فِي اثبات صفة الْقُدْرَة
وَيجب أَن يكون البارى تَعَالَى قَادِرًا بقدرة لضَرُورَة مَا أسلفناه من الْبَيَان واوضحنا من الْبُرْهَان فِي مَسْأَلَة الْعلم والإرادة وَيجب أَن تكون صفة وجودية قديمَة أزلية قَائِمَة بِذَات الرب تعإلى متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا مُتَعَلقَة بِجَمِيعِ المقدورات غير متناهية بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتهَا وَلَا بِالنّظرِ إِلَى متعلقاتها لما حققناه
وَلَيْسَت الْقُدْرَة عبارَة عَمَّا يلازمه الإيجاد بل مَا يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد على تَقْدِير تهيئه من غير اسْتِحَالَة ذَلِك على نَحْو مَا فِي التَّمْيِيز والتخصيص بالإرادة وَبِه يتَبَيَّن فَسَاد قَول من ألزم الإيجاد بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة على من نفى الإيجاد بِالذَّاتِ حَيْثُ ظن أَن الْقُدْرَة الْقَدِيمَة يلازمها الإيجاد لَا مَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد وَإِن لم يلازمها
فَإِن قيل كَيفَ تدعون أَن كل مُمكن مَقْدُور لله تَعَالَى وَأكْثر أَفعَال الْحَيَوَانَات بأسرها مقدورة لَهَا كَمَا سيأتى وَإِذ ذَاك فَلَو كَانَت مقدورة لله تَعَالَى للَزِمَ أَن يكون مَقْدُور بَين قَادِرين وَذَلِكَ مُمْتَنع كَمَا يأتى أَيْضا وَأَيْضًا فَإِن أَكثر الموجودات مُتَوَلّدَة بَعْضهَا عَن بعض وَهَكَذَا مَا نشاهده من تولد حَرَكَة الْخَاتم ضد حَرَكَة الْيَد وَكَذَا فِي حَرَكَة كل متحرك بحركة مَا هُوَ قَائِم بِهِ وملازم لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِن حَرَكَة الْخَاتم مخلوقة لله تَعَالَى وَإِنَّهَا غير تَابِعَة لحركة الْيَد وَإِلَّا لجَاز أَن يخلق حَرَكَة أَحدهمَا مَعَ سُكُون الْأُخْرَى وَهُوَ لَا محَالة مُمْتَنع
[ ٨٥ ]
وَالْجَوَاب أما مَا ذَكرُوهُ من الشُّبْهَة الاولى فسيأتى الْجَواب عَنْهَا فِي مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما مَا ذَكرُوهُ من الشُّبْهَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُم إِن أَرَادوا بالتولد هَهُنَا أَن الْحَرَكَة الَّتِي للخاتم كامنة فِي حَرَكَة الْيَد وَهِي تظهر عِنْد حَرَكَة الْيَد مِنْهَا كَمَا يظْهر الْجَنِين فِي بطن أمه وكما فِي كل مَا يتوالد فَهُوَ الفهوم من لفظ التوالد لكنه هَا هُنَا غير مشَاهد كَمَا ادعوهُ وَلَا مُتَصَوّر أَيْضا بل الشَّاهِد المتصور لَيْسَ إِلَّا لُزُوم حَرَكَة الْخَاتم لحركة الْيَد فَإِن أُرِيد بالتولد هَذَا فَلَا مشاحة فِي التَّسْمِيَة وَإِن كَانَت بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاح الوضعى خطأ لكنه مَعَ ذَلِك مِمَّا لَا يلْزم أَن يكون وجوده عَن وجود حَرَكَة الْيَد بل من الْجَائِز أَن يكون موجودان احدهما يلازم الآخر إِمَّا عَادَة كملازمة التسخين للنار والتبريد للْمَاء والأفيون وَإِمَّا اشتراطا كملازمة الْعلم للإرادة والحياة للْعلم وَلَيْسَ وَلَا احدهما مستفادا من الآخر بل كِلَاهُمَا مخلوقان لله تَعَالَى وَبِهَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من أَنه لَو كَانَ اللَّازِم مخلوقا لله تَعَالَى لجَاز خلق أَحدهمَا مَعَ سُكُون الآخر كَيفَ وَأَنه كَمَا تتَوَقَّف حَرَكَة الْخَاتم على حَرَكَة الْيَد تتَوَقَّف حَرَكَة الْيَد على حَرَكَة الْخَاتم حَتَّى إِنَّه لَو فرض عدم انْتِقَال الْخَاتم عَن مَكَانَهُ كَانَ القَوْل بحركة الْيَد مستحيلا فعلى هَذَا لَيْسَ جعل حَرَكَة الْيَد عِلّة لحركة الْخَاتم لتوقفها عَلَيْهَا بِأولى من الْعَكْس بل الْوَاجِب أَنهم معلولان لعِلَّة وَاحِدَة وَإِن قدر تلازمهما فِي الْوُجُود
وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى دقيقة وَهِي أَن مَا علمه الله تَعَالَى
[ ٨٦ ]
أَنه لَا يكون مِنْهُ مَا هُوَ مُمْتَنع الْكَوْن لنَفسِهِ وَذَلِكَ كاجتماع الضدين وَكَون الشئ الْوَاحِد فِي آن وَاحِد فِي مكانين وَنَحْوه وَمِنْه مَا هُوَ مُمْتَنع الْكَوْن لَا بِاعْتِبَار ذَاته بل بِاعْتِبَار أَمر خَارج وَذَلِكَ مثل وجود عَالم آخر وَرَاء هَذَا الْعَالم أَو قبله فَمَا كَانَ من الْقسم الأول فَهُوَ لَا محَالة غير مَقْدُور من غير خلاف وَمَا كَانَ من الْقسم الثانى وَهُوَ أَن يكون مُمْتَنعا لَا بِاعْتِبَار ذَاته بل بِاعْتِبَار تعلق الْعلم بِأَنَّهُ لَا يُوجد أَو غير ذَلِك فَهُوَ لَا محَالة مُمكن بِاعْتِبَار ذَاته كَمَا سلف والممكن من حَيْثُ هُوَ مُمكن لَا ينبو عَن تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَالْقُدْرَة من حَيْثُ هِيَ قدرَة لَا يَسْتَحِيل تعلقهَا بِمَا هُوَ فِي ذَاته مُمكن إِذا قطع النّظر عَن غَيره إِذْ الْمُمكن من حَيْثُ هُوَ مُمكن لَا ينبو عَن تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَالْقُدْرَة من حَيْثُ هى قدرَة لَا تتقاصر عَن التَّعَلُّق بِهِ لقُصُور فِيهَا وَلَا ضعف
فعلى هَذَا الْمُمكن صَالح أَن تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَلَا معنى لكَونه مَقْدُورًا غير هَذَا وَإِطْلَاق اسْم الْمَقْدُور عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى الْعرف وَإِلَى الْوَضع بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى غير مستبعد وَإِن كَانَ وجوده مُمْتَنعا بِاعْتِبَار غَيره وَأما إِن أُرِيد بِهِ أَنه غير مَقْدُور بِمَعْنى أَنه يلْزم مِنْهُ الْمحَال بِاعْتِبَار أَمر خَارج أَو أَنه لم تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة بِمَعْنى أَنَّهَا لم تخصصه بالوجود بِالْفِعْلِ فَهُوَ وَإِن كَانَ مُخَالفا للاطلاق فَلَا مشاحة فِيهِ إِذْ الْمُنَازعَة فِيهِ لَا تكون إِلَّا فِي إِطْلَاق اللَّفْظ لَا فِي نفس الْمَعْنى وَالله ولى التَّوْفِيق
[ ٨٧ ]