قال: السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع، وأما من سافر إلى مسجد النبي ﷺ ليصلي فيه ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه ﵄ فمشروع باتفاق العلماء، وأما لو قصد إعمال المطي لزيارته ﷺ ولم يقصد الصلاة فهذا السفر إذا ذكر رجل فيه خلافًا للعلماء- وأن منهم من قال إنه منهي عنه، ومنهم من قال إنه مباح، وإنه على القولين ليس بطاعة ولا قربة، فمن جعله طاعة وقربة على مقتضى هذين القولين كان حرامًا بالإجماع وذكر حجة كل منهما، أو رجح أحد القولين- لم يلزمه ما يلزم من تنقص، إذ لا تنقص في ذلك ولا إزراء بالنبي ﷺ، وقد قال مالك لسائل سأله إذا نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" والله أعلم، كتبه أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي.
(وورد مع أجوبة أهل بغداد كتاب وفيه):
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومعز الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المليكة المالكية الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العز المقرون بالدوام، وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالي والأيام، والصلاة والسلام على النبي المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البررة الكرام.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
اللهم إن بابك لم يزل مفتوحًا للسائلين، ورفدك ما برح مبذولًا للوافدين، من عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحدًا سواك، ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ولم يحتم إلا بحماك، أنت الرب العظيم الكريم الأكرم، قصد باب غيرك على عبادك محرم، أنت الذي لا إله غيرك ولا معبود سواك، عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، لم تزل سنتك في خلقك جارية بامتحان أوليائك وأحبابك، فضلًا منك عليهم، وإحسانًا من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذكرًا، ولأنعمك في جميع التقلبات شكرًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ١ اللهم أنت العالم الذي لا يعلم، وأنت الكريم الذي لا يبخل، قد علمت يا عالم السر والعلانية أن قلوبنا لم تزل برفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسننا في حالتي السر والعلانية ناطقة، أن تمتعنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلا والرفعة والتمكين، وأن تحقق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع مكائد الملحدين، لأنها الدولة التي برئت من غشيان الجنف والحيف، وسلمت من طغيان القلم والسيف، والذي عهده المسلمون وتعوده المؤمنون، من المراحم الكريمة والعواطف الرحيمة، إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين، والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة- وإن كانت لم تزل مرفوعة إلى الله ﷾ بالنية الصحيحة- قوله ﷺ: "الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وقوله ﷺ: "الأعمال بالنيات". وهذان الحديثان مشهوران بالصحة مستفيضان في الأمة.
ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعلم الدولة السلطانية، لو أقسم مقسم بالعظيم القدير أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير؛ لكانت
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: ٤٣.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
يمينه برة غنية عن التكفير، وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم، ولسنا بالثناء عليه نطريه، بل لو أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التي فيه، أحمد بن تيمية، درة يتيمة يتنافس فيها، تشترى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك ما يماثلها ويؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع.
لقد أصم الأسماع، وأوهى قوى المتبوعين والأتباع " سماع رفع أبي العباس أحمد بن تيمية إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أن يكون أمرا قد لبس عليه، ونسب إلى ما لا ينسب مثله إليه، والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق، وقد نصب الله السلطان أعلى الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف الصديق لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حيث أمحلت البلاد واحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه، والحاجة بالناس الآن إلى قوت الأرواح الروحانية أعظم من حاجتهم في ذلك الزمان إلى طعام الجثث الجسمانية، وأقوات الأرواح المشار إليها لإخفاء أنها العلوم الشريفة، والمعاني اللطيفة، وقد كانت بلاد المملكة السلطانية- حرسها الله تعالى- تكال الثناء جزافًا بغير أثمان، منحة عظيمة من الله ذي السلطان، ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع، ومثل هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع، وصادف ذلك جدب الأرض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها، حتى صاروا من شدة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات، والذي عرض للمليك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح لعله لم يتحقق عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغة من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٣.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وأما إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور؛ فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من الفضلاء، وكلهم أفتى أن الصواب في الذي به أجاب، والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فيه من قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملة واستجلاب الدعاء، وكبت الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغمة، ووفور الأجر، وعلو الذكر، ودفع البأس، ونفع الناس، ولسان حال المسلمين تالٍ قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ ١ والبضاعة المزجاة هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والميرة المطلوبة بالإفراج عن شيخ الإسلام، والذي حمل على هذا الإقدام قوله ﵇: "الدين النصيحة" والسلام.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٨٨.
[ ٢ / ٢٥٨ ]