قال الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو شعيب وأبو ثور، عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم- مثل سفيان ومالك وغيرهما-؛ الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
[ ١ / ٥٩٤ ]
رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء.
قال عبد الرحمن: وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول- وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به- فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بروية الفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، وتثبت هذه الصفات وتنفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله ﷾ المتضمن لمشيئته وقدرته.
(وقال في خطبة رسالته): الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، فجعل صفاته سبحانه إنما تتلقى بالسمع.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي محمد ابن إدريس الشافعي ﵁: الأصل قرآن وسنة فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكبر من الخبر الفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره فهو أولاها به.
ثم ذكر قول صاحبه إمام الشافعية في وقته، أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ١١.
[ ١ / ٥٩٥ ]
المزني في رسالته في السنة التي رواها أبو طاهر السلفي عنه بإسناده وساقها كلها.
وقول إمام الشافعية في وقته، أبي العباس بن شريح رحمه الله تعالى، وساق كلامه أيضًا.
وقول الإمام حجة الإسلام أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد، ثم ساق كلامه.
وقول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي صاحب كتاب "الترهيب والترغيب" وكتاب "الحجة في بيان المحجة ومذهب أهل السنة" وكان إمام الشافعية في وقته رحمه الله تعالى، ونقل فصلًا من كتاب الحجة في بيان استواء الله تعالى على عرشه، وساقه كله.
ثم ذكر قول الإمام أبي عمر، وعثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي من أقران البيهقي، وأبي عثمان الصابوني وطبقتهما، له كتاب في أصول الدين، وساق كلامه وفيه: ومن صفاته ﵎ فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف إلخ.
ثم ذكر قول إمام الشافعية في وقته، الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التيمي فقيه نيسابور رحمه الله تعالى، وساق كلامه في كتابه الذي ألفه في السنة على مذهب أهل الحديث.
ثم ذكر أقوال جماعة من اتباع الأئمة الأربعة ممن يقتدى بأقوالهم سوى ما تقدم منهم أبو بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد عليهما الرحمة، وساق كلامه الذي في شرحه بنصه.
ومنهم إمام الشافعية في وقته بل هو الشافعي الثاني أبو حامد الإسفرائيني ﵀، وكان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات، فقد قال: مذهبي ومذهب الشافعي وجميع علماء الأمصار أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال
[ ١ / ٥٩٦ ]
مخلوق فهو كافر. إلى آخر كلامه، وفيه إثبات صفة العلو لله.
ومنهم إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني صرح بالفوقية بالذات، فقال: هو فوق عرشه بوجود ذاته هذا لفظه، وهو إمام في السنة له قصيدة فيها معروفة، أولها:
تمسك بحبل الله واتبع الأثرا. وقد شرحها.
ومنهم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن، ثم ساق عبارته في كتابه "صريح السنة" وفيه إثبات العلو لله تعالى، وعبارته من تفسيره عند الكلام على قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ علا وارتفع. وساق جميع عباراته التي ذكرها في هذا الباب.
ومنهم الإمام أبو القاسم الطبري اللالكائي أحد أئمة أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى، وساق كلامه في كتاب "السنة" وهو مشتمل على مثل ما سبق.
ومنهم الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي، وساق كلامه الذي هو شجي في طوف الجهمية والمعطلة في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١.
ثم ذكر أقوال الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، وكلها مصرحة بإثبات صفة العلو والفوقية الله تعالى، ومثلهم أئمة الحديث المشهورون.
ثم ذكر أقوال أئمة التفسير.
ثم ذكر أقوال أئمة اللغة والعربية الذين يحتج بقولهم فيها، كأبي عبيدة معمر بن المثنى، ويحيى بن زياد الفراء إمام أهل الكوفة، وأبي العباس ثعلب وغيرهم مما يطول ذكرهم.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٥٤.
[ ١ / ٥٩٧ ]
ثم ذكر أقوال الزهاد أهل الاتباع وسلفهم، مثل ثابت البناني، وسليمان التيمي، وشريح بن عبيد، وعبيد بن عمير، والفضيل بن عياض، وعطاء السلمي، وأبو عبيدة الخواص، وبشر الحافي، وذي النون المصري، والحارث بن أسد المحاسبي، والإمام العارف أبي عبد الله محمد بن عثمان المكي إمام الصوفية في وقته، وأبي جعفر الهمداني الصوفي، والإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة، والشيخ عبد القادر الجيلي، وأبي عبد الله بن خفيف الشيرازي إمام الصوفية في وقته، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري صاحب كتاب "منازل السائرين" و"الفاروق" و"ذم الكلام" وغيره، وشيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب "حلية الأولياء"، والإمام يحيى بن عمار السجزي شيخ أبي إسماعيل الأنصاري إمام الصوفية.
وكل من هؤلاء الأبرار، والزهّاد الأخيار، صرح بإثبات العلو والفوقية لله تعالى. وذكر الشيخ ابن القيم نص عبارتهم في كتابه "غزو الجيوش الإسلامية" ولولا خوف طول الكلام وملل السامعين لنقلناها، والكتاب متداول بين الناس.
ثم ذكر أقوال الشارحين لأسماء الله الحسنى، كالقرطبي في شرحه، قال: وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبر رسوله ﷺ، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص بذلك دون غيره لأنه أعظم مخلوقات الله، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن الكيف بدعة. إلى آخر ما قال.
ثم ذكر أقوال أهل الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة والمعطلة، فذكر قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الطائفة الكلابية، وقال: كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله تعالى على عرشه، وذكر له كلامًا طويلًا في هذا الباب من أحب الوقوف عليه فليرجع إلى كتابه "غزو الجيوش".
[ ١ / ٥٩٨ ]
ثم ذكر قول أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام الطائفة الأشعرية، قال: إن كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه، كالموجز، والإبانة، والمقالات، وما نقله أعظم الناس انتصارًا له، وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في الكتاب الذي سماه "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري"- هو مثل كلام السلف، ثم نقل ما قاله ابن عساكر، وما قاله الأشعري في "الإبانة".
ثم ذكر قول الحسين بن أحمد الأشعري المتكلم من متكلمي أهل الحديث صاحب الجامع الكبير والصغير في أصول الدين، ونقل كلامه في جامعه الصغير المصرح بصفة الفوقية لله والعلو على العرش حقيقة.
ثم ذكر قول الإمام فخر الدين الرازي في آخر كتبه- وهو كتاب أقسام اللذات- وبين أنها ثلاثة: الحسية؛ كالأكل والشرب والنكاح واللباس، واللذة الخيالية الوهمية؛ كلذة الرياسة والأمر والنهي والترفع ونحوها، واللذة العقلية؛ كلذة العلوم والمعارف، وتكلم على كل واحد من هذه الأقسام إلى أن قال: وأما اللذة العقلية؛ فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول، يا ليتنا ما شهدنا هذا العالم، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن، وفي المعنى قلت:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال
واعلم أنه بعد التوغل في هذه المضائق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجوب وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في
[ ١ / ٥٩٩ ]
التفاصيل، فاقرأ في التنزيه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٤ وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٥ وعلى هذا القانون فقس وختم الكتاب.
ثم ذكر قول متكلم السنة إمام الصوفية أبي العباس أحمد بن محمد المظفري المختار الرازي صاحب كتاب قرع الصفات في تقريع نفاة الصفات، وهو على صغر حجمه كتاب جليل غزير العلم، قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس، وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث أن الله على العرش. ثم قال: أما حجة المثبتين فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول، ثم ذكر حجج القرآن والسنة، ثم حكى كلام الصحابة، إلى أن قال: ثم إن الصحابة ﵃ اختلفوا في النبي ﷺ هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا. واختلافهم في الرؤية تلك الليلة اختلاف منهم على أن الله على العرش، لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته، وهم فرقوا حيث اختلفوا في أحدهما دون الآخر، قلت: مراده إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة الإسراء به إلى عنده فجاوز السبع الطباق، ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيًا وإثباتًا من تلك الليلة وغيرها.
ثم قال: وأما المعقول فمنه وجوه؛ أحدها: إطباق الناس كافة وإجماع الخلق عامة من الماضين والغابرين والمؤمنين والكافرين على رفع الأيدي عند
_________________
(١) ١ سورة محمد: ٣٨. ٢ سورة النحل: ٥٠. ٣ سورة فاطر: ١٠. ٤ سورة النساء: ٧٨. ٥ سورة النساء: ٧٩.
[ ١ / ٦٠٠ ]
السؤال والدعاء، بخلاف السجود فإنه تواضع متعارف، وبخلاف التوجه إلى الكعبة فإنه تعبد غير معقول، أما رفع الأيدي بالسؤال نحو المسؤول فأمر معقول متعارف قال: ومن نظر في قصص الأنبياء وأخبار الأوائل القدماء وأنباء الأمم الماضية والقرون الخالية؛ اتضحت له هذه المعاني، واستحكمت له هذه المباني، ثم قرر العلو وساق شبه النفاة ونقضها نقض من يقلع عروشها كل القلع رحمه الله تعالى.
ثم ذكر قول شعراء الإسلام منهم حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ، فقد أنشد النبي ﷺ قوله:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيه ويعدل
فقال النبي ﷺ "وأنا أشهد".
وقال حسان أيضًا في قصيدته الدالية:
ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
أغر عليه للنبوة خاتم من الله ميمون يلوح ويشهد
ومنهم عبد الله بن رواحة، فإنه أنشد شعرًا في قصة له مع امرأته، وهو قوله:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
ومنهم العباس بن مرداس السلمي، قال عوانة بن الحكم: لما استخلف
[ ١ / ٦٠١ ]
عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فقاموا ببابه أيامًا لا يأذن لهم، فبينما هم كذلك من بهم علي بن أرطأة، فدخل على عمر فقال: الشعراء ببابك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك مالي وللشعراء؟ قال: فإن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطى، مدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة، قال: أو تروي من شعره شيئًا؟ قال: نعم؛ فأنشده علي بن أرطأة قوله للنبي ﷺ:
رأيتك يا خير البرية كلها نشرت كتابًا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا عن الحق لما أصبح الحق مظلما
تعالى علوًا فوق سبع الهنا وكان مكان الله أعلى وأعظما
ومنهم لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك العامري أحد شعراء الجاهلية والإسلام، أسلم وصحب النبي ﷺ ومن شعره:
لله نافلة الأجل الأفضل وله العلى وأثيل كل مؤثل
لا يستطيع الناس محو كتابه أنى وليس قضاؤه بمبدل
سوى فأعلى دون عالي عرشه سبعًا طباقًا دون قرع المغفل
والأرض تحتهم مهادًا راسيًا ثبتت جوانبها بصم الجندل
(ذكر ما أنشد للنبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت)
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الخلق وسوى فوق السماء سريرا
شر جعا ما يناله بصر العين ترى دونه الملائك صورا
ومن شعره قوله في داليته المشهورة:
لك الحمد والنعماء والملك ربنا فلا شيء أعلى منه جدًا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
عليه حجاب النور والنور حوله وأنهار نور حوله تتوقد
فلا بشر يسمو إليه بطرفه
ودون حجاب النور خلق مؤيد
[ ١ / ٦٠٢ ]
وفيها وصف الملائكة فقال:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
(ذكر القصيدة التي أنشدها إسماعيل بن الترمذي للإمام أحمد في حبسه) قال إبراهيم بن إسحق العبلي: أخذت هذه القصيدة من أبي بكر المروزي، وذكر أن إسماعيل بن خلان الترمذي قالها وأنشدها أحمد بن حنبل في السجن:
تبارك من لا يعلم الغيب غيره ومن لم يزل يثني عليه ويذكر
علا في السموات العلى فوق عرشه إلى خلقه في البر والبحر ينظر
سميع بصير لا نشمك مدبر ومن دونه عبد ذليل مدبر
يدا ربنا مبسوطتان كلاهما تسحان والأيدي من الخلق تقتر
وساق القصيدة وهي أحسن القصائد، ولم ينكرها أحد من أهل الحديث بل أثنوا عليها.
وقال يحيى بن يوسف بن يحيي بن يوسف الصرصرقي الأنصاري اللغوي الفقيه:
تواضع لرب العرش علك ترفع فقد فاز عبد المهيمن يخضع
فداوي بذكر الله قلبك إنه لا على دواء للقلوب وأنفع
وخذ من تقى الرحمن أمنًا وعدة ليوم به غير التقى مروع
إلى أن قال:
سميع بصير ماله في صفاته شبيه يرى من فوق سبع ويسمع
قضي خلقه ثم استوى فوق عرشه ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
وقال في لاميته:
ويوم ينادي العالمين فيسمح إلـ ـقصي كدان في المقال المطول
أنا الملك الديان والنقل ثابت فهل ههنا ينساغ تأويل جهل
وينظره أهل البصائر في غد
بأبصارهم لا ريب فيه لمجتل
[ ١ / ٦٠٣ ]
كما ينظرون الشمس ما حال دونها سحاب إلا بعدًا لأهل التعزل
توحد نحو العرش والخلق دونه واحكم ما سواه أحكام مكمل
وقال أيضًا:
أسير وقلبي في هواك أسير فهل لي من جور الفراق مجير
واستجلب السلوى وفي القلب حسرة فيرتد عنك الطرف وهو حسير
وما ذاك إلا أن فيك لناظري مدى غصن غض بالنبات نضير
إذا ما تجلى سافرًا فجماله إلى القلب من جيش الغرام سفير
إذا ما اجتمعنا وانتفى الشمل فالتقى رقيب علينا والعقاب غفور
يؤكد عقد الود بيني وبينه اعـ ـتقاد عليه للهداية نور
كلانا محب للإمام ابن حنبل لا سيافنا في شانئيه هبير
نقر بأن الله جل ثناؤه سميع لأقوال العباد بصير
ويطوى السموات العلى بيمينه وذلك في وصف القوي يسير
وخاطب موسى بالكلام مكلمًا فخر صريعًا إذ تقطع طور
وخط له التوراة فيها مواعظ فلاحت على الألواح منه زبور
وأن قلوب الخلق بين أصابع إلـ ـإله فمنها ثابت ونفور
ونثبت في الأخرى لرؤية ربنا حديثًا رواه في الصحيح جرير
وأي نعيم في الجنان لأهلها وأنى لهم لو لم يروه سرور
ونؤمن أن العرش من فوق سبعة تطوف به أملاكه وتدور
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه تقدس كرسي له وسرير
هو الله ربي في السماء محجب وليس كمخلوق حوته قصور
إليه تعالى طيب القول صاعد وينزل منه بالقضاء أمور
لقد صح إسلام الجويرية التي باصبعها نحو السماء تشير
وقال رحمه الله تعالى في قصيدته المنامية التي يقول فيها:
رأيت رسول الله في النوم مرة
فقبلت فاه مثل تقبيل مشتاق
[ ١ / ٦٠٤ ]
ولو أنني أوتيت رشدي قائمًا لقبلت مشاه الكريم بآماقي
فبشرني منه بأزكى شهادة بها جبر كسرى يوم فقري وإملاقي
لموت سعيد في كتاب وسنة فلانت لبشراه شراسة أخلاقي
فها أنا ذا والحمد لله وحده مقر لبشراه بأثبت مصداقي
بأني على حسن اعتقاد ابن حنبل مقيم وإن قام العدالي على ساق
أقر بأن الله من فوق عرشه يقدر آجالًا ويقضي بأرزاق
سميع بصير ليس شيء كمثله قديم الصفات الواحد الأحد الباقي
أمر أحاديث الصفات كما أتت أتابع فيها كل أزهر سباق
ولست إلى التشبيه يومًا بجانح ولا قائل تأويل أشدق مهان
وقال رحمه الله تعالى في قصيدته اللامية التي نظم فيها اعتقاد الشافعي ﵁، أولها:
أيشعر حزب الجهم ذاك المضلل بأني حرب للعدا غير أفكل
أشن عليهم غيرتي وحميتي لدين الهدى غارات أشرس مقتل
لوقع قريض في صميم قلوبهم أشد عليهم من سنان ومنصل
أفوق منه حين أنظر نحوهم مقاتل تصمي منه كل مقتل
هم انحرفوا عن منهج الحق سالكي مهالك من تحريفهم والتأول
لقد برىء الحبر ابن إدريس منهم براءة موسى من يهود محول
وقال فيها:
ويعقد عند الشافعي يمين من غدا حالفًا بالمصحف المتقبل
فهذا دليل منه إذ كان لا يرى أنـ ـعقادًا بمخلوق لخلق مؤثل
ومذهبه في الاستواء كمالك وكالسلف الأبرار أهل التفضل
وقل مستو بالذات من فوق عرشه ولا تقل استولى فمن قال أبطل
فذلك زنديق لقائل قسوة لذي خطل راو لغث وأعطل
وقد بان منه خلقه وهو بائن
من الخلق محض للخفي وللجلي
[ ١ / ٦٠٥ ]
وأقرب من حبل الوريد مفسر وما كان في معناه بالعلم فاعقل
علا في سماء الله فوق عباده دليلك في القرآن غير مقلل
وإثبات إيمان الجويرية اتخذ دليلًا عليه مسندًا غير مرسل
وقال رحمه الله تعالى يهجو ابن خنفر الجهمي الخبيث أولها:
أطع الهدى لا ما يقول العذل فالحب ذو أمر يجور ويعدل
واتبع لسلمى ما استطعت مسلمًا فالحسن ينصرها وصبرك يخذل
بيضاء دون مرامها لمحبها بيض الصوارم والرماح الذبل
تخفى فيعرفها الوشاة بعرفها وتضيء والأظلام ستر مرسل
تضحى الدماء لهجرها هدرًا وهل يخفى قصاص القتل طرف أكحل
كيف البقاء لعاشق أودى به سهم اللحاظ وقد أصيب المتقل
ومنها:
نبذ الكتاب وراء ظهر واغتدى شيخ الضلالة للصفات يعطل
وعقيدة الملعون أن المصحف الـ ـمكنون منبوذ تطأه الأرجل
ما قالت الكفار مثل مقاله وكذا اليهود ولا النصارى الضلل
آل الجحود به إلى وادي لظى للغاية السفلى فبئس الموئل
وزعمت أن الحنبلي مجسم حاشا لمثل الحنبلي يمثل
بل يورد الأخبار إذ كانت تصحـ ـحها الرواة عن الثقات وتنقل
قد قالها خير الورى في سادة لم ينكروا هذا ولم يتأولوا
وتقبلوها مع غزارة علمهم أفأنت أم تلك العصابة أعقل
وقال رحمه الله تعالى:
واها لفرط حرارة لا تبرد ولواعج بين الحشى تتردد
في كل يوم سنة مدروسة بين الأنام وبدعة تتجدد
صدق النبي ولم يزل متسربلا
بالصدق إذ يعد الجميل ويوعد
[ ١ / ٦٠٦ ]
إذ قال يفترق الضلال ثلاثة زيدت على السبعين قولًا يسند
وقضى بأسباب النجاة لفرقة تسعى بسنته إليه وتحفد
فإن ابتغيت إلى النجاة وسيلة فاقبل مقالة ناصح يتقلد
إياك والبدع المضلة إنها تهدي إلى نار الجحيم وتورد
وعليك بالسنن المنيرة فافقها فهي المحجة والطريق الأقصد
فالأكثرون بمبدعات عقولهم نبذوا الهدى فتنصروا وتهودوا
منهم أناس في الضلال تجمعوا وبسب أصحاب النبي تفردوا
قد فارقوا جمع الهدى وجماعة إلـ ـسلام ثم تزندقوا وتمردوا
بالله يا أنصار دين محمد نوحوا على الدين الحنيف وعددوا
لعبت بدينكم الروافض جهرة وتألفوا في دحضه وتحشدوا
نصبوا حبائلهم بكل بلية وتغلغلوا في المعضلات وشددوا
ورموا خيار الخلق بالكذب الذي هم أهله لا من رموه وأفسدوا
نقضوا مراتب هن أشرف منصب في الفخر من فاق السماء وأمجد
لمراتب الصديق جف لسانهم يبغون وهي من التناول أبعد
أو ما هو السباق في غزو العدا ولقد زكى من بل منه المحتد
ولقد أشاد بذكره رب العلى فبناؤه في المكرمات مسدد
نطق الكتاب بمجده لأعلى ففي آي الحديد مناقب لا تنفد
لا يستوي منكم وفيها مقنع والليل يثبت فضله ويؤكد
وبراءة تثنى بصحبته وهل يهوى رفيع علاه إلا ملحد
أو ما هو الأتقى الذي استولى على إلـ وإخلاص طارف ماله والمتلد
لما مضى لسبيله خير الورى وحوى شمائله صفيح ملحد
منع الأعاريب الزكاة لفقده وارتد منهم حائر متردد
وتوقدت نار الضلال وخالطت إبليس أطماع كوامن رصد
هذا أبو بكر بصدق عزيمة وثبات إيمان ورأي يحمد
فتمزقت عصب الضلال وأشرقت شمس الهدي وتقوم المتأود
[ ١ / ٦٠٧ ]
أم رتبة الفاروق في إظهاره للدين تلك فضيلة لا تجحد
وهو الموفق للصواب كأنما ملك يصوب قوله ويسدد
بوفاقه آي الكتاب تنزلت وبفضله نطق المشفع أحمد
لو كان من بعدي نبيًا كنته خبرًا صحيحًا في الرواية مسند
وبعدله الأمثال تضرب في الورى وفتوحه في كل قطر يوجد
وتمام فضلهما جوار المصطفى في تربة فيها الملائك تحشد
وتعمقوا في سب عثمان الذي ألفاه كفوًا لابنتيه محمد
ولبيعه الرضوان مد شماله عوض اليمين وهي منه أوكد
وحباه في بدر بسهم مجاهد إذ فاته بالعذر ذاك المشهد
من هده من بعض غر صفاته ما ضره ما قال فيه الحسد
ثم ادعوا حب الإمام المرتضى هيهات مطلبه عليه يبعد
أنَّى وقد جحدوا الدين بفضلهم أثنى أبو الحسن الإمام السيد
ما في علاه مقالة لمخالف فمسائل الإجماع فيه تعقد
ولنحن أولى بالإمام وحبه عقد ندين به الإله مؤكد
وولاؤه لا يستقيم ببغضهم واضرب لهم مثلًا يغيظ ويكمد
مثل الذي جحد ابن مريم وادعى حب الكليم وتلك دعوى تفسد
وبقذف عائشة الطهور تجشموا أمرًا تظل له الفرائص ترعد
تنزيهها في سبع عشرة آية والرافضي بضد ذلك يشهد
لو أن أمر المسلمين إليهم لم يبق في هذي البسيطة مسجد
ولو استطاعوا لسعت بمرامهم قدم ولامتدت بكفهم يد
لم يبق للإسلام ما بين الورى علم يشي ولا لواء يعقد
علقوا بحبل الكفر واعتصموا به والعالقون بحبله لم يسعدوا
وأشدهم كفرًا جهول يدعي علم الأصول وفاسق متزهد
فهما وإن وهنًا أشد مضرة في الدين من فار السفين وأفسد
وإذا سألت فقيههم عن مذهب
فإلى اعتزال في الشريعة يلحد
[ ١ / ٦٠٨ ]
كالخائض الرمضاء أقلقه لظي منها ففر إلى جحيم يوقد
إن المقال بالاعتزال لخطة عمياء حل بها الغواة المرد
هجموا على سبل الهدى بعقولهم ليلًا فعاثوا في الديار وأفسدوا
صم إذا ذكر الحديث لديهم نفروا كأن لم يسمعوه وغردوا
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت أسد العرين فهن منه شرد
والجاحد الجهمي أسوأ منهما حالًا وأخبث في القياس وأفسد
أمسى لرب العرش قال منزهًا من أن يكون عليه رب يعبد
ونفى القرآن برأيه والمصحف الـ أعلى المطهر عنده يتوسد
وإذا ذكرت له على العرش استوى فإلى هو استولى يحيد ويخلد
فإلى من الأيدي تمد تضرعًا وبأي شيء في الدجى يتهجد
ومن الذي هو للقضاء منزل وإليه أعمال البرية تصعد
وبما تنزل جبرئيل مصدقًا ولأي معجزة الخصوم تبلد
ومن الذي استولى عليه بقهره إن كان فوق العرش ضد أيد
جلت صفات الحق عن تأويلهم وتقدست عما يقول الملحد
لما بغوا تنزيهه بقياسهم ضلوا وفاتهم الطريق الأرشد
ويقول لا سمع ولا بصر ولا وجه لربك ذي الجلال ولا يد
من كان هذا وصفه لإلهه فأراه للأصنام سرًا يسجد
الحق أثبتها بنص كتابه ورسوله وغدا المنافق يجحد
فمن الذي أولى بأخذ كلامه جهم أو الرحمن قولوا وارشدوا
والصحب لم يتأولوا لسماعها فهم إلى التأويل أم هو أرشد
هو مشرك ويظن جهلًا أنه في نفي أوصاف الإله موحد
يدعو من اتبع الحديث مشبهًا هيهات ليس مشبهًا من يسند
لكنه يروي الحديث كما أتى من غير تأويل ولا يتأود
وإذا العقائد بالضلال تخالفت فقيدة المهدي أحمد أحمد
هي حجة الله المنيرة فاعتصم
بحبالها لا يلهينك مفسد
[ ١ / ٦٠٩ ]
إن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ومخالفوه لزيغهم لم يهتدوا
ما زال أحمد يقتفي أثر الهدى ويروم أسباب النجاة ويجهد
حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ما فوقها لأخي التقاء مصعد
نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل في فتنة نيرانها تتوقد
ما صده ضرب السياط ولا ثنى عزماته ماضي الغرار مهند
لهواه حبًا ليس فيه تعصب لكن محبة مخلص يتودد
وودادنا للشافعي ومالك وأبي حنيفة ليس فيه تردد
أقول: سيأتي في الكلام على ما استدل به النبهاني في (باب الاستغاثة) من شعر الصرصري أن مثله لا يجوز أن يكون مستندًا في العقائد الدينية فكيف يورد كلامه للاستدلال به في هذا المقام.
فالجواب أن يقال: قد علم أن كلام الله ورسوله ﷺ وسائر أنبيائه وأصحابهم والتابعين لهم بإحسان هو الحجة والبرهان، فذكر أقوال أهل العلم وشعر بعض الشعراء لا للاحتجاج بها بل لبيان أن جميع العقلاء على ما ذكرنا، وليعلم الخصم أن أهل الإثبات أولى بالله ورسوله ﷺ والصحابة والتابعين وأهل الإسلام وطبقات أهل العلم والدين من الجهمية والمعطلة، وليعرف جنود الإسلام والسنة وأمراؤها وحزب البدع والتجهم ليتحيز المقاتل إلى الطائفتين على بصيرة من أمره، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، ولهذا قال الحافظ ابن القيم- بعد ما أورد ما ذكرناه-: وهذا باب واسع جدًا لا يتسع لذكره مجلد كبير، ويكفي أن شعراء الجاهلية مقرة به على فطرتهم الأولى، كما قال عنترة في قصيدته:
يا عبل أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها
ثم ذكر قول الفلاسفة المتقدمين والحكماء الأولين، فإنهم كانوا مثبتين لمسألة العلو والفوقية مخالفين لأرسطو وشيعته، وأتى بنصهم لأجل ما ذكرنا للاستدلال، ثم إن من المعلوم أنه لا يلزم من مدح شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحًا محمودًا من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم عليه بالإسلام أو
[ ١ / ٦١٠ ]
الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه وخلل إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات وعقابه عليها.
والمقصود؛ أن ما ذكره النبهاني وأضرابه من الجهلة، وما هذى به الشيخ شهاب الدين الحلبي؛ مخالف للكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، والمجتهدين، وأئمة المسلمين، ومشاهير أتباعهم، والعقلاء، وأتباع من سبق من الأنبياء، والشعراء، وأئمة اللغة، والفلاسفة الأولى، وجاهلية العرب، ويكفي ذلك بطلانًا لقولهم وإفكهم وخزيًا لهم بين أهل العقول.
ولو أخذنا نتكلم على ما اشتمل عليه كلامهم من المفاسد لطال الكلام جدًا، وما ذكرناه كاف لمن أخذت العناية بيديه، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، نسأله تعالى أن يبصرنا في أمورنا أنه ذو الفضل العميم، والمن الجسيم، وهو المعطي قبل السؤال، والعالم بالأحوال.
[ ١ / ٦١١ ]
[عودة إلى الكلام على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية]
، قال النبهاني: ولنرجع إلى الكلام على كتب ابن تيمية، قال: فمنها الكتب الأربعة المذكورة سابقًا، وهي (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح) ومنها كتاب (منهاج السنة) ومنها كتاب (العقل والنقل) وقد رد به على أهل السنة والجماعة من المسلمين الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من الفرق الأخرى، ومنها كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وقد رد به على خلاصة المسلمين من الأولياء والعارفين.
إذا علمت ذلك تعلم أنه مثل ابن حزم لم يسلم من قلمه أحد، وقد رد عليه الإمام السبكي فيما رد به على كتبه بأبيات مدح فيها كتابه (منهاج السنة) واعترض عليه ببعض بدعه، فتصدى للتشنيع على السبكي بذلك والرد عليه بعض الحشوية ممن هو على عقيدة ابن تيمية، أحدهما حنبلي والآخر فيما زعم شافعي، إلى أن قال: نظم كل منهما في ذلك قصيدة طويلة في أكثر من مائة بيت، فيها العجر
[ ١ / ٦١١ ]
والبجر، والتحامل على الإمام السبكي بما لا ينبغي أن يصدر من مسلم فضلًا عن عالم، وقد رأيت أن أنتصف منهما وأقابلهما بعملهما، جاعلًا محط نظري إثبات الحق ودحض الباطل، وبيان المذهب الصحيح من المذهب العاطل، فنظمت هذه القصيدة من البحر والقافية، وقد أثبت فيها استحالة الجهة على الله تعالى بدلائل ظاهرة باهرة، وتعرضت لجواز الاستغاثة والشد للرحل لزيارته ﷺ بما لا يأباه عقل ولا يمنعه نقل، رادًا على من يخالف ذلك، ثم ذكر القصيدة وهي نحو مائة وثلاثة وخمسين بيتًا، قال في أولها:
الحمد لله حمدًا أستعد به لنصرة الحق كي أحظى بمطلبه
بك استعنت إلهي عاجزًا فأعن أبغي رضاك فاسعفني بأطيبه
وإنني عالم ضعفي ولا عمل عندي يفيد ولا علم أصول به
وكلها على هذا المنوال من الشعر الركيك، ولولا الحرص على نفيس العمر أن يذهب سدى لنقلناها في هذا المقام، ولكنا نزهنا القلم من نقلها وصنا وجه القرطاس عن تلك الأوهام، وقد ذكر هو ما اشتملت عليه قصيدته.
يقال للنبهاني أولًا: قد تكلمنا سابقًا على ما يتعلق بكتب الشيخ كلامًا يكتفي به اللبيب والذكي الأديب، وقوله عن كتاب (العقل والنقل) أنه رد به على أهل السنة إلخ كلام لا معنى له، فإنه لم يرد على أهل السنة بل رد عنهم كما هو شأنه في كل كتاب من كتبه، إنما رد على من استدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام، وأثبت حدوث الأجسام بدليل الأعراض والحركة والسكون، والأجسام مستلزمة لذلك لا تنفك عنه، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث، وبنى ذلك على حوادث لا أول لها، ولم يكن في الصحابة والتابعين من استدل بهذا الدليل، بل أول ما ظهر هذا الكلام في الإسلام بعد المائة الآولى من جهة الجعد بن درهم بن صفوان، ثم صار إلى عمرو بن عبيد كأبي الهذيل العلاف وأمثاله.
وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء إنما كانا يظهران الكلام في إنفاذ الوعيد،
[ ١ / ٦١٢ ]
وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وفي التكذيب بالقدر، وهؤلاء ومن وافقهم على اعتقادهم رد عليهم شيخ الإسلام.
وأما الأشعري فلا ريب عنه أنه كان تلميذًا لأبي علي الجبائي، لكنه فارقه ورجع عن جمل مذهبه وإن كان قد بقي عليه شيء من أصول مذهبه لكنه خالفه في نفي الصفات، وسلك فيها طريقه ابن كلاب، وخالفهم في القدر ومسائل الإيمان والأسماء والأحكام، وناقضهم في ذلك أكثر من مناقضة حسين النجار وضرار بن عمرو ونحوهما ممن هو متوسط في هذا الباب، كجمهور الفقهاء، وجمهور أهل الحديث، حتى مال في ذلك إلى قول جهم، وخالفهم في الوعيد، وقال بمذهب الجماعة، وانتسب إلى مذهب أهل الحديث والسنة كأحمد بن حنبل وأمثاله، وبهذا اشتهر عند الناس. فالقدر الذي يحمد من مذهبه هو ما وافق فيه أهل السنة والحديث كالجمل الجامعة، وأما القدر الذي يذم من مذهبه فهو ما وافق فيه بعض المخالفين للسنة والحديث من المعتزلة والمرجئة والجهمية والقدرية ونحو ذلك، وأخذ مذهب أهل الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي بالبصرة، وعن طائفة ببغداد من أصحاب أحمد وغيرهم، وذكر في المقالات ما اعتقد أنه مذهب أهل السنة والحديث، وقال: بكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وهذا المذهب هو من أبعد المذاهب عن مذهب الجبرية والقدرية، وآخر ما صنف من الكتب كتاب (الإبانة) وقد ذكر فيه أنه على مذهب أهل الحديث واعتقادهم، وقد خالفه كثير من الأشعرية في كثير من المسائل.
والمقصود؛ أن الشيخ إنما رد في كتاب (العقل والنقل) بل وفي سائر كتبه على من خالف أهل السنة الذين تمسكوا بالكتاب وكلام الرسول ﷺ، وموضوع كتاب (العقل والنقل) أن الشريعة الغراء كاملة مكملة لا حاجة لها إلى ما استحدثوه من القواعد المناقضة للشريعة، وأن نصوص الشريعة تفيد اليقين، وأنها مقدمة على تلك القواعد، وأن النصوص لا تؤول لتلك القواعد إذا خالتفها، استدل على ذلك بنحو تسعة عشر دليلًا.
والنبهاني ليس ممن يحسن قراءة عبارتها فضلًا عن فهم معانيها، وإدراك ما
[ ١ / ٦١٣ ]
فيها فلذلك اعترض بما اعترض.
ويقال ثانيًا: إن النبهاني ذكر عن كتاب "الفرقان" أنه قد رد به على خلاصة المسلمين من الأولياء والصالحين، وهو كلام من لم يعرف الولاية ولا درى معنى الإيمان والإسلام، والشيخ قدس الله روحه قد فرق في هذا الكتاب بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فرقًا واضحًا يعرفه من له أدنى إلمام بالعمل، ومداره على الاتباع والابتداع فمن اتبع في أقواله وأفعاله ما جاءت به الشريعة فذاك من أولياء الرحمن، ومن خالف في ذلك فهو من أولياء الشيطان، وإن طار في الهواء أو مشى على وجه الماء.
وأما ابن عربي صاحب (فصوص الحكم) و(الفتوحات المكية) فقد سلك مسلك القرامطة والباطنية الذين زاغوا عن الشريعة، ولهذا ادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الأنبياء، والنبي عنده يأخذ من الملك الذي يوحي به إلى الرسل، لأن النبي عنده يأخذ من الخيالات التي تمثلت في نفسه لما صورت له المعاني العقلية في الصورة الخيالية، وتلك الصورة عنده هي الملائكة، وهي بزعمه تأخذ عن عقله المجرد قبل أن تصير خيالًا، ولهذا يفضل الولاية على النبوة ويقول:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
والولي على أصله الفاسد يأخذ عن الله بلا واسطة، لأنه يأخذ عن عقله وهذا عندهم هو الآخذ عن الله بلا واسطة، إذ ليس عندهم ملائكة منفصلة تنزل الوحي، والرب عندهم ليس هو موجودًا مباينًا للمخلوقات، بل وجود مطلق أو مشروط بنفي الأمور الثبوتية عن الله، أو نفي الأمور الثبوتية والسلبية، وقد يقولون هو وجود المخلوقات أو حال فيها أو لا هذا ولا هذا، فهذا عندهم غاية كل رسول.
ومبنى النبوة عندهم الأخذ عن القوة المتخيلة التي صورت المعاني العقلية في المثل الخيالية، ويسمونها القوة القدسية، فلهذا جعلوا الولاية فوق النبوة،
[ ١ / ٦١٤ ]
وهؤلاء من جنس القرامطة الباطنية الملاحدة، لكن هؤلاء ظهروا في قالب التصوف والتنسك ودعوى التحقيق وأمثال ذلك، وأولئك ظهروا قي قالب التشيع والموالاة، فأولئك يعظمون شيوخهم حتى يجعلوهم أفضل من الأنبياء، وقد يعظمون الولاية حتى يجعلوها أفضل من النبوة، وهؤلاء يعظمون أمر لإمامة حتى قد يجعلون الأئمة أعظم من الأنبياء، والإمام أعظم من النبي كما يقوله الإسماعيلية، وكلاهما يباطنان الفلاسفة الذين يجعلون النبي فيلسوفًا، ويقلون إنه يختص بقوة قدسية، ثم منهم من يفضل النبي على الفيلسوف، ومنهم من يفضل الفيلسوف على النبي، ويزعمون أن النبوة مكتسبة، ويقولون: إن النبوة عبارة عن ثلاث صفات من حصلت له فهو نبي: أن يكون له قوة قدسية حدسية ينال بها العلم بلا تعلم، وأن تكون نفسه قوية لها تأثير في هيولى العالم، وأن يكون له قوة يتخيل بها ما يعقله ومزينًا في نفسه ومسموعًا في نفسه، هذا كلام ابن سينا وأمثاله في النبوة، وعنه أخذ ذلك الغزالي في كتابه المضنون بها على غير أهلها، وهذا القدر الذي ذكروه يحصل لخلق كثير من آحاد الناس ومن المؤمنين، وليس هو من أفضل عموم المؤمنين فضلًا عن كونه نبيًا، وهؤلاء قالوا هذا لما احتاجوا في الكلام في النبوة على أصول سلفهم الدهرية القائلين بأن الأفلاك قديمة أزلية لا مفعولة لفاعل بقدرته واختياره وأنكروا علمه بالجزئيات ونحو ذلك من أصولهم الفاسدة فتكلم هؤلاء في النبوة على أصول أولئك.
وأما القدماء أرسطو وأمثاله فليس لهم في النبوة كلام محصل، فالواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيًا كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيًا، وكان قد جمع بين النظر والتأله، وسلك نحوًا من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظم أمر الأنوار، وقرب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمان صلاح الدين.
وكذلك ابن سبعين الذي جاء من المغرب إلى مكة وكان يطلب أن يصير نبيًا، وجدد غار حراء الذي نزل فيه الوحي على النبي ﷺ ابتداء، وحكى عنه أنه
[ ١ / ٦١٥ ]
كان يقول: لقد رددت ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي، وكان بارعًا في الفلسفة وفي تصوف المتفلسفة وما يتعلق بذلك، وهو وابن عربي وأمثالهما كالصدر القونوي وابن الفارض والتلمساني منتهى أمرهم القول بوحدة الوجود، الواجب القديم الخالق هو الوجود الممكن المحدث المخلوق ما ثم لا غير ولا سوى، لكن لما رأوا تعدد المخلوقات صاروا تارة يقولون مظاهر ومجالي، فإذا قيل لهم فإن كانت المظاهر أمرًا وجوديًا تعدد الوجود وإلا لم يكن لها حينئذ حقيقة وما هو نحو هذا الكلام الذي يبين أن الوجود نوعان خالق ومخلوق: قالوا نحن ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل، ومن أراد أن يكون محققًا مثلنا فلا بد أن يلتزم الجمع بين النقيضين، وأن الجسم الواحد يكون في وقت واحد في موضعين، وهؤلاء الأصناف قد بسط الكلام عليهم شيخ الإسلام في غير موضع، فإن هؤلاء يكثرون في الدول الجاهلة، وعامتهم تميل إلى التشيع- كما عليه ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما- فاحتاج الناس إلى كشف حقائق هؤلاء وبيان أمورهم على الوجه الذي يعرف به الحق من الباطل، فإن هؤلاء يدّعون في أنفسهم أنهم أفضل أهل الأرض، وأن الناس لا يفهمون حقيقة إشاراتهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: فلما يسر الله أني بينت لهم حقائقهم وكتبت في ذلك من المصنفات ما علموا به أن هذا هو تحقيق قولهم وتبين لهم بطلانه بالعقل الصريح والنقل الصحيح والكشف المطابق: رجع عن ذلك من علمائهم وفضلائهم من رجع، وأخذ هؤلاء يثبتون للناس تناقضهم وبراءتهم من الحق، وكان من أصول ضلالهم ظن أن الوجود المطلق يوجد في الخارج، فإن الذي يوجد في الخارج مقيدًا معينًا هو مطلق في الذهن مقيد في الخارج، وأما من زعم أن في الذهن شيئًا مطلقًا وهو مطلق حال تحققه في الخارج فهو غالط غلطًا ضل فيه كثير من أهل المنطق والفلسفة، وأما المطلق بشرط الإطلاق فهو الوجود المقيد بسلب جميع الأمور الثبوتية والسلبية، كما يوجد الإنسان مجردًا عن كل قيد، فإذا قلت موجود أو معدوم أو واحد أو كثير أو في الذهن أو في الخارج كان ذلك قيدًا زائدًا على الحقيقة المطلقة بشرط الإطلاق، وهكذا الوجود تأخذه مجردًا عن كل قيد
[ ١ / ٦١٦ ]
ثبوتي وسلبي، فلا تصفه لا بالصفات الثبوتية ولا السلبية، وهكذا واجب الوجود عند أئمة الباطنية كأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وغيره، لكن من هؤلاء من لا يعرف برفع النقيضين فيقول لا موجود ولا معدوم، ومنهم من يقول بل أمسك عن إثبات أحد النقيضين فلا أقول موجود ولا معدوم كأبي يعقوب، وهو منتهى تجريد هؤلاء القائلين بوحدة الوجود.
وابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو الوجود المقيد بسلب الأمور الثبوتية دون السلبية، وهذا أبعد عن الوجود في الخارج من المقيد بسلب الوجود والعدم وإن كان ذلك ممتنعًا في الموجود والمعدوم. قال: فقلت لأولئك المدعين للتحقيق أنتم بنيتم أمركم على القوانين المنطقية وهذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بسلب النقيضين عنه لا يوجد في الخارج باتفاق العقلاء، وإنما يقدر في الذهن تقديرًا، وإلا فإذا قدرنا إنسانًا مطلقًا واشترطنا فيه أن لا يكون موجودًا ولا معدومًا ولا واحدًا ولا كثيرًا لم يوجد في الخارج، بل نفرض في الذهن كما نفرض الجمع بين النقيضين، ففرض رفع النقيضين كفرض الجمع بين النقيضين، ولهذا كان هؤلاء تارة يصفونه بالجمع بين النقيضين أو الإمساك عنهما كما يفعل ابن عربي وغيره كثيرًا، وتارة يجمعون بين هذا وهذا كما يوجد أيضًا في كلام أصحاب البطاقة وغيرهم، فإذا قالوا مع ذلك أنه مبدع العالم وشرطوا فيه أن لا يوصف بثبوت ولا انتفاء كان تناقضًا، فإن كونه مبدعًا لا يخرج عن هذا وهذا، وكذلك إذا قالوا موجود واجب وشرطوا فيه التجريد عن النقيضين كان تناقضًا، وحقيقة قولهم موجود لا موجود، وواجب لا واجب، وهذا منتهى أمرهم، وهو الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين، ولهذا يصيرون إلى الحيرة ويعظمونها، وهي عندهم منتهى معرفة الأنبياء والأولياء والأئمة والفلاسفة.
ومن أصول ضلالهم، ظنهم أن هذا تنزيه عن التشبيه وأنهم متى وصفوا بصفة إثبات أو نفي كان فيه تشبيه بذلك، ولم يعلموا أن التشبيه المنفي عن الله هو ما كان وصفه بشيء من خصائص المخلوقين، أو أن يجعل شيء من صفاته مثل صفات المخلوقين بحيث يجوز عليه ما يجوز عليهم، أو يجب له ما يجب لهم، أو
[ ١ / ٦١٧ ]
يمتنع عليه ما يمتنع عليهم مطلقًا، فإن هذا هو التمثيل الممتنع المنفي بالعقل مع الشرع، فيمتنع وصفه بشيء من النقائص، ويمتنع مماثلة غيره له في شيء من صفات الكمال، فهذان جماع لما ينزه الرب تعالى عنه، وعلى هذا وهذا دل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١.
فأما الموافقة في الاسم كحي وحي، وموجود وموجود، وعليم وعليم؛ فهذا لا بد منه، ويلزم من هذا التعطيل المحض، فإن كل موجودين قائمين بأنفسهما، فحينئذ لا بد أن يجمعهما اسم عام، لكن المعنى القائم لا يوجد عامًا إلا في الذهن لا في الخارج، فإذا قيل هذا الموجود وهذا الموجود مشتركان في مسمى الوجود كان ما اشتركًا فيه لا يوجد مشتركًا إلا في الذهن لا في الخارج، وكل موجود فهو يختص بنفسه، وصفات نفسه لا يشركه غيره في شيء من ذلك في الخارج، وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن، فإذا وجد في الخارج لم يوجد إلا متميزًا عن نظيره لا يكون هو إياه ولا هما في الخارج مشتركان في شيء في الخارج، فاسم الخالق إذا وافق اسم المخلوق كالموجود والحي -وقيل إن هذا الاسم عام كلي وهو من الأسماء المتواطئة أو المشككة- لم يلزم من ذلك أن يكون ما يتصف به الرب من مسمى هذا الاسم قد شاركه فيه المخلوق، بل ولا يكون ما يتصف به أحد المخلوقين من مسمى هذا الاسم قد شاركه فيه مخلوق آخر، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، لكن ما يتصف به المخلوق قد يماثل ما يتصف به المخلوق ويجوز على أحد المثلين ما يجوز على الآخر.
وأما الرب ﷾ فلا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته، بل التباين الذي يينه وبين كل واحد من خلقه في صفاته أعظم من التباين الذي بين أعظم المخلوقات وأحقرها.
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص: ١- ٤.
[ ١ / ٦١٨ ]
وأما المعنى الكلي العام المشترك فيه فذاك كما ذكرنا لا يوجد كليًا إلا في الذهن. وإذا كان المتصفان به بينهما نوع موافقة ومشاركة ومشابهة من هذا الوجه فذاك لا محذور فيه، فإن ما يلزم ذلك القدر المشترك من وجوب وجواز وامتناع فإن الله متصف به، فالموجود من حيث هو موجود أو العليم أو الحي مهما قيل إنه يلزمه من وجوب وامتناع وجواز فالله موصوف به، بخلاف وجود المخلوق وحياته وعلمه فإن الله لا يوصف بما يختص به المخلوق من وجوب وجواز واستحالة، كما أن المخلوق لا يوصف بما يختص به الرب من وجوب وجواز واستحالة، فمن فهم هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة يعثر فيها كثير من الأذكياء الناظرين في العلوم الكلية، والمعارف الإلهية.
(ثم ذكر) القول الثاني من أقوالهم في الوجود الواجب وهو قول ابن سينا وأتباعه، وهو أنه الوجود المقيد بأن لا يعرض له شيء من الماهيات، وأطال الكلام في بيانه وما يرد وليس لنا غرض بذكره.
والمقصود؛ هو القول الأول الذي ذكرناه، وهو المطلق بشرط الإطلاق عن النفي والإثبات، وهو أكملها في التعطيل والإلحاد، وهو الذي قال به محصي الدين وأضرابه، وذكره في فصوصه مع أقوال أخر غاية في البشاعة، وهل يجوز لمتشرع أن يجعل من قال بقول القرامطة من الأولياء ويعترض على من اعترض عليه ويبدعه؟!
وقد نظم العلامة قاضي اليمن شرف الدين الشيخ إسماعيل بن أبي بكر المعروف بابن المقري الشافعي قصيدة غراء في أحوال من قال بوحدة الوجود وكتبهم فقال:
ألا يا رسول الله غارة ثائر غيور على حرماته والشعائر
يحاط بها الإسلام ممن يكيده ويرميه من تلبيسه بالبواتر
فقد حدثت في المسلمين حوادث كبار المعاصي عندها كالصغائر
حوتهن كتب حارب الله ربها
وغربها من غربين الحواضر
[ ١ / ٦١٩ ]
تجاسر فيها ابن العرابي واجترأ على الله فيما قال كل التجاسر
فقال بأن الرب والعبد واحد فربى مربوب بغير تغاير
إلى أن قال:
كما ضل في التهليل جهرًا بنفسه وإثباته مستجهلًا للمغاير
وقال الذي ينفيه عين الذي أتى به مثبتًا لا غير عند التحاور
فأفسد معنى ما به الناس أسلموا وألغاه ألغًا بينات التهاتر
فسبحان رب العرش عما يقوله أعاذ به من مثل هذي الكبائر
فقال عذاب الله عذب وربنا ينعم في نيرانه كل فاجر
وقال بأن الله لم يعص في الورى فما ثم محتاج لعاف وغافر
وقال مراد الله وفق لأمره فما كافر إلا مطيع الأوامر
وكل امرىء عند المهيمن مرتضى سعيد فما عاص لديه بخاسر
وقال يموت الكافرون جميعهم وقد آمنوا غير المفاجي المبادر
وما خص بالإيمان فرعون وحده لدى موته بل عم كل الكوافر
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن وإلا فصدقه تكن شر كافر
وأثنى على من لم يجب نوحًا إذ دعا إلى ترك ود أو سواع وناسر
وسمى جهولًا من يطاوع أمره على تركها قول الكفور المجاهر
ولم ير بالطوفان أغراق قومه ورد علي من قال رد المناكر
وقال بلى قد أغرقوا في معارف من العلم والباري لهم خير ناصر
كما قال فازت عاد بالقرب واللقا من الله في الدنيا وفي اليوم الآخر
وقد أخبر الباري لعنته لهم وإبعادهم فاعجب له من مكابر
وصدق فرعون وصحح قوله أنا الرب الأعلى وارتضى كل سامري
وأثنى على فرعون بالعلم والذكا وقال بموسى عجلة المتبادر
وقال خليل الله في الذبح واهم ورؤيا ابنه يحتاج تعبير عابر
يعظم أهل الكفر والأنبياء لا يعاملهم إلا بحط المقادر
ويثني على الأصنام خيرًا ولا يرى
لها عابدًا ممن عصى أمر آمر
[ ١ / ٦٢٠ ]
وكم من جراآت على الله قالها وتحريف آيات بسوء تفاسر
ولم يبق كفر لم يلابسه عامدًا ولم يتورط فيه غير محاذر
وقال سيأتينا من الصين خاتم من الأولياء للأولياء الأكابر
له رتبة فوق النبي ورتبة له دونه فاعجب لهذا التنافر
فرتبته العليا يقول لأخذه عن الله وحيًا بتوسيط آخر
ورتبته الدنيا يقول لأنه من التابعين للأمور الظواهر
وقال أتباع المصطفى ليس واضعًا لمقداره الأعلى وليس بحاقر
فإن يدن منه لاتباع فإنه يرى منه أعلى من وجوه أفاجر
يرى حال نقصان له في اتباعه لأحمد حتى جا بهذي المعاذر
فلا قدس الرحمن شخصًا يحبه على ما يرى من فتح هذي المخابر
وقال بأن الأنبياء جميعهم بمشكاة هذا تستضي في الدياجر
وقال فقال الله لي بعد مدة بأنك أنت الختم رب المفاخر
أتاني ابتداء بيض أسطر ربنا بإنفاذه في العالمين أوامري
وقال ولا تشغلك عني ولاية وكن كل شهر طول عمرك زائري
فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب لدينا فهل أبصرت يا ابن الأحافر
بأكذب من هذا وأكفر في الورى وأجرأ على غشيان هذي الفواطر
فلا يدّعي من صدقوه ولاية وقد ختمت فليأخذوا بالأقادر
فيا لعباد الله ما ثم ذو حجى له بعض تمييز بقلب وناظر
إذا كان ذو كفر مطيعًا كمؤمن فلا فرق فينا بين بر وفاجر
كما قال هذا إن كل أوامر من الله جاءت فهي وفق المقادر
فلم تنبعث رسل وسنت شرائع وأنزل قرآن بهذي الزواجر
أيخلع منكم ربقة الدين عاقل بقول غريق في الضلالة جائر
ويترك ما جاءت به رسل الهدى لأقوال هذا الفيلسوف المعاذر
فيا محسني ظن بما في فصوصه وما في فتوحات الشرور الدوائر
عليكم بدين الله لا تصحبوا غدًا
مساعر نار قبحت من مساعر
[ ١ / ٦٢١ ]
فليس عذاب الله عذبًا كمثل ما يمنيكم بعض الشيوخ المدابر
ولكن أليم مثل ما قال ربنا به الجلد إن ينضج يبدل بآخر
غدًا تعلمون الصادق القول منهما إذا لم تتوبوا اليوم علم مباشر
ويبدو لكم غير الذين يعدونكم بأن عذاب الله ليس بضائر
ويحكم رب العرش بين محمد ومن سن علم الباطل المتهاتر
ومن جا بدين مفتري غير دينه فأهلك أغمارًا به كالأباقر
فلا يخدعن المسلمين عن الهدى وما للنبي المصطفى من مآثر
ولا يؤثروا غير النبي على النبي فليس كنور الصبح ظلم الدياجر
دعوا كل ذي قول لقول محمد فما آمن في دينه بمخاطر
وأما رجالات الفصوص فإنهم يقومون في بحر من الكفر ظاهر
إذا راح بالربح المتابع أحمدا على هذه راحوا بصفقة خاسر
سيحكي لهم فرعون في دار خلده بإسلامه المقبول عند التحاور
ويا أيها الصوفي خف من فصوصه خواتم سوء غيرها في الخناصر
وخذ نهج سهل والجنيد وصالح وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر
على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ولا لحلول الحق ذكر لذاكر
رجال رأوا ما الدار دار إقامة لقوم ولكن بلغة للمسافر
فأحيوا لياليهم صلاة وبينوا بها خوف رب العرش صوم البواكر
مخافة يوم مستطير بشره عبوس المحيا قمطرير الظواهر
فقد نحلت أجسادهم وأذابها قيام لياليهم وصوم الهواجر
أولئك أهل الله فالزم طريقهم وعد عن دواعي الابتداع الكوافر
وكثير من أهل العلم ردوا على الشيخ محيي الدين، وبينوا خطأه فيما قال في الفصوص والفتوحات وسائر كتبه من المسائل المناقضة للشريعة، وسيأتي بعض ذلك إن شاء الله عندما يكرر النبهاني كلامه كما هي عادته، والله ينتقم منه، فهو الذي تسبب إلى الخوض في هذه المباحث المفروغ عنها، وأسأله تعالى أن يغفر لنا ولكافة المسلمين.
[ ١ / ٦٢٢ ]
وتشبيه النبهاني لشيخ الإسلام بابن حزم يفهم منه أنه لم يرتض ابن حزم وهو الشيخ الجليل الشأن، أوحد عصره في العلم والزهد، صاحب التصانيف المفيدة، وما كان ذنبه سوى بيان مفاسد الأشاعرة وأضرابهم، وكلامه على من خالف السنة، وربما صدر منه بعض الخطأ اجتهادًا.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معائبه
ولا ينبغي من مثل النبهاني من الجهلة أن يتجاسر على من يبارى أمامه في العلم والزهد، ولكنه قد اتخذ الوقاحة ديدنًا قالته الله ما أجهله وما أحمقه.
ويقال للنبهاني ثالثًا: إذ تصدى لمعارضة القصيدتين الفريدتين (إحداهما): للشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ ذي الفنون البديعة والمصنفات النافعة أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، وقد عارض بها الأبيات التي كتبها السبكي التي أنشدها لما وقع نظره على كتاب (منهاج السنة) واستعرت في قلبه نيران الحسد.
(والأخرى) للشيخ الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن جمال الدين يوسف الشافعي اليمني، رد فيها على السبكي فيما قاله في أبياته تلك من الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلا القصيدتين قد اشتملتا من الفصاحة والبلاغة على منتهاهما مع ما فيهما من الرد الوافي على السبكي، فلو رآهما لبقي مدة عمره يبكي، والقصيدتان طبعتا مع كتاب (منهاج السنة) فلا حاجة لنا في ذكرهما مع كون كثير من طلبة العلم يحفظونهما.
ما دخولك أيها النبهاني بين الفرسان؟ وأنت لا تقاوم لمزيد جهلك الصبيان؟ قد عارضت بزعمك القصيدتين، وأتيت بما لم يتكلم به ابن يومين، أين السمك من السماك؟ وأين الحصى من درر الأسلاك؟ وأين نار الحباحب من بدور الأفلاك؟ قد مثلت ولكن كما مثل النجوم الماء، وكما انعكس في الغدير لون السماء، لقد حكيت ولكن فاتك الشنب، وفي الخمر معنى ليس يدرك من العنب.
[ ١ / ٦٢٣ ]
واعلم أيها الناظر أن الشعراء على أربع طبقات جمعها بعض أهل الأدب من العلماء في قوله:
الشعراء فاعلمن أربعه فشاعر لا ترتجى لمنفعه
وشاعر ينشد وسط المجمعه وشاعر يقال حمر في دعه
وشاعر آخر لا يجرى معه
وقد قيل: لا يزال المرء مستورًا وفي مندوحة ما لم يصنع شعرًا أو يؤلف كتابًا، لأن شعره ترجمان علمه، وتأليفه عنوان عقله.
وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقًا
وإنما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس إن كيسًا وإن حمقا
وقال محمد بن مناذر وكان إمامًا في الفضل والأدب:
لا تقل شعرًا ولا تهمم به فإذا ما قلت شعرًا فأجد
وقال دعيل الخزاعي:
سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ويكثر من أهل الرواية حامله
يموت رديء الشعر من قبل أهله وجيده يبقى وإن مات قائله
وقالوا أيضًا: الشعراء أربعة: فشاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مفلق وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره، وشاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة، وشعرور وهو لا شيء.
وقيل: بل هم شاعر مفلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور. والمفلق هو الذي يأتي في شعره بالفلق وهو العجب، وقيل: الفلق الداهية، قال الأصمعي: فالشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران سماه بذلك امرؤ القيس، وقال بعضهم شاعر وشويعر وشعرور، وقال العبدي في شاعر يدعى الشويعر من بني
[ ١ / ٦٢٤ ]
هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد:
وقد يعرض الشعر البكي لسانه وتعيى القوافي المرء وهو لبيب
والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحدًا ما صنعه فكتمه ولو كان رديًا، وإنما ذلك لسروره به وإكباره إياه، وهذه زيادة في فضل الشعر وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس، ومن نظر لشعر النبهاني ممن له ذوق وسليقة علم أن الرجل ليس بشعر ولا شويعر ولا ولا، لأنه مفلس من كل فضيلة، وتبين له من نظمه أنه لا يعلمه، وأنه قد زلت به إلى الحضيض قدمه، من ذلك قوله في أول قصيدته وهو أحد المواضع التي يجب التأنق فيها والاعتناء بشأنها:
فإن تعن ثعلبًا يسطو على أسد أو تخذل الليث لا يقوى لثعلبه
فانظر إلى قوله: فإن تعن ثعلبا؛ ما أقبح وقعه في هذا المقام، وقد خاطب الملك العلام، وقد رضي أن ينزل هو بمنزلة الثعلب وهو كلب من الكلاب، ويكفيه ذلك سخافة لعقله وفضيحة بين أولي الألباب، ولو أخذنا نناقشه بمثل هذه الكلمات لطال الكلام في هذا المقام وضاع المقصود وفات، وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس، ولا طراءة ولا دنس، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها، وستوقها ومفرغها ومنه البصر بأنواع المتاع وضروبه وصنوفه مع تشابه لونه ومسه وذرعه واختلاف بلاده، حتى يرد كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه، وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، لطيفة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار، أو بمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار، أو بألفي دينار، ولكن لا يجد واصفها مزيدًا على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر، فتي السن، نقي من
[ ١ / ٦٢٦ ]
العيوب، فيكون بخمسين دينارًا أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار أو أكثر، وتكون هذه صفتها أيضًا، ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء أنه لندي الحلق، طويل الصوت، طويل النفس، مصيب اللحن، ويوصف الآخر أو الأخرى بهذه الصفة وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك أهل العلم به عند المعاينة والاستماع بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه، وإن كثرة المدارسة لتعين على العلم به، وكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به.
وقال بعض الحذاق: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هي شيء يقع في النفس عند المميز، كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه.
والمقصود أن قصيدة النبهاني التي زعم أنه عارض بها القصيدتين ليست من الشعر في شيء، إنما هي ألفاظ خالية من المعاني، وقد ذكرنا لك بيت قصيده وهو قوله: فإن تعن ثعلبًا البيت. وهو كلام ليس عليه طلاوة، ولا يدرك له حلاوة، ومعناه معنى مغسول، بل كله حشو وفضول، فقبحه الله وقبح شعره.
وما تضمنته قصيدته من إنكار صفة العلو لله تعالى وادعاء جواز الاستغاثة بغير الله تعالى سبق البحث عنه والكلام فيه بما لا مزيد عليه، وسيأتي أيضًا تتمة للكلام عن الاستغاثة إن شاء الله تعالى.
قال النبهاني: ومن كتب الإمام ابن تيمية (كتاب العرش) قال في (كشف الظنون) ذكر فيه أن الله ﷾ يجلس على العرش، وقد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ، كما ذكر ذلك أبو حيان في النهر عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١ وقال: قرأت في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه، انتهت عبارة "كشف الظنون". ثم نقل عن الزبيدي أنه قال في "شرح الإحياء"- عند قول الإمام الغزالي في عقيدته قواعد العقائد- الأصل الثامن: العلم بأن الله تعالى مستوٍ على العرش، قال: قال تقي
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٥.
[ ١ / ٦٢٧ ]
الدين السبكي و(كتاب العرش) من أقبح كتب ابن تيمية.. إلخ. ثم نقل نص (جلاء العينين) في تبرئة الحنابلة عن القول بالجسمية، وما نقله العلامة الكوراني في ذلك، ثم اعترض النبهاني على ذلك بما كشف به عن حقيقة جهله، وأنه لم يعرف من العلم شيئًا، ثم هذى هذيانًا في هذا الباب كرره عدة مرات.
والجواب: أن يقال للنبهاني: هذا المطلب من المطالب العالية، وقد أشبعنا الكلام عليه سابقًا عند الكلام على رسالته التي زعم أنه رد بها على من يقول بصفة العلو، وأن النبهاني ليس من رجال هذا الميدان، وأنه ظالع ولا يدرك الظالع شأو الضليع، وفي (جلاء العينين) كلام أيضًا مفصل في هذا الباب يكتفي بمثله الفطن اللبيب، وفيه نبذة من كلام شيخ الإسلام في (كتاب العرش) وهو الكتاب الذي لم يؤلف مثله في هذا الموضوع وفي ذلك ما يكذب ما نقله النبهاني عن الزبيدي وغيره. والسبكي حاله في النقل معلوم، وهذه كتب شيخ الإسلام في كل فن بين الأيدي والحمد لله، ففي أي كتاب قال: إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ؟ وفي أي كتاب رآه أبو حيان من كتب الشيخ.
والحاصل: أن مثل هذا النقل يجب على الناقل تصحيحه كما هو مقتضى قوانين المناظرة، وبعد التصحيح نتكلم عليه، وكيف يمكن تصحيحه وكتب الشيخ مصرحة بخلافه كما لا يخفى على من تتبع كتبه وأقواله.
قال شيخ الإسلام- قدس الله روحه-: "ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، قال: كما
[ ١ / ٦٢٨ ]
تنازع الناس في الجهة، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا كما أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات، وكذلك يقال لمن قال الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل، وكذلك لفظ المتحيز إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات قالته أعظم وأكبر، قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"٢. وفي حديث ابن عباس ﵁: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"٣. وفي حدث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة". قال: وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها ومنفصل عنها ليس حالًا فيها فهو سبحانه- كما قال أئمة السنة-: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكره في التدمرية
وقال شيخ الإسلام في "التدمرية" أيضًا: أما علوه تعالى ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٧. ٢ أخرجه البخاري (٧٣٨٢) ومسلم (٢٧٨٧) . ٣ انظر "الصحيحة": رقم (١٠٩) .
[ ١ / ٦٢٩ ]
الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ١ فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فتعالى الله وتقدس، فهذا خطأ في مفهوم استوائه تعالى على العرش حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان، فإنه ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى كما ذكر أنه قدر فهدى، فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق ولا عامًا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته.
وقد علم أنه تعالى الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، فكيف يجوز أن يتوهم أنه تعالى إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه أو ظنه ظاهر اللفظ أو جوزه على رب العالمين الغني عن الخلق المجيد المتعال؟ انتهى.
وقد ذكر في تفسير آية الكرسي- وهو مجلد كبير- مثل ذلك، وهكذا في كثير من كتبه، ولم نر في شيء من كتبه ما نقله النبهاني الأفاك أنه قال إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ، بل ولا ذكره أحد ممن ينتمي إليه من تلامذته وأصحابه، كالحافظ ابن القيم، وكتبه ها هي بين الأيدي، وكالحافظ الذهبي وكتبه في البلاد والأقطار منتشرة، وكالحافظ الإمام ابن قدامة، وكالحافظ ابن كثير، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، والعجب ممن لا يلتفت إلى صريح كلامه ونص عبارته، ويعتبر ما يسمعه من أفواه خصومه وأعدائه، كابن حجر المكي والسبكي والزبيدي ونحوهم من الغلاة، وترى هؤلاء
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١٢- ١٣.
[ ١ / ٦٣٠ ]
يدافعون عن بعض المتصوفة وقد تكلموا بكلمات الكفر، فيجهدون كل الجهد في تأويلها، ويتعسفون في تصحيحها، ويحتجون على ذلك بأنهم تكلموا أحيانًا بما يوافق الحق، حتى أني تكلمت يومًا مع بعض الغلاة فيما قاله صاحب الفصوص والفتوحات من الكلمات المصرحة بالحلول والاتحاد، وذكرت له ما قاله فيها العلامة السعد التفتازاني، والشيخ علي القاري، والشيخ محمد البخاري وغيرهم. فقال: إن هؤلاء لم ينصفوا، فإن صاحب الفصوص قد صرح بعقيدة الإسلام في كثير من كتبه، فمن الواجب أن نصرف ما نسمع من كلامه المخالف للحق إلى ما يوافقه، ونحمله على محمل حسن، كما أولوا قوله: سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها؛ أي: عين وجودها الماسك لها، ونحو ذلك صيانة لهؤلاء الكمل من الوقيعة فيهم. فقلت: فما قولك في مسلم يصلي ويصوم ويزكي ويحج البيت وقد تكلم بالكفر هل تؤوّل كلامه وتصرف عنه موجب الكفر؟ أم تقول بما قاله الفقهاء في كتاب الردّة؟ ثم إنكم لم تذبوا عن ابن تيمية وتعتذروا عنه بمثل ما اعتذرتم عن شيخكم، وقد ملأ الكتب من الإيمان بالته ورسوله ﷺ، وتتشبثون بالقدح فيه بما زوره عليه أئمتكم مما لا وجود له في كتبه ولا كتب أصحابه، فكان من الواجب عليكم أنه إذا ثبت عنه شيء مذكور في كتبه أن تجتهدوا في حمله على محمل حسن، ولم تشتموه كما شتمه أئمتكم وأسلافكم، فلم يجب بشيء وأعرضت عن مكالمته.
ثم إن الذي نقلناه عنه مما هو مذكور في كتاب العرش، وتفسير آية الكرسي، والتدمرية، وغير ذلك من كتبه قد قال به السلف، وصرح به كثير من المتأخرين أيضًا.
قال الإمام أبو العباس عماد الدين أحمد الواسطي الصوفي المحقق العارف تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله سرهما، وهو الذي قال فيه شيخ الإسلام إنه جنيد زمانه- في رسالته "نصيحة الإخوان" ما حاصله: أن الله ﷿ كان ولا مكان، ولا عرش ولا ماء، ولا فضاء ولا هواء، ولا خلاء ولا ملاء، وأنه كان منفردًا في قدمه وأزليته، متوحدًا في فردانيته، لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء
[ ١ / ٦٣١ ]
غيره، وهو تعالى سابق التحت والفوق اللذين هما جهتا العالم، وهو لا زمان له تعالى، وهو تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته، فلما اقتضت الإرادة المقدسة خلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت لكونه مربوبًا مخلوقًا، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو تعالى فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته، إذ لا فوق فيها ولا والرب ﷾ كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته لم يحدث له في ذاته ولا في صفاته ما لم يكن في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان لما أحدث المربوب المخلوق، ذا الجهات والحدود والخلا والملا، ذا الفوقية والتحتية؛ كان مقتضى حكم العظمة والربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه بشيء يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنة أو من جهة اليسرة، بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو والفوقية، ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وأسفله، فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة، وتقع على عظمة الله تعالى كما يليق به، لا كما يقع على الحقيقة المحسوسة عندنا في أعلى جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات، إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له ﷾ في قدمه، لكن لم يظهر حكمها إلا بعد خلق العرش، كما أن الحساب صفة قديمة لا يظهر حكمها إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.
قال: فإذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه- حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة، والاستواء بالاستيلاء- فنحن أشد الناس هربًا من ذلك، وتنزيهًا للباري تعالى عن الحد الذي لا يحصره، فلا يحد بحد يحصره، بل بحد تتميز به عظمة ذاته عن مخلوقاته، والإشارة إلى الجهة إنما هي بحسب الكون وأسفله، إذ لا تمكن الإشارة إليه إلا هكذا، وهو في قدسه سبحانه منزه عن صفات الحدث،
[ ١ / ٦٣٢ ]
وليس في القدم فوقية ولا تحتية، وإنما من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوقه، فتقع الإشارة إلى العرش حقيقة إشارة معقولة، وتنتهي الجهات عند العرش، ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم، فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملًا مثبتًا لا مكيفًا ممثلًا.
قال: فإذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبهة التأويل، وعماية التعطيل، وحماقة التشبيه والتمثيل، وأثبتنا علو ربنا وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدر ينشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة، مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وغي، مع كون الرب وصف نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها، فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك.
قال: وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف، فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. انتهى.
وذكر شيخ الإسلام في كتابه في العرش كلامًا مفيدًا أحببنا نقله في هذا المقام إكمالًا للفائدة ما حاصله: "اختلف في العرش هل هو كري كالأفلاك فيكون محيطًا بها، وأما أدق يكون فوقها وليس هو كريًا، فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل أن الجهة العليا هي جهة المحيط وهو المحدد، وأن الجهة السفلى هي المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان وليس لها في نفسها صفة لازمة، بل هي بحسب الإضافة فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس، والبهائم، والشجر، والنبات، والجبال، والأنهار الجارية. فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر
[ ١ / ٦٣٣ ]
محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحد لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت القطب الجنوبي ولا بالعكس.
وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلًا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي سمى عرض البلد.
فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها، وهو فوقها مطلقًا، فلا يتوجه الإنسان إليه وإلى ما فوقه إلا من العلو من جهاته الباقية، ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من غير جهة العلو كان جاهلًا باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه، وغاية ما يقدر أن يكون كري الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا.
قال ابن عباس ﵄: "ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وهذا الأثر وأمثاله معروف في كتب الحديث.
قال شيخ الإسلام: ومن المعلوم أن الواحد منا- ولله المثل الأعلى- إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته، فهو في الحالين مباين لها، والعرش- سواء كان هذا الفلك التاسع الذي هو الفلك الأطلس عند الفلاسفة ويسمونه الفلك الأعظم وفلك الأفلاك، أو كان جسمًا محيطًا بالفلك التاسع أو كان فوقه من جهة وجه الأرض- غير محيط فيجب على كل حال أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق
[ ١ / ٦٣٤ ]
في غاية الصغر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١.
وفي ذلك من الأحاديث ما سيأتي ذكر بعضها، وسواء قدر أن العرش محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها، أو قيل إنه فوقها وليس محيطًا بها كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك، فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق ﷾ فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت".
ثم قال شيخ الإسلام في آخر (كتاب العرش): "قد تبين أنه ﷾ أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وأنها أصغر عنده من الحمصة أو الفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار والكرة التي يلعب بها الصبيان ونحو ذلك في يد إنسان أو تحته أو نحو ذلك هو يتصور عاقل- إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به- أن يكون الإنسان كالفلك، فالله تعالى- وله المثل الأعلى- أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون" انتهى.
وقد تبين من هذه النقول أن البحث دقيق، فلهذا لم يفهمه كثير من أهل العلم فضلًا عن النبهاني، فكلامه الذي اقتضى إعادة القول، فاللوم عليه لا علينا، والله الموفق.
هذا آخر الجزء الأول من كتاب (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ونسأله تعالى التوفيق لإكماله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
(وكان الفراغ منه على يد مؤلفه في رمضان سنة ١٣٢٥) .
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٧.
[ ١ / ٦٣٥ ]