سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث بالله فيه، وأن من نفى الاستغاثة بالنبي ﷺ يكفر، لأنه نقص من قدره وما يستحقه، إلى آخر ما قال.
فأجاب شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "الحمد لله رب العالمين، لم يقل أحد من المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا بملك ولا صالح ولا غير ذلك، بل هذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه، ولم يقل أحد أن التوسل بشيء هو الاستغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم نتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما
يطلب
[ ٢ / ٣٤٩ ]
به، وكل أحد يفرق بين المدعو به والمدعو، والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة، والاستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّين﴾ ١ وقال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢ وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٣ وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله.
ولهذا كان المسلمون يستشفعون بالنبي ﷺ ويستسقون به ويتوسلون به، كما في صحيح البخاري "أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"٤. وفي سنن أبي داود: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه"٥. فأقره على قوله ونستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك، وقد اتفق المسلمون على أن نبينا ﷺ شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وعند الوعيدية إنما يشفع في زيادة الثواب.
وقول القائل: إن من قال أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغيث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على التصرف به، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٧٢. ٢ سورة القصص: ١٥. ٣ سورة المائدة: ٢. ٤ تقدم تخريجه. ٥ تقدم.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
مثل ذلك، ولو قال قائل لمن يستغيث به أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد أنه استغاث بمن توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله.
ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال، والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ سواء سمي استغاثة أو لم يسم لا يعلم أحد من السلف فعله، ولا يروي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع.
وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذي وغيرهما؛ "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال له النبي ﷺ توضأ وصل ركعتين وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ، وفي لفظ: أتوسل إليك بنبيك، يا محمد إني أتشفع إليك في رد بصري اللهم شفعه فيّ". فعلم أن النبي ﷺ شفع له فسأل الله أن يشفعه فيه، وقال له النبي ﷺ: "إن كان لك حاجة فمثل ذلك" فرد الله بصره، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ عز الدين بن عبد السلام التوسل به.
وللناس في معنى ذلك قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فأسقنا فيسقون". فقد ذكر أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه ويكون وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة به بعد موته ولا في مغيبه، والنبي كان في مثل ذلك شافعًا داعيًا.
القول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته ومغيبه وحضرته، ولم يقل أحد من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية وليست أدلتها جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها، واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا
[ ٢ / ٣٥١ ]
يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح، وليس ذلك من مسائل السبب.
وأما من قال: إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله- فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لاسيما مع قول النبي ﷺ: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
وأما من قال مالا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون- لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلق، كما قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".
وإذا نفى الرسول ﷺ عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدوق في ذلك كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيمًا له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح بإخباره عن نفسه بالعبودية تعظيمًا له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، والله أعلم".
ففي كلام الشيخ ما يرد على النبهاني من وجوه كثيرة، فإن النبهاني لم يفرق في شبهه التي أوردها بين التوسل والاستغاثة والصلاة على النبي ﷺ، حيث جعل كلا من التوسل والصلاة التي ذكرها العلماء في أحزابهم استغاثة، وقال إن العلماء استغاثوا برسول الله ﷺ، ولم يفرق أيضًا بين قسمي الاستغاثة اللذين ذكرهما الشيخ.
والحاصل: أن في كلام الشيخ ما يرد على القبوريين من وجوه:
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الوجه الأول: أن قول الشيخ: وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن يريد بالتوسل ما ذكره هو في كلامه، لا يريد التوسل في عرف النبهاني وعباد القبور، وهو دعاء المخلوق والاستغاثة به، وإنما يريد به سؤال الله تعالى أن يشفع عبده فيه بإجابة دعائه لهذا السائل، وأرشده في هذا التوسل إلى الله بالصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية، وأن يوحده بالدعاء والمسألة في أن يقبل شفاعة نبيه أي دعاءه له، وهذا ليس الكلام فيه، وليس من توسل عباد القبور، وتقدم قول الشيخ أن هذا لا يسمى استغاثة، وفرق بين التوسل والاستغاثة.
الوجه الثاني: أن الذي رجح الشيخ ومن وافقه من المحققين أن هذا خاص في حياته، لأن المقصود به شفاعته بالدعاء، كما كان يستغفر لأصحابه ويدعو لهم، وهذا هو الذي فهمه الفاروق، وناهيك به، فإنه قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا" وهو ﷺ كان يدعو لهم فتجاب دعوته، وبعد موته لا يشرع طلب الدعاء منه، لأن عمر عدل إلى العباس ولم ينكره منكر، ولم يذهب إلى القبر الشريف أحد من أفاضل الأمة وأكابرها، مع أن قبره ﷺ بين ظهرانيهم، وهذا اتفاق على تصويب عمر ومتابعته، وهذا من باب التنزل، وإلا فعدم مشروعية هذا في سائر الكتب السماوية معلومة من الدين بالضرورة.
الوجه الثالث: أن الحديث إن صح فهو مخصوص بالنبي ﷺ عند من قال بالجواز كابن عبد السلام، فسؤال الله بغيره لم يقل به أحد ممن حكى الشيخ قولهم بالجواز، قال الشيخ: ولا يعلم أحد من السلف فعله، ولا روي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع، وعباد القبور يسألون الله بجاه من اعتقدوا فيه، بل آل الأمر إلى أن يسأل الله تعالى بجاه كل من رفع قبره وجعلت عليه قبة، بل وبالبله والمجانين الذين يعتقدهم عباد القبور.
[ ٢ / ٣٥٣ ]