بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلّنا عليه من الإخلاص في توحيده، وجنّبنا من الإلحاد والشك في أمره، وهو ربّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين. نحمدُه حمدًا يضيء لنا به ظلمات البرزخ، ويسهل علينا به سبيل المبعث، ويشرف به منازلنا عند مواقف الأشهاد يوم تُجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا ولا هم ينصرون.
ونشهد أن لا إله إلا الله العظيم السلطان، والملك الديان، الذي لا شريك له ولا ند، ولا وزير ولا معين، وهو الربّ المستعان، فسبحانه من إله وقفت سيارات العقول حيارى في مواقف عظمته، وتاهت ثوابت أبكار الأفكار سكارى في فيافي قدرته، وأقام أدلة وحدانيته على رؤوس عرائس الكائنات، ونظم براهين تفرده بربوبيته في سلك امتناع تسلسل الموجودات.
ونرفع إليه جلّ شأنهُ أَكُفَّ التضرّع والابتهال، ونبسط له- تعالى سلطانه- أيدي التذلل والسؤال، أن يُدِيَم ديم صلاته وسلامه هاطلة على أَجَلِّ من نشر رايات التوحيد، وعقد خنصر قلبه على تقديس ربه المجيد، وتمسِّك بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، سيّدنا ومولانا محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفّيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير ومفتاح البركة، الذي نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للبلاء بدنه، وكاشف إليك في الدعاء خاصته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدعاء إلى
[ ١ / ٢٥ ]
ملّتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصارًا على أهل الكفر بك، حتى استتبّ له ما حاول في أعدائك، واستتم له ما دبر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحًا بعونك، ومتقويًا على ضعفه بنصرك، صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه؛ الذين أخلصوا في أعمالهم فخلصوا عن كل نقص حتى لم يبق فيهم كلام، ولخصوا زبدة أعمارهم بالتجرد عن شوائب الغفلة فلم يشبهم شيء من دواعي الملام، شنّوا غارات عزائمهم حتى بددوا كتائب الزيغ والضلالة، ودمغوا بأسنة حججهم رؤوس أهل الشرك والجهالة، الذين أسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وعلى من تبعهم بإحسان، ولم يكن لهم غير الله ملجأ ولا مستعان.
أما بعد؛ فقد وصل إليّ- في أواخر رجب الفرد، سنة خمس وعشرين وثلثمائة وألف، من هجرة من تقصر دون كعب علاه بردة المدح والوصف- كتاب قد اشتمل على بهتان عظيم، وعدول عن الصراط المستقيم، ألّفه بعض الجهلة لمصادمة الحق، ومعارضة الصواب بالخطأ المطلق، ومناقضة ما جاءت به رسل الله، وصدحت به الكتب المنزلة، ودلت عليه الدلائل القطعية؛ وهو توحيد الله وإفراده بخصائص الربوبية، وتخصيصه بالالتجاء إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل كلية وجزئية، فجاء هذا الغبيّ الجاهل المكابر، وأعرض عن الحق الصريح الظاهر، وجمع كتابًا سماه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) وحشاه من الكذب والافتراء والظلم والعدوان، وشتم أهل الحق ونصرة التوحيد، والحكايات الكاذبة، وكان الحَرِيّ به أن يسمي كتابه هذا شبه الباطل والضلال.
ولما تصفحته وجدته كتابًا لا يروج ما فيه حتى على ضعفاء العقول، فضلًا عمن تضلع من فنون المنقول والمعقول، لما اشتمل عليه من واهي الأسانيد وأكاذيب النقول، مباحثه متناقضة، ومطالبه متعارضة، جهل بها مؤلفه، وغفل عنها مصنفه، وبقيت أُقَدّمُ رجلًا وأؤخّر أخرى في الإقدام على إبطاله، وتزييف أقواله، حيث تكلم بالجزاف، وأبان عن قلة معرفة وعدم إنصاف، وكان الرأي عندي أن يعرض عن جهله المستأصل لشافته، ولا يتعرض لغثاثته وسخافته، ولا
[ ١ / ٢٦ ]
يلتفت إلى تخليطه وخرافته، غير أن بعض الإخوان لما علم مقصدي ووقف على ما تقرر عندي التمس مني ذلك، وطلب إبطال ما هنالك، وذكر لي أن النبي ﷺ لما قال أبو سفيان يوم أحد: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر، أفيكم ابن الخطاب؟ قال لأصحابه: "لا تجيبوه". تهاونًا به وتحقيرًا لشأنه، فلما قال أُعل هبل، قال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا: الله أعلى وأجل". ولما قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال لهم:"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"١.
فحينئذ جرّدتْ أسنّة العزائم والرد، واستعنتُ على رد أباطيله بالواحد الفرد، وليت مصنف ذلك الهذيان تنكب عن ميدان الفرسان، ليسلم من أسنة ألسنتهم عرضه، وينطوي من بساط المشاجرة طوله وعرضه، ولم يسمع ما يضيق به صدره، ولم ينتهك بين أفاضل الأمة ستره، وإذا أبى إلا المهارشة والمناقشة، والمواحشة والمفاحشة، فليصبر على حزّ الحلاقم، ونكز الأراقم٢، ونهش الضراغم٣، والبلاء المتراكم المتلاطم، ومتون الصوارم. فوالذي نفسي بيده؛ ما بارز أهل الحق قط قرن إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا ناحرهم خصم إلا بشّروه بسوء منقلبه، وسدّوا عليه طريق مذهبه لمهربه، ولا فاصحهم أحد -ولو كان مثل خطباء إياد- إلا فصحوه وفضحوه، ولا كافحهم مقاتل -ولو كان من بقية قوم عاد- إلا كبُّوه على وجهه وبطحوه، هذا فعلهم مع الكماة الذين وردوا المنايا تبرعًا، وشربوا كؤوسها تطوعًا، وسعوا إلى الموت الزؤام٤ سعيًا، وحسبوا طعم الحمام أريًا، والكفاة الذين استحقروا الأقران فلم يهلهم أمر مخوف، وجالوا في ميادين المناضلة واخترقوا الصفوف، وتجالدوا لدى المجادلة بقواطع السيوف.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٠٣٩، ٤٠٤٣) وأحمد (٤/ ٣٩٦)، من حديث البراء بن عازب ﵁. ٢ نكز الأراقم: النكز: الدفع والضرب. الأراقم: الحيّات. ٣ الضراغم: الأسود. ٤ الموت الزؤام: الموت العاجل.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد حان أن نشرع بالمقصود، والذب عن شريعة صاحب المقام المحمود، والحوض المورود. اللهم اجعلني أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتني بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت، ولا بالتضرع إلى من هو دونك إذا رهبت، فأستحق بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمنّي والتطني والحسد ذكرًا لعظمتك، وتفكّرًا في قدرتك، وتدبيرًا على عدوك، وما أجري على لساني من لفظة فحش، أو انتهاك عرض، أو شهادة باطل، أو اغتياب مؤمن غائب، أو سب حاضر، وما أشبه ذلك؛ نطقًا بالحمد لك، واعترافًا في الثناء عليك، وذهابًا في تمجيدك، وشكرًا لنعمتك، واعترافًا بإحسانك، وإحصاءً لمننك، إنك مجيب الدعاء.
ولا بد قبل الخوض في إبطال الباطل، ورد الكلام العاطل، من معرفة أمور تزيد من علمها بصيرة في التمييز بين الخطأ والصواب، وتعين على الوقوف على الحق من طرق هذا الباب، ومن الله نستمد التوفيق، وبيده أزمة التدقيق والتحقيق.
[ ١ / ٢٨ ]