فالخواص مِنْهُم متفقون على امْتنَاع وجود الانفس قبل الْأَبدَان وَأَنه لَا وجود لَهَا إِلَّا عِنْد وجود الْأَبدَان وسلكوا فِي ذَلِك طَرِيقا شَدَّدُوا بِهِ النكير على من قَالَ مِنْهُم بقدمها قَالُوا لَو فرض قدم النَّفس على الْبدن لم يخل إِمَّا أَن تكون متكثرة أَو متحدة لَا جَائِز أَن تكون متكثرة إِذْ التكثر من غير مُمَيّز حَال وكل مَا يفْرض من الفواصل والمميزات قبل وجود الْأَبدَان محَال وَلَا جَائِز أَن تكون متحدة وَإِلَّا فَعِنْدَ بَدْء الْأَبدَان ووجودها بِالْفِعْلِ إِمَّا أَن تبقى متحدة أَو تتكثر لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهَا تبقى متحدة وَإِلَّا فنسبتها إِلَى بدن وَاحِد أَو كل الابدان لَا جَائِز أَن تكون نسبتها إِلَى بدن وَاحِد دون غَيره من الْأَبدَان إِذْ لَا أَوْلَوِيَّة ثمَّ وَإِن ذَلِك يفضى إِلَى تَعْطِيل باقى الْأَبدَان عَن الْأَنْفس وَهُوَ محَال
[ ٢٩٣ ]
فَإِن قيل نسبتها إِلَى كل الْأَبدَان مَعَ كَونهَا متحدة فَهُوَ أَيْضا مُمْتَنع وَإِلَّا فَيلْزم أَنَّهَا إِذا علمت شَيْئا أَو جهلته أَن يشْتَرك النَّاس بأسرهم فِيهِ لاشتراكهم فِي نفس وَاحِدَة وَلَا جَائِز أَن يُقَال بتكثرها عِنْد وجود الْأَبدَان لِأَن تكْثر مَا لَا يقبل التكثر والانقسام أَيْضا محَال وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا هى لَازِمَة من فرض وجود الْأَنْفس قبل وجود الْأَبدَان فَلَا وجود لَهَا قبلهَا
فعلى هَذَا مَا ذَكرُوهُ فِي امْتنَاع لُزُوم فَوَات النَّفس من فَوَات الْبدن لَو قلب عَلَيْهِم فِي طرف لُزُوم وجودهَا من وجوده لم يَجدوا إِلَى الِانْفِصَال عَنهُ سَبِيلا وَذَلِكَ أَن يُقَال كل شَيْئَيْنِ لزم وجود أَحدهمَا من وجود الآخر لَا بُد وَأَن يكون بَينهمَا علاقَة وارتباط وَذَلِكَ التَّعَلُّق إِمَّا على سَبِيل لُزُوم تقدم أَحدهمَا على الآخر أَو على سَبِيل التكافؤ فِي الْوُجُود فَلَو لزم وجود النَّفس من وجود الْبدن لَكَانَ بَينهمَا تعلق على النَّحْو الْمَذْكُور وَمَا ذَكرُوهُ من المحالات اللَّازِمَة من فرض فَوَات النَّفس بِفَوَات الْبدن تكون إِذْ ذَاك بِعَينهَا لَازِمَة هَهُنَا فَمَا هُوَ الْجَواب عَنْهَا فِي لُزُوم الْوُجُود هُوَ جَوَابنَا فِي لُزُوم الْفَوات من الْفَوات
فَإِذا لَا استبعاد فِي لُزُوم فَوَات النَّفس من فَوَات الْبدن وَلَا مَانع من أَن يكون وجود الْبدن فِي كل حِين شرطا لوحودها كَمَا كَانَ وجوده ابْتِدَاء شرطا فِي ابْتِدَاء وجودهَا وَمَا حصل لَهَا من المميزات والمخصصات عِنْد وجود الْأَبدَان حَتَّى قيل بتكثرها ووجودها بِنَاء عَلَيْهَا فَلَا محَالة أَنَّهَا بأسرها تفوت بِفَوَات مَا أوجبهَا وَلَو جَازَ القَوْل بوجودها وتكثرها بعد
[ ٢٩٤ ]
الْأَبدَان لما كَانَ لَهَا من النّسَب إِلَيْهَا لجَاز القَوْل بتكثرها ووجودها قبل وجود الْأَبدَان لما ستنسب إِلَيْهَا ثمَّ وَلَو قدر أَن فَوَاتهَا غير لَازم من فَوَات الْبدن لَكِن لَا مَانع من أَن يكون فَوَاتهَا مُسْتَندا إِلَى إِرَادَة قديمَة اقْتَضَت عدمهَا عِنْد فَوَات الْبدن كَمَا اقْتَضَت وجودهَا عِنْد وجوده إِذْ قد بَينا أَن كل كَائِن فَاسد فإسناده إِنَّمَا هُوَ إِلَى إِرَادَة قديمَة لَا إِلَى طبع وعله
وَمَا ذكر من امْتنَاع قيام قوى الْقبُول للكون وَالْفساد بِالنَّفسِ فَإِنَّهُم إِن فسروا الْقُوَّة الْقَابِلَة للكون بِإِمْكَان الْكَوْن وَالْقُوَّة الْقَابِلَة للْفَسَاد بِإِمْكَان الْفساد وفلا محَالة ان معنى كَون الشئ مُمكنا أَن يكون وممكنا أَن يفْسد لَيْسَ إِلَّا أَنه لَا يلْزم عَنهُ فى ذَلِك كُله محَال فحاصل الْإِمْكَان يعود إِلَى سلب مَحْض وَذَلِكَ وان تعدد فَلَا يمْتَنع اجْتِمَاع كثير مِنْهُ فى شئ وَاحِد لَا تعدد فِيهِ إِذْ هُوَ غير مُوجب للكثرة
وَإِن فسرت الْقُوَّة الْقَابِلَة بِأَمْر مُوجب للتكثر فَمَعَ كَونه غير مُسلم هُوَ لَازم لَهُم فِي الصُّور الجوهرية من التوالى فَإِنَّهَا قَابِلَة للكون وَالْفساد وَذَلِكَ لَا يكون بقابل فَلَو كَانَ الْقَابِل للكون وَالْفساد مِمَّا يُوجب التكثر أوجب فِي الصُّور الجوهرية وَهُوَ مُمْتَنع بل هُوَ أَيْضا لَازم فِي النَّفس فِي جَانب قبُولهَا للاتصال بِالْبدنِ والانفصال عَنهُ فَكل مَا يفْرض من الْجَواب فَهُوَ بِعَيْنِه جَوَاب لنا فِي مَحل النزاع كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ فمبنى على امْتنَاع قبُول النَّفس للتجزى وَهُوَ وَإِن كَانَ مُمكنا ومقدورا لله تَعَالَى فَهُوَ مِمَّا لَا يدل على وُقُوعه عقل وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ نقل
[ ٢٩٥ ]
وَمَا اشاروا إِلَيْهِ فى ذَلِك فَهُوَ يُنَاقض مَذْهَبهم فِي إِدْرَاك الْقُوَّة الوهمية لما تُدْرِكهُ من الْمَعْنى الذى يُوجب نفره الشَّاة من الذِّئْب فَإِنَّهُ لَا محَالة غير متجزئ وَإِن كَانَت لَا تُدْرِكهُ إِلَّا إدراكا جزئيا أى بِحَسب شكل شكل وَصُورَة صُورَة وَمَعَ ذَلِك فهى نَفسهَا لَا تدْرك الا بِآلَة جرمانية وَلِهَذَا قضى بفواتها عِنْد فَوَات الْبدن فَمَا هُوَ الِاعْتِذَار لَهُم ايضا فِي إِدْرَاك الْقُوَّة الوهمية بالآلة الجرمانية لما لَيْسَ بمتجزئ هُوَ اعتذارنا فِي إِدْرَاك مَا ندركه مِمَّا لَيْسَ بمتجزئ
ثمَّ كَيفَ يُنكر كَون النَّفس مادية مُمكنَة مَعَ مَا عرف من أصلهم أَن جِهَة الامكان لَا تقوم إِلَّا بمادة وَالنَّفس مُمكنَة الْوُجُود وَلَا محَالة فَإِذا قد ظهر امْتنَاع دلَالَة الْعقل على بَقَاء النَّفس بعد فَوَات الْبدن
ثمَّ وَلَو قدر بَقَاؤُهَا بعد فَوَات الْبدن عقلا كَمَا ثَبت ذَلِك سمعا بقوله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا﴾ الأية وَقَوله ﵇ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي حواصل طيور خضر معلقَة تَحت الْعَرْش وَقد بَان لَهَا من النَّعيم والألم بعد الْمُفَارقَة نَحْو مَا تخيلوه فَلَيْسَ بمستبعد عقلا وَلَا شرعا إِذْ لَيْسَ فِيهِ تنَاقض عقلى وَلَا مَحْذُور شرعى وَالْأَمر فِيهِ قريب والخطب فِيهِ يسير وَإِنَّمَا الداهية الدهياء والمصيبة الطخياء استنهاك جَانب الشَّرْع الْمَنْقُول وَالرَّدّ لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول من حشر الأجساد وَمَا أعد لَهَا من النَّعيم والألم فِي الْمعَاد
[ ٢٩٦ ]
وإنكار الْجمع فِي الشَّقَاء وَالنَّعِيم بَين الجسمية والروحانية من غير دَلِيل عقلى وَلَا نقل سمعى اسْتندَ اليه من أنكر بعث الأجساد وأحكامها فِي الْمعَاد فمبنى على فَاسد اصلهم فِي القَوْل بالقدم وَقد أبطلناه بِمَا فِيهِ كِفَايَة