قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه
_________________
(١) ١ "التمهيد" (٧/١٣٨) .
[ ١ / ٥٧٦ ]
في كل مكان لا يخلو منه مكان. قال: وقيل لمالك: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال رحمه الله تعالى: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤال عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.
(وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده) قال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب (سير الفقهاء) - وهو كتاب جليل غزير العلم- بسنده: كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون: الله هو الدهر، وكانوا يكرهون قول الرجل رغم أنفي لله، وإنما يرغم أنف الكافر، وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان أو أن الله بكل مكان، قال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. وأصبغ من أجل أصحاب مالك وأفقههم.
(ذكر قول أبي عمرو الطلمنكي) قال في كتابه في الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضًا: أجمع أهل السنة على أن الله استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. ثم ساق سنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان. ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستقر على عرشه كيف شاء، وهذه القصة في كتابه.
(قول الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر) إمام السنة في زمانه رحمه الله تعالى، قال في كتاب (التمهيد) في شرح الحديث الثامن لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤.
[ ١ / ٥٧٧ ]
في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٤ وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ ٦. وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٨ وهذا من العلو، وكذلك قوله تعالى: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٩ و﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ١٠ و﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْش﴾ ١ ١ و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١٢ والجهمي يقول إنه أسفل، وقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١ ٣ وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ١٤ وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ ١٥ وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ١٦ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥. ٢ سورة السجدة: ٤. ٣ سورة فصلت: ١١. ٤ سورة الإسراء: ٤٢. ٥ سورة فاطر: ١٨. ٦ سورة الأعراف: ١٤٣. ٧ سورة الملك: ١٦. ٨ سورة الأعلى: ١. ٩ سورة البقرة: ٢٥٥. ١٠ سورة الرعد: ٩. ١١ سورة غافر: ١٥. ١٢ سورة النحل: ٥٠. ١٣ سورة آل عمران: ٥٥. ١٤ سورة النساء: ١٥٨. ١٥ سورة فصلت: ٣٨. ١٦ سورة السجدة: ٥.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١ والعروج هو الصعود. وأما قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٢ فمعناه من على السماء، يعني على العرش، وقد تكون في بمعنى على، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ٣ أي على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٤ وهذا كله يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٥ وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة.
وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل (استوى) استولى فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله تعالى لا يغالبه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله على الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، ولو ساغ ادعاء الممجاز لكل مبتدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح "عناه عند السامعين.
والاستواء معلوم وفي اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: استقر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ٦ انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: الاستواء
_________________
(١) ١ سورة المعارج: ٢- ٤. ٢ سورة الملك: ١٦. ٣ سورة التوبة: ٢. ٤ سورة طه: ٧١. ٥ سورة المعارج: ٤. ٦ سورة القصص: ١٤.
[ ١ / ٥٧٩ ]
الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٣.
قال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شميل- وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة- قال: حدثني الخليل- وحسبك بالخليل- قال أتيت أبا ربيعة الأعرابي- وكان من أعلم ما رأيت- فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال أعرابي إلى جانبه إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ٤ فصعدنا إليه.
قال: وأما من نازع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس ﵃ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان.
فالجواب: أن هذا حديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا؟ أما سمعوا الله سبحانه يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ *
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١٣. ٢ سورة هود: ٤٤. ٣ سورة المؤمنون: ٢٨. ٤ سورة فصلت: ١١.
[ ١ / ٥٨٠ ]
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ١.
وقال الشاعر:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ ٢ وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٤. وزعموا أن الله ﷾ في كل مكان بنفسه وذاته﵎ جده-.
قيل: لا خلاف بيننا وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود لأهل السماء، وفي الأرض إله معبود لأهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر هذا التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر. وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وفي الأرض له﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض وأهل السماء، فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السموات ألسبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله
_________________
(١) ١ سورة غافر: ٣٦- ٣٧. ٢ سورة الزخرف: ٨٤. ٣ سورة الأنعام: ٣. ٤ سورة المجادلة: ٧.
[ ١ / ٥٨١ ]
ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاجوا فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطراري لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنظره عليهم مسلم.
وقد قال النبي ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها النبي ﷺ بأن قال لها: "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" ١. فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه.
قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان.
وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وذكر سنيد عن مقاتل بن حبان عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ٢ قال: هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا٣.
قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله، قال سنيد بسنده إلى ابن مسعود، قال: الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ثم ساق من طريق يزيد من هارون عن ابن مسعود ﵁ قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٥٣٧) وغيره. وهو حديث صحيح خرّجه جمع كبير من أئمة الحديث وحفّاظهم من طرق صحيحة كالشمس في واضحة النهار، ولكن أهل البدع لا يعقلون، فيعلّون الحديث تارة بالاضطراب! وتارة بالشذوذ!! ولا اضطراب إلا في عقولهم، ولا شذوذ إلا في أفكارهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا به. ٢ سورة المجادلة:٧. ٣ أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/١٣٩) وعبد الله بن أحمد في "السنة" (١/٣٠٤/٥٩٢) والذهبي في "العلو" (٢/٩١٨/٣٢٦) – معلقًا – وابن بطة في "الإبانة" (رقم:١٠٩) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/٣٤١/٩٠٩) وغيرهم؛ بإسناد حسن.
[ ١ / ٥٨٢ ]
لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيًا والملك صفًا صفًا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأنه يرضى، ويحب التوّابين، ويسقط على من كفر به، ويغضب ولا يقوم شيء لغضبه، وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن لله سبحانه كرسيًا، كما قال ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ٢ كما جاءت به الأحاديث: أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء. وقال مجاهد: كانوا يقولون ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض. وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم لا يضامون في رؤيته، كما قال ﷿ في كتابه وعلى لسان رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣ وقال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٤ هو النظر إلى وجهه الكريم٥. وأنه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم واسطة ولا ترجمان، وأن الجنة والنار داران قد خلقتا؛ أعدت الجنة للمؤمنين المتقين، والنار للكافرين الجاحدين، ولا يفنيان، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكل ذلك قد قدره ربنا ﷾ وأحصاه وعلمه، وأن مقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، تفضل على من أطاع فوفقه وحبب الإيمان إليه وزينه في قلبه فيسره، وشرح له صدره ونور قلبه فهداه، ومن يهدي الله فما له من مضل، وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره فحجبه وأضله، ومن يضلل الله فلن تجد له وليًا مرشدًا، وكل ينتهي إلى سابق علمه لا تخصيص لأحد عنه.
وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد ذلك بالطاعة وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول
_________________
(١) ١ سورة ص: ٧٥. ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ سورة القيامة: ٢٢- ٢٣. ٤ سورة يونس: ٢٦. ٥ انظر "صحيح مسلم" (١٦٣) بنحوه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة.
وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرًا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٤ وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله تعالى متى شاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٥.
إن الخلق ميتون بآجالهم، فأرواح أهل السعادة باقية منعمة إلى يوم القيامة، وأرواح أهل الشقاء في سجين معذبة إلى يوم القيامة، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن عذاب القبر حق، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسألون، ويثبت الله منطق من أحب تثبيته، وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون، حفاة عراة غرلًا، وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم، وينصب الموازيبن لوزن أعمال العباد، فأفلح من ثقلت موازينه، وخاب وخسر من خفت موازينه، ويؤتون صحائفهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله فسوف يدعو تبورًا ويصلى سعيرًا، وأن الصراط
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٥. ٢ سورة النساء: ٤٨. ٣ سورة الإنفطار: ١٠- ١١. ٤ سورة ق: ١٨. ٥ سورة السجدة: ١١.
[ ١ / ٥٨٥ ]
جسر مورود يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون. وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان، وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، ويخرج بشفاعة رسول الله ﷺ قوم من النار من أمته بعد أن صاروا فحمًا، يطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من غير وبدل. والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي ﷺ على ما صحت به الروايات، وأنه ﷺ رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇ حكمًا عدلًا وقتله الدجال، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الروايات.
ونصدق بما جاءنا عن الله في كتابه وثبت عن رسوله ﷺ وأخباره، فوجب العمل بمحكمه، ونؤمن بمشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله تعالى، والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وبكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره، كل من عند ربنا. وقال بعض الناس: الراسخون في العلم يعلمون مشكله، ولكن الأول قول أهل المدينة وعليه يدل الكتاب.
وإن أفضل القرون قرن الصحابة ﵃، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال النبي ﷺ. وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، وقيل ثم عثمان وعلي، ويكف عن التفضيل بينهما، روي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدًا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، فرأى الكف عنهما، وروي عنه القول الأول وهو قول أهل الحديث، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين ومن الأنصار ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة، وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو مرة فهو بذلك أفضل من التابعين. والكف عن أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يذكرون به، وهم أحق أن ننشر ذكر محاسنهم، ونلتمس لهم أفضل مخارجهم، ونظن بهم أحسن المذاهب، قال
[ ١ / ٥٨٦ ]
النبي ﷺ: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ١ وقال ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا"٢ قال أهل العلم لا يذكرون إلا بأحسن ذكر. والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضى أو عن غلبة أو شدة، وطاعته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ونغزو معه العدو، ونحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها، ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين- قاله غير واحد من العلماء- وقال مالك: لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي خلفه- واختلف في الإعادة- ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من أهل المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك، والتسليم للمسلمين لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعاتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله ومنه من مذهبه، قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور سننًا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله تعالى، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها هدي، ومن استنصر بها نصر، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا٣. قال مالك:
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه بلفظ: "لا تسبوا أصحابي..". ٢ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ رقم: ١٠٤٤٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/١٠٨) رفي "الإمامة والرد على الرافضة" (رقم: ١٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود. وهو حديث صحيح بالشواهد؛ انظر: "الصحيحة" رقم (٣٤) . ٣ الخبر أخرجه: الآجري في "الشريعة" (١/١٧٤، ٢٠٠/ ٩٨، ١٤٦- ط. الوليد سيف النصر) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٦) واللالكاني في "شرح أصول الاعتقاد" (١/٩٤/١٣٤) وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ٢٣٠، ٢٣١) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/١١٧٦/ ٢٣٢٦) والخلال في "السنة" (٤/١٢٧/١٣٢٩) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/٤٣٥-٤٣٦/٤٥٥) وفي "شرف أصحاب الحديث" (رقم:٥٠) . وهو أثر صحيح. وذكره كل من: الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١/١٠٩) والشاطبي في "الاعتصام" (١/١٤٤- ط. الشيخ مشهور) والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" (١/١٧٢) وغيرهم كثير.
[ ١ / ٥٨٧ ]
أعجبني عزم عمر ﵁ في ذلك، ما أصلبه في السنة وأقومه بها.
(قول الإمام أبي بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد ومن المشهورين بالفقه والسنة رحمه الله تعالى) قال في شرحه للرسالة: ومعنى فوق وعلى واحد بين جميع العرب في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، تصديق ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وقال تعالى في وصف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤ ونحو ذلك كثير، وقال الرسول ﷺ للأعجمية: "أين الله " فأشارت إلى السماء. ووصف النبي ﷺ أنه عرج به من الأرض إلى السماء ثم من سماء إلى سماء إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ما فوقها، حتى لقد قال: "سمعت صريف الأقلام". ولما فرضت الصلاة جعل كلما هبط من مكانه تلقاه موسى ﵇ في بعض السماوات وأمره بسؤال التخفيف عن أمته، فرجع صاعدًا مرتفعًا إلى الله ﷾ يسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات، وسنذكره إن شاء الله تعالى عن قريب.
(قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي رحمه الله تعالى)
قال في الجزء الأول من كتاب (الاهتداء لأهل الحق والاقتداء) من تصنيفه من شرح الملخص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى عن مالك بن شهاب عن
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ٥٩. ٢ سورة طه: ٥. ٣ سورة النحل: ٥٠. ٤ سورة فاطر: ١٠.
[ ١ / ٥٨٨ ]
عبد الله الأغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا- حين يبقى ثلث الليل الآخر- فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفر فأغفر له؟ ".
في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سموات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم، ودليل قولهم أيضًا من القرآن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٢ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤. وقوله لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٥ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ٦. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٧ والعروج هو الصعود، قال مالك ابن أنس رحمه الله تعالى: الله ﷿ في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان. يريد والله أعلم بقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٨ وكما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٩ أي: من على السماء يعني على العرش، وكما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ١٠ أي: على الأرض. وقيل لمالك ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال مالك ﵀
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٤. ٢ سورة الإسراء: ٤٢. ٣ سورة السجدة: ٥. ٤ سورة المعارج: ٤. ٥ سورة آل عمران: ٥٥. ٦ سورة المعارج: ٢- ٣. ٧ سورة المعارج: ٤. ٨ سورة طه: ٧١. ٩ سورة الملك: ١٦. ١٠ سورة التوبة: ٢.
[ ١ / ٥٨٩ ]
لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.
قال أبو حنيفة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ أي علا. قال: ويقول العرب استويت فوق الدابة أو فوف البيت.
وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وإن استوى بمعنى استولى، لأن الاستيلاء في اللغة المغالبة وأنه لا يغالبه أحد، وإن من حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا ﷾ إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله تعالى إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة وهو العلو والارتفاع والتمكن.
ومن الحجة أيضًا في أن الله ﷾ على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين إذا كرهبم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم، وقوله ﷺ للأمة التي أراد مولاها أن يعتقها: "أين الله "؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فاكتفاء رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء دل على ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السموات السبع، ودليل قولنا أيضًا قول أمية ابن أبي الصلت في وصف الملائكة ﵈:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥.
[ ١ / ٥٩٠ ]
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ١ فدل على أن موسى ﵇ كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبًا.
فإن احتج أحد علينا فيما قدمناه وقال له كان كذلك لأشبه المخلوقات لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق؛ فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، ثم يكون بعدها، لا إله إلا هو خالق كل شيء لا شريك له، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان ما وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم فكيف يقاس على شيء من خلقه أو يجري بينهم وبينه تمثيل أو تشبيه؟! تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا تعالى أنه كان في الأزل لا في مكان ثم خلق الأماكن فصار في مكان؛ ففي ذلك إقرار منافيه بالتغيير والانتقال إذا زالت عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان ثم صار في كل مكان فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان فقد تغير عندك معبودك وانتقل من لا مكان إلى كل مكان.
فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان وكما هو الآن؛ فقد وجب الأماكن والأشياء معه في أزليته وهذا فاسد.
فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من مكان في الأزل إلى مكان؟
قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نقلته توجب مكانًا وليس في ذلك كالخلق، لأن كونه يوجب مكانًا من الخلق ونقلته لا توجب مكانًا ويصير منتقلًا من مكان إلى
_________________
(١) ١ سورة غافر: ٣٦- ٣٧.
[ ١ / ٥٩١ ]
مكان، والله تعالى ليس كذلك، ولكن نقول استوى من لا مكان إلى مكان، ولا نقول انتقل وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، كما نقول له عرش ولا نقول له سرير، ونقول هو الحكيم ولا نقول هو العاقل، ونقول خليل إبراهيم ولا نقول صديق إبراهيم ﵇ وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه على ما تقدم، ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١ وليس مجيئه حركة ولا زوالًا ولا ابتدالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا انتقالًا، ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانًا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو وجود نازل به لا مجيء؛ لبان ذلك وبالله العصمة والتوفيق.
فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالكيف.
قيل له: قد يكون الاستواء واجبًا والتكييف مرتفعًا، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل ولا يكون كائنًا في الإمكان ولا مقرونًا بالتكييف.
فإن قال: إنه كان ولا مكان وهو غير مقرون بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه، وقد روى عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله؛ أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماء والأرض؟ قال: "كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء" ٢. قال أبو القاسم: العماء؛ ممدود وهو السحاب، والعمى مقصور وهو الظلمة، وقد زوي الحديث بالمد والقصر، فمن رواه بالمد فهو عنده
_________________
(١) ١ سورة الفجر: ٢٢. ٢ حديث ضعيف. أخرجه أحمد (٤/١١) والترمذي (٣١٠٩) وابن ماجه (١٨٢) وغيرهم، وضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" (٦٠٢) .
[ ١ / ٥٩٢ ]
"كان في عَمَاء سحاب ما تحته هواء وما فوقه هواء" والهاء راجعة إلى العماء، ومن رواه بالقصر فمعناه عنده: كان في عمى عن خلقه، لأنه من عمى عن الشيء فقد أظلم عنه.
وعن مجاهد قال: إن بين العرش وبين الملائكة لسبعين حجابًا من نور وحجابًا من ظلمة. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى على العرش، ويعلم أعمالكم. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضًا: إنه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قال أبو القاسم: يريد فوق العرش، لأن العرش آخر المخلوقات ليس فوقه مخلوق، والله تعالى أعلى المخلوقات دون تكييف ولا مماسة، ولا أعلم في هذا الباب حدثًا مرفوعًا إلا حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ نظر إلى سحابة فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن؟ " قالوا: والمزن، قال: "والعنان؟ " قالوا: والعنان، قال: "كم ترون بينكم وبين السماء؟ " قالوا: لا ندري، قال: " بينكم وبينها إما واحد أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة، والسماء فوقها كذلك بينهما مثل ذلك حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك"١. هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود.
(قول الإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى المالكي المشهور بابن أبي زمنين رحمه الله تعالى) قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة: (باب الإيمان بالعرش): ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٤٧٢٣) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠١٤) وقد تقدم.
[ ١ / ٥٩٣ ]
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ١ وذكر حديث أبي رزين العقيلي (قلت: يا رسول الله؛ أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء". ثم ذكر الآثار في ذلك، إلى أن قال: (باب الإيمان بالحجب) . قال: ومن قول أهل السنة أن الله تعالى بائن من خلقه محتجب عنهم بالحجب؛ إلى أن قال: (باب الإيمان بالنزول) قال: ومن قول أهل السنة إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وذكر حديث النزول، ثم قال: وهذا الحديث يبين أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضًا بيّن في كتاب الله تعالى وتقدس في غير ما حديث عن رسول الله ﷺ، قال الله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وساق الآيات في العلو، وذكر من طريق مالك قول النبي ﷺ "أين الله؟ " ثم قال: والحديث في مثل هذا كثير.
(قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق ومن كبار أهل السنة رحمه الله تعالى) صرح بأن الله استوى على عرشه بذاته، نقله شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى وقدس روحه- في غير موضع من كتبه، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى.
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤. ٢ سورة السجدة: ٥.
[ ١ / ٥٩٤ ]