اعلم أن ما كان من النبهاني وغيره- ممن هو على شاكلته- من القدح والاعتراض على أولئك العلماء الأجلة- بسبب انتصارهم لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، وتوجيههم لكلامه، ورد اعتراضات الخصوم والذب عنه- ظنا منهم أن المنتصرين للحق وأهله هم الذين عرفوهم من أناس معدودين، وليس الأمر كما زعموا، بل إن في كل عصر أناسا يعرفون الحق وبه يعدلون، تصديقًا لقوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم". وهؤلاء هم حفظة الدين، وخصوم المبتدعين، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا
[ ٢ / ١٥٣ ]
عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
ثم إن المنصفين من أهل العلم في كل عصر لا يحيط بهم نطاق الحصر، ونحن نذكر منهم بحض من وقفنا على قوله في شيخ الإسلام، وما رآه فيه من الأحكام، ليعلم المنصف أن مصنف "جلاء العينين" ليس بدعًا فيما صنفه حتى صار غرضًا لسهام ملام النبهاني وأمثاله من الغلاة، وفتحوا عليه أفواهًا كأفواه الكلاب عند التثاؤب، بل كم قد سبقه من إمام همام، وعلماء أعلام، وها نحن ذاكرون بحوله تعالى منهم بعض الأكابر، الذين تعقد عند ذكرهم الخناصر، ليتحلى عاطل جيد هذا الكتاب بدرر ما لهم من المناقب والمآثر، وغرر ما كانوا عليه من المفاخر، فنقول:
[ ٢ / ١٥٤ ]