قد مرت الإشارة إلى ذلك في كلام الأئمة وقول العلامة ابن الزملكاني: "لقد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد".
وتقدم قول الحافظ الذهبي: "وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلد".
وقال الشيخ ابن عبد الهادي بن قدامة: "للشيخ رحمه الله تعالى من التصانيف والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط ". قال: ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأئمة ولا متأخريهم جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيرًا منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
فمن ذلك ما جمعه في التفسير وما جمعه من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم، وذلك أكثر من ثلاثين مجلدًا، وقد بيّض أصحابه بعض ذلك وكثير منه لم يكتبوه ولو كتب كله لبلغ خمسين مجلدًا، وكان رحمه الله تعالى يقول: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله تعالى الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم فهّمني".
وقال أبو حفص عمر البزار في "المناقب ": "وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، بل هذا لا يقدر عليه أحد، لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا وهي منتشرة في البلدان، فقلَّ بلد نزلته إلا ورأيت من تصانيفه، فمنها ما يبلغ عشرين مجلدًا كتخليس التلبيس من تأسيس التقديس، وما يبلغ سبع مجلدات كالجمع بين الحقل والنقل، وما يبلغ ست مجلدات ككتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، وما يبلغ خمس مجلدات كمنهاج الاستقامة والاعتدال، وما يبلغ أريع مجلدات ككتاب الرد على طوائف الشيعة والقدرية، رد على ابن المطهر الرافضي، وبين جهل الرافضة وضلالتهم وكذبهم، وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى، ومجلدين كنكاح المحلل، وإبطال الحيل، وشرح عقيدة الأصبهانية، وما يبلغ مجلدًا فكثير جدًا، ككتاب تفسير سورة الإخلاص مجلد، وكتاب الكلام على قوله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مجلد نحو خمس وثلاثين كراسة، والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، وكتاب المسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة الاتحادية، وتنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل مجلد، وله في الرد على الفلاسفة مجلدات، وقال: الفروع أمرها قريب فمن قلّد أحدًا من الأئمة جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول فقد رأيت أهل البدع والضلال تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم فلذلك أكثرت من التصنيف في الرد عليهم.
وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول، وله من الرسائل والقواعد والتعاليق
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ما لا يمكن حصره، وقد ذكر كثيرًا منها الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة، وقال منَّ الله تعالى على الشيخ بسرعة الكتابة ويكتب من حفظه من غير نقل. قال: وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر وأحصي ما كتبه في يوم وبيضه فكان ثماني كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على السؤال الواحد مجلدًا، وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة وستين فكثير جدًا، وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل فهي أكثر من أن تحصى، لكن دون منها بمصر على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدًا، وهذا ظاهر مشهور، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إيراد مثله.
وقال الشيخ صالح تاج الدين محمد: حضرت مجلس الشيخ ﵁ وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر وقد نظمها شعرًا في ثمانية أبيات، فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرًا، فلما فرخ تأمله من حضر عن أصحابه فإذا هو نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا، وقد أبدى فيها عن العلوم ما لو شرح لبلغ مجلدين كبيرين، وهذا من جملة بواهره، وكم له من جواب فتوى لم يسبق إلى مثله.
وأما سعة حفظه وقوة ملكته؛ فقد تقدم التنبيه عليه كثيرًا في كلام الأئمة، وقد أذعن له بذلك المخالف والموافق.
وقال ابن عبد الهادي بن قدامة: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت أن في هذه البلاد صبيًا يقال له أحمد بن تيمية سريع الحفظ وقد جئت قاصدًا لَعَلّي أراه، فقال له خياط هذه طريق كتابه وهو إلى الآن ما جاء فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهبًا إلى الكتاب، فلما مر قيل ها هو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ وأخذ منه اللوح وكتب له من متون الحديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه ثم قال:
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أسمعه علي فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما يكون، ثم كتب عدة أسانيد انتخيها فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله، فكان كما قال.
وقال الحافظ أبو حفص: كان ابن تيمية إذا شرع في الدرس يفتح الله عليه أسرار العلوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء، ونص بعضها وتبيين صحتها، وتزييف بعضها، وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب، وهو مع ذلك يجري كما يجري التيار، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضًا عينيه، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول.
ومن أعجب الأشياء في حقه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة، وذكر فيها الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه، وذكر أسماء الكتب التي ذكر ذلك فيها، وفي أي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه، ونقبت واعتبرت فلم يوجد بحمد الله فيها خلل ولا تغيير.
وأما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فإنه في ذلك من الجبال التي لا ترتقي ذروتها ولا ينال سنامها، فقلَّ إن ذكر له قول إلا وقد أحاط علمه بمنكره وذاكره وناقله، أو راو إلا وقد عرف حاله من جرح وتعديل بإجمال وتفصيل.
وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه به من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل منها على المسائل وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه وإيضاح المخصص للعام والمقيد للمطلق والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وما يترتب عليها وما يحتاج فيه إليها فمما لا يوصف، حتى كان إذا ذكر آية أو حديثًا وبيّن معانيه وما أريد به يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه، ولقد سئل يومًا عن حديث: " لعن
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الله المحلل والمحلل له" ١فلم يزل يورد فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلدًا كبيرًا، وقل أن يذكر له حديث أو حكم إلا وتكلم عليه يومه أجمع، أو تقرأ بحضرته آية من كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها إلا وقضى المجلس كله فيه.
وأما ما خصه الله تعالى من معارضة أهل البدع في بدعهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، ومبالغته في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم، وتبديد شملهم وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضاتهم النفسانية، بما منحه الله تعالى به من البصائر الرحمانية، والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية؛ فمن العجب العجيب.
ذكر هذا كله الحافظ أبو حفص عمر البزار، وقال: الحمد لله الذي مَنَّ علينا برؤيته وصحبته، ولقد جعله الله حجة على أهل عصره.
وأنا أقول: الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحبته، واعتقاد أنه ممن تمسك بالكتاب والسنة، والقيام بنصرهما والذب عنهما، فالله تعالى يرحمه رحمة واسعة وينفعنا به آمين.
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٨، ٤٦٢) والنسائي (٦/ ١٤٩) والترمذي (١١٢٠) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود. وفي الباب عن غيره من الصحابة؛ انظر: "إرواء الغليل" (٦/ ٣٠٧/١٨٩٧) .
[ ٢ / ٢٠٧ ]