فى مُعْتَقد أهل السّنة فى الصَّحَابَة وإمامة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين
وَلَا خلاف فِيمَا بَين أهل الْحق أَن أَبَا بكر كَانَ إِمَامًا حَقًا وَذَلِكَ بِاتِّفَاق الْمُسلمين على إِقَامَته واجتماع اهل الْحق وَالْعقد على إِمَامَته وَاتِّبَاع النَّاس لَهُ فى أَيَّام حَيَاته وموافقة الصَّحَابَة لَهُ فى غَزَوَاته ونصبه للولا والحكام وتنفيذ أوامره ونواهيه فى الْبلدَانِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا قبل بمدافعته وَلَا سَبِيل إِلَى مجاحدته وَأَن من تخلف عَن بيعَته فى مبدأ الْأَمر مثل على وَغَيره لم يكن عَن شقَاق ونفاق وَإِنَّمَا كَانَ لعذر وطروء أَمر والإ فَلَو كَانَ ذَلِك للشقاق وَالْخُرُوج عَن الْوِفَاق لأمر يكرهونه وَلَا يرتضونه لقد كَانَ ذَلِك مِمَّا يسارعونه إِلَى إِنْكَاره ويبالغون فى إِظْهَاره لَا سِيمَا فى حق الصَّحَابَة الَّذين شاهدوا التَّنْزِيل وَعرفُوا التَّأْوِيل وَكَانُوا مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من قُوَّة الْيَقِين والصلابة فى الدّين لَا يراقبون فى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر لومة اللائمين وَلَا خوف المخوفين وَلَو كَانَ ذَلِك مِمَّا
[ ٣٨٧ ]
ظهر لقد كَانَت الْعَادة مِمَّا تحيل تطابق الْأمة على ترك نَقله مَعَ توفر الدواعى عَلَيْهِ وَصرف الهمم إِلَيْهِ واتفاق الْأمة على ذَلِك مِمَّا يدل ضَرُورَة على كَونه أَهلا للْإِمَامَة ومستجمعا لشرائطها أَيْضا
ثمَّ كَيفَ يُنكر ذَلِك مَعَ مَا عرف من نسبه وعدالته وَعَمله وشجاعته وتصرفه فى الْبِلَاد وَإِصْلَاح نظام الْعباد بالآثار الدَّالَّة عَلَيْهَا والعلامات الْوَاضِحَة المشيرة اليها على مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار وتتالت بِهِ الْآثَار على أَلْسِنَة الثِّقَات الأخيار وَغير ذَلِك مِمَّا يكل عَنهُ اللِّسَان ويتقاصر عَن تسطيره الْبَيَان فَوَجَبَ الِاكْتِفَاء بشهرتها عَن ذكرهَا
وَلَكِن قد يشكك بعض أهل الضلال وَمن لم يثبت لَهُ قدم راسخ فى الاستنباط وَالِاسْتِدْلَال باستقالة أَبى بكر من الامامة وَبِقَوْلِهِ وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ وَقَول عمر إِن بيعَة أَبى بمكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا يتَمَسَّك بِهِ من لَا خلاق لَهُ من الروافض والإمامية الخارجين عَن ربقة الدّين
وَلَيْسَ ذَلِك عِنْد من لَهُ أدنى حَظّ من التفطن مِمَّا يُؤثر خيالا وَلَا إشْكَالًا فَإِن الاستقالة لَا تدل على عدم الِاسْتِحْقَاق لَا سِيمَا مَعَ اتِّفَاق الْأمة على كَونه مُسْتَحقّا بل لَعَلَّ ذَلِك لم يكن
[ ٣٨٨ ]
إِلَّا للفرار من حمل أعباء أُمُور الْمُسلمين وَالْخَوْف من شدَّة التَّكْلِيف والتقليد لتدبير أُمُور الدّين أَو الامتحان لتعرف الْمُوَافق من الْمُخَالف أَو غير ذَلِك من الِاحْتِمَالَات وَمَعَ ذَلِك فَلَا ينْهض الاقتيال شُبْهَة فى دَرْء الِاسْتِحْقَاق وَكَذَلِكَ قَوْله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنه أَرَادَ التَّوْلِيَة فى الصَّلَاة على عهد رَسُول الله ﷺ وَمن الْمَعْلُوم أَنه لم يكن إِذْ ذَاك أخير من قوم فيهم الرَّسُول وَيكون فَائِدَة ذكر ذَلِك الِاحْتِجَاج على جَوَاز تَوليته بعد الرَّسُول بطرِيق التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى وَيحْتَمل أَنه أرد بقوله وَلست بِخَيْرِكُمْ أى فى الْعَشِيرَة والقبيلة إِذْ الهاشمى أفضل من القرشى وَإِن لم يكن شرطا فى الْإِمَامَة وَيحْتَمل انه أَرَادَ ذَلِك قبل التَّوْلِيَة وفى الْجُمْلَة لَيْسَ يلْزم من نفى الْأَفْضَلِيَّة أَن يكون مفضولا بل من الْجَائِز أَن يكون مُسَاوِيا وَمَعَ ذَلِك فعقد الْإِمَامَة لَهُ يكون جَائِزا بالِاتِّفَاقِ
وَقَول عمر ﵁ مَعَ مَا كَانَ يحْتَج على النَّاس بإمامته ويدعوهم إِلَى طَاعَته وتمسكه فى ذَلِك بِعَهْد أَبى بكر وولايته لَا يجوز أَن يحمل على أَن خِلَافَته كَانَت بَاطِلَة وَإِلَّا فان ذَلِك مِمَّا يُوجب الْخبط فى قَوْله والهجر فِيهِ وَلَا يخفى على أحد مَا كَانَ عمر عَلَيْهِ من الْأَمَانَة والديانة وَالْعقل الْكَامِل والرزانة فَمَعْنَى قَوْله كَانَت فلتة أى عَن غير مشورة وَقَوله وقى الله شَرها أى شَرّ الْخلاف فِيهَا وَقَوله فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ أى إِلَى مثل مُخَالفَة الْأَنْصَار فى نصبهم إمامين وَقَوْلهمْ منا أَمِير ومنكم امير وَمَعَ هَذِه الِاحْتِمَالَات وانقداح هَذِه الخيالات يخرج مَا ذَكرُوهُ
[ ٣٨٩ ]
عَن أَن يكون قادحا وَيلْزم القَوْل بإمامته وَالِاعْتِرَاف بِصِحَّتِهِ تَوليته على مَا وَقع عَلَيْهِ اتِّفَاق الْأمة ومعتقد أهل السّنة
وَأما باقى الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كعمر وَعُثْمَان وعَلى ﵃ أَجْمَعِينَ فالسبيل إِلَى إِثْبَات إمامتهم وَصِحَّة توليتهم واستجماعهم لشرائط الْإِمَامَة كإثبات ذَلِك فى حق أَبى بكر ﵁ وَصِحَّة عهد أَبى بكر إِلَى عمر والشورى وَعقد عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف لعُثْمَان فَإِنَّهَا تستند إِلَى الْإِجْمَاع أَيْضا وَكَذَا الحكم على قتلة عُثْمَان ومقاتلى على بكونهم بغاة فَإِن أَسبَاب حل الْقَتْل وَجَوَاز قتال الإِمَام محصورة وَلم يُوجد شئ مِنْهَا قى حق عُثْمَان وَلَا على ﵇
وَمَعَ هَذَا كُله فَالْوَاجِب أَن يحسن الظَّن بأصحاب الرَّسُول وَأَن يكف عَمَّا جرا بَينهم وَألا يحمل شئ مِمَّا فَعَلُوهُ أَو قَالُوهُ إِلَّا على وجهة الْخَيْر وَحسن الْقَصْد وسلامة الِاعْتِقَاد وانه مُسْتَند إِلَى الِاجْتِهَاد لما اسْتَقر فى الأسماع وتمهد فى الطباع ووردت بِهِ الْأَخْبَار والْآثَار متواترة وآحاد من غرر الْكتاب وَالسّنة واتفاق الْأمة على مدحهم وَالثنَاء عَلَيْهِم بفضلهم مِمَّا هُوَ فى اشتهاره يغنى عَن إِظْهَاره وَأَن أَكثر مَا ورد فى حَقهم من الْأَفْعَال الشنيعة والأمور الْخَارِجَة عَن حكم الشَّرِيعَة فَلَا أصل لَهَا إِلَّا تخرصات أهل الْأَهْوَاء وتصنعات الْأَعْدَاء كالروافض والخوارج وَغَيرهم من السفساف وَمن لَا خلاق لَهُ من الْأَطْرَاف وَمَا ثَبت نَقله وَلَا سَبِيل إِلَى الطعْن فِيهِ فَمَا كَانَ يسوغ فِيهِ الِاحْتِمَال والتأويل فِيهِ بِحَال فَالْوَاجِب أَن يحمل على أحسن الِاحْتِمَالَات وَأَن ينزل على أشرف التنزيلات وَإِلَّا فَالْوَاجِب
[ ٣٩٠ ]
الْكَفّ عَنهُ والانقباض مِنْهُ وان يعْتَقد أَن لَهُ تَأْوِيلا لم يُوصل إِلَيْهِ وَلم يُوقف عَلَيْهِ إِذْ هُوَ الْأَلْيَق بأرباب الديانَات وَأَصْحَاب المروءات وَأسلم من الْوُقُوع فى الزلات وَلكَون سكُوت الْإِنْسَان عَمَّا لَا يلْزمه الْكَلَام فِيهِ أَرْجَى لَهُ من أَن يَخُوض فِيمَا لَا يعنيه لَا سِيمَا إِذا احْتمل ذَلِك الزلل والوقوع بِالظَّنِّ وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فى الخطل
وَيجب مَعَ ذَلِك أَن يعْتَقد أَن أَبَا بكر أفضل من عمر وَأَن عمر أفضل من عُثْمَان وان عُثْمَان أفضل من على وَأَن الْأَرْبَعَة أفضل من باقى الْعشْرَة وَالْعشرَة أفضل مِمَّن عداهم من أهل عصرهم وَأَن اهل ذَلِك الْعَصْر أفضل مِمَّن بعدهمْ وَكَذَلِكَ من بعدهمْ أفضل من يليهم وَأَن مُسْتَند ذَلِك لَيْسَ إِلَّا الظَّن وَمَا ورد فى ذَلِك من الْآثَار وأخبار الْآحَاد والميل من الْأمة إِلَى ذَلِك بطرِيق الِاجْتِهَاد
وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية للمبتدئين وشفاء للمنتهين عِنْد من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وَله قدم راسخ فى الاختبار
والمسئول من بارئ النسم ومعيد الرمم أَن ينيلنا فَائِدَته ويعقبنا عائدته حِين الْفقر والفاقة وَضعف الطَّاقَة فى يَوْم الْقصاص حَيْثُ لات حِين مناص وَأَن يصلى على صفوته من الرُّسُل مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه إِنَّه أَرْجَى مسئول وأعطف مأمول
[ ٣٩١ ]
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَبِه نستعين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَكَانَ الْفَرَاغ من نسخه الْخَامِس عشر من شهر رَجَب سنة ثَلَاث وسِتمِائَة وَذَلِكَ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة بِالْمَدْرَسَةِ العادلية وَالسَّلَام وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
[ ٣٩٢ ]