هو من قوم كرام، وأماجد أعلام، ينتهي نسبه إلى سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، ونسبه معلوم مشهور، وفي كتب الأنساب مذكور، وهؤلاء القوم كما قال قائلهم فيهم:
بنو فاروق تيجان المفارق وأعيان المغارب والمشارق
فكم من برجهم طلعت بدور وكم من أفقهم قد ذر شارق
وكم من عيلم في العلم منهم يطم إذا طمى شم الشواهق
مآثرهم نجوم سما معال لها عقدوا ميازرهم مناطق
فلو مدوا إلى العيون باعا لجاوزه وليس هناك عائق
محابرهم بحور زاخرات سل الأقلام عنها والمهارق
_________________
(١) ١ انظر "الأعلام" (١/ ١٦٩) و"معجم المؤلفين" (١/ ١٩٤) .
[ ٢ / ٦٤ ]
فما هم والمعالي منذ كانوا وكانت غير معشوق وعاشق
وهم فحوى حقيقة كل شيء وهم عنوان ديوان الحقائق
وهم خلعوا على أم المعالي وهم في المهد من مجد قراطق
وهم سنوا المعالي بالعوالي وبيض الهند والخيل السوابق
وهم من تعرف البطحا أباهم وتعرف جدهم للحق فارق
وهم من مهدوا للدين طرقًا يداس بها على قمم الطرائق
وهم أسد لهم يعلو زئير إذا هدرت بيوم وعي شقاشق
وإن خفقت لهم رايات بطش فؤاد الخافقين تراه خافق
تحدثهم فراستهم بما قد طواه بين جنبيه المنافق
هل، ومن قائل يومًا سواهم ليوم تفاخر في المجد لائق
يسوقون الكماة إلى المنايا وليس لهم سوى الإقدام سائق
قال المترجم ﵀ في كتابه "العقود الجوهرية" بعد أن ذكر نسبه من الأبوين: "وأما ولادتي فكانت في الموصل أواخر سنة أربع وأربعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية، قال: ولما بلغت من العمر أربع سنين ابتدأت بقراءة القرآن الكريم، وختمته سنة سبع من عمري، وحفظت طرفًا منه، ورويت قراءة حفص على أستاذي في النحو الملا عبد الرزاق الجبوري، وفي سنة أربع وخمسين طلبني عمي الشهير بالفضل، عبد الباقي الفاروقي، وكان إذ ذاك ساكنًا بغداد، وبقيتُ عنده نحو ستة أشهر، وقد أكملت "شرح الألفية" للسيوطي على الشيخ أسعد أفندي الموصلي المدرس في مدرسة جامع الآصفية، ثم عدت إلى الموصل فقرأت أصول الفقه وعلم الحساب، وطرفًا من علم الوضع على العالم الفاضل الشيخ عبد الرحمن الكلاك، وجمعت الجمع الصغير والجمع الكبير في القراآت السبع على ولده الشيخ عبد اللطيف، وقرأت بعض المتون المنطقية على العابد الزاهد والعالم الفاضل الشيخ محمد أمين بن الملا عبيده، وقرأت علم البديع وطرفًا من علم المعاني والبيان على رئيس العلماء المشهود له بالعلم والورع الشيخ عبد الله الفاروقي قدس الله روحه، ثم إن غمي ﵀
[ ٢ / ٦٥ ]
طلبني سنة إحدى وستين ومائتين وألف من والدي مرة ثانية لأجل الإقامة عنده، فتوجهت إلى بغداد وكانت إذ ذاك غاصة بالفضلاء والعلماء والأدباء- فتخرجت عليه في فنون الشعر وعلم الأدب، وطرت بجناح فضله، واستسقيت من هطال وبله، وفي غضون ذلك قرأت- تبركًا- شرح الشمسية للقطب ابن عقيل، على خاتمة المفسرين وعلامة العلماء المحققين أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي، مفتي الزوراء، ومرجع الفضلاء- قدس الله روحه، وتغمده برحمته ورضوانه- وقرأت أيضًا كتاب "تشريح الأفلاك " على الفاضل الشيخ أحمد السندجي نزيل بغداد، وأتقنت اللغة الفارسية على ولده الفاضل الشيخ طه أفندي، ولم أزل عند العم في بغداد إلى السنة التاسعة والستين بعد المائتين والألف، وفيها دخلت مسلك خدمة الدولة العلية العثمانية، ولم أزل متقلبًا في البلاد بمناصب مختلفة، حتى أصعدني أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين١- السلطان عبد الحميد خان- إلى رتبة مير ميران، وها أنا اليوم في الآستانة ضيف حظيرته، ونزيل سدته، داعيًا له بالدوام، على مدى الأيام ". انتهى كلامه.
وقلت في كتاب "بدائع الإنشاء"- فيما كان من مكاتبتي مع مشاهير الأدباء، من كلام في ترجمة هذا الأديب الفاضل-: وفي شهر رمضان سنة عشر بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية: نعاه لنا الناعي من إسلامبول دار السلطنة العثمانية، وأن روحه الشريفة انتقلت إلى الجنان، ودار الرحمة والرضوان ٢، في أواسط ذلك الشهر مهبط الغفران، وأرخ وفاته بعض الأدباء بقوله من أبيات:
أدخلوه الجنان أحمد عزت فهناك لوت ساعد عزمي يد نيران اللهف
وفلَّ أركان صبري ماقا سيته من الأسى والأسف
ونفذ من قضاء الله تعالى فيه:، ما أمض قلبي، وأرضّ لبي، وقطع نياط
_________________
(١) ١ انظر عن هذا اللفظ "معجم المناهي اللفظية" (ص ٢٥٢) . ٢ هذا الكلام من المؤلف غير صحيح؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷿، ولا يجوز الحكم لمعين بالجنة أو النار إلا لمن شهد الله ورسوله له بذلك.
[ ٢ / ٦٦ ]
فؤادي، وطرد لذيذ رقادي، وأحدث لي حزنًا ملازمًا، وهمًا مداومًا، إلى أن قلت: وقد كان المشار إليه لا زالت سحب الرحمة والمغفرة منهلة عليه، رجال الدنيا، وواحدها، وعضدها وساعدها وسيدها وماجدها:
وما كان أبهى منه في الناس منظرًا ولا كان أذكى منه في الناس مخبرا
تفقدت منه وابل القطر ممطرًا وفارقت منه طلعة البدر نيرا
لئن غيبوه في التراب وأظلمت معالم كانت تفضح الصبح مسفرا
فما أغمدوا في الترب إلا مهندًا ولا حملوا في النعش الأغضنفرا
ثم ذكرت كلامًا طويلًا في الثناء علية وعقبته بقولي: وقد كان رحمه الله تعالى حسنة الزمان، وعين الأعيان، وركن الأدب العالي على الأركان، كمالاته كثيرة، وفضائله شهيرة، له ديوان شعر رائق ومقالات ثن النثر الفائق:
له الكلمات الجامعات تخالها نجومًا بآفاق البلاغة طلعا
وان كتبت أقلامه فحمائم تبث إلى السمع الكلام المسجعا
وكتب لدين الله أضحت مطالعا كما كانت الأفلاك للشمس مطلعا
إذا ضلت الأفهام عن فهم مشكل هدى وعليه في الحقيقة أطلعا
وإن قال قولًا فهو لا شك فاعل قؤول من الأمجاد إن قال أبدعا
كلام ترى لأقلام في الطرس سجدًا له وترى أهل الفصاحة ركعا
يحير أرباب الرجال كأنما أتانا بإعجاز من القول مصقعا
وكان عليه الرحمة حنفيّ المذهب، سلفيَّ العقيدة، أفعاله وأعماله كلها سديدة، وبقي كلام طويل، وثناء جميل، أعرضنا عن نقله، وتركناه لأهلة.
وممن قرظ الكتاب وأثنى عليه خاتمة بني الآداب، ومن أنقذ- برشاء تقريراته من جب العويصات- هلكى الطلاب، تذكرة الأصمعي وابن دريد، وسيبويه الثاني وأبو عبيد، المفتي في المذهب الحنفي في البصرة، أحمد بك الشاوي الشافعي الحميري تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، وذلك قوله دام فضله:
[ ٢ / ٦٧ ]
قل لقوم بزعمهم خطئوا الشيـ ـخ بلا حجة ولا برهان
واستدلوا بما رواه فلان عنه من غير صحة عن فلان
ثم قووا ورجحوا واهن القول بلا قوة ولا رجحان
غير ما قد تقولوه عليه شططًا من وساوس الشيطان
من أقاويل لم يكن أنزل الله بها ذو الجلال من سلطان
إن أردتم أن تعرفوا الحق حقًا مثلما ينبغي لذي عرفان
وتروا منهج الهدى مستنير الـ ـوجه كالشمس في وضوح البيان
فعليكم بما روى الثبت نعمان ن سمي ابن ثابت النعمان
الفقيه النبيه والعالم العا مل فيما به رضا الرحمن
والمجلي فيصل الحكم بالعدل دجى الاختلاف والامتحان
لو رأى الأحمدان ما قد رأينا منه سرا بما رأى الأحمدان
ولو أن الزمان صور شخصًا كان إنسان عين هذا الزمان
كم له من مؤلفات علوم آلفت بين نافرات معاني
أوقفتنا على مشاعر علم لم يكن حام حولها الشعراني
وحري إذا العلوم استخفت علمه أن يميل بالميزان
قد جلا من غياهب الشك عينًا بجلاء العينين للأذهان
يا له من مصنف فيه قرت عين أهل التوحيد والإيمان
دمغ الباطل المزخرف بالحق وأودى بالإفك والبهتان
وحوى من معنعنات أحاديـ ـث على شرط ما روى الشيخان
فهو إن عدت التصانيف أضحى مفردًا ماله إذا عدَّ ثان
فاجهدوا يا هداكم الله في أن تقتفوا أثره بدون توان
إنه ما علمتم خير هاد ودليل إلى بلوغ الأماني
[ ٢ / ٦٨ ]