وفيه بعد البسملة والحمدلة: اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمر بالقوة والقهر، وشيدت لهم ذكرًا وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخرًا وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جبرًا فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أسرًا، وأعل لهم مجدًا، وارفع لهم قدرًا، وزدهم عزًا وعلى أعدائهم نصرًا، وامنحهم توفيقًا مسددًا وتمكينًا مستمرًا.
وبعد؛ فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحي العراقية التضييق على شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية سلمه الله تعالى عظم ذلك على المسلمين، وشق على ذوي الدين، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين، ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه النازلة من شماتة أصحاب البدع، وأهل الأهواء بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء أنهوا حال
[ ٢ / ٢٥٨ ]
هذا الأمر الفظيع والحال الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية- زادها الله شرفًا- وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلمه الله تعالى في فتاواه، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك بين يدي مولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، غيرة منه على هذا الدين، ونصيحة للإسلام وأمراء المسلمين، والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم، لأنها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم.
قلت: والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها له أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة، ولم أقف على ذلك، وهذه الأجوبة والكتب وصلت كلها إلى دمشق.
ثم إن الشيخ ﵀ استمر مقيمًا بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا إلى أن توفي، وما زال في تلك المدة معظمًا مكرمًا، يكرمه نقيب القلعة ونائبها إكرامًا كثيرًا، ويقضيان حوائجه ويبالغان في قضائها، وما برح في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن جملة كثيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعاني لطيفة، وبين في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلق من علماء أهل التفسير، وكتب في المسألة التي حبس بسببها عدة مجلدات، منها كتاب في الرد على الأخنائي قاضي المالكية، ومنها كتاب كبير حافل في الرد على بعض قضاة الشافعية، وأشياء كثيرة في هذا المعنى، وكان ما صنفه في هذه المدة قد خرج بعضه من عنده وكتبه بعض أصحابه وظهر واشتهر، فلما كان قبل وفاته بشهر ورد مرسوم بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورق ولا دواة ولا قلم، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه كتبها بفحم، ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق حمل إلى القاضي علاء الدين القونوي وجعل تحت يده في المدرسة العادلية.
[ ٢ / ٢٥٩ ]