فِي اثبات الادراكات
مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى سميع بسمع بَصِير ببصر
وَذهب الكعبى إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه لَا آفَة بِهِ عَالم بالمسموعات والمبصرات لَا غير
وَمن الْمُعْتَزلَة من زَاد عَلَيْهِ وَقَالَ معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه مدرك للمسمسوعات والمبصرات والإدراك يزِيد على الْعلم
وَذهب الجبائى وَمن تَابعه إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه حى لَا آفه بِهِ وَقد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي الِاسْتِدْلَال على أهل الضلال إِلَى مَسْلَك ضَعِيف وَهُوَ أَن قَالَ البارى تَعَالَى حى والحى إِذا قبل معنى وَله ضد وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا لم يخل عَنهُ أَو عَن ضِدّه وَلَا محَالة أَن كَونه حَيا مِمَّا يُوجب قبُوله للسمح وَالْبَصَر فَلَو لم يَتَّصِف بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر لَا تصف تضدها وَذَلِكَ نقص فِي حق البارى تعإلى
[ ١٢١ ]
قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْمُوجب لقبوله السّمع وَالْبَصَر كَونه حَيا مَا نرَاهُ فِي الشَّاهِد فَإِن الْمُوجب لقبوليه الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَان للسمع وَالْبَصَر كَونه حَيا إِذْ لَو قدر أَن الْمُوجب لذَلِك غير الْحَيَاة من الْأَوْصَاف لَكَانَ منتقضا وَإِذا كَانَ الْمُوجب للقبول إِنَّمَا هُوَ الْحَيَاة فالبارى حَيّ فَيجب أَن يكون متصفا بهما وَإِلَّا كَانَ متصفا بأضدادهما وَذَلِكَ نقص فِي حق الله تَعَالَى فَيمْتَنع
وَمن نظر فِيمَا أسلفناه وأحاط بِمَا مهدناه علم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يقوى وَالَّذِي نزيده هَهُنَا أَنا نقُول
حَاصِل الطَّرِيقَة آيل إِلَى قِيَاس التَّمْثِيل وَهُوَ الحكم على جزئى بِمَا حكم بِهِ على غَيره لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى عَام لَهما وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو لم يتَبَيَّن أَن الحكم فِي الأَصْل الممثل بِهِ ثَابت لِمَعْنى لَا أَنه ثَابت لنَفسِهِ أَو بِخلق الله لَهُ فِي ذَلِك الامر الجزئى من غير افتقار إِلَى أَمر خَارج ثمَّ لَو ثَبت أَنه ثَبت لِمَعْنى لَكِن لَا بُد من حصر جَمِيع الْأَوْصَاف وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالسبر وَهُوَ غير مُفِيد لليقين بل حالصه انى بحثت فَلم أطلع على غير الْمَذْكُور وَغَايَة فَائِدَة الْبَحْث الظَّن بِانْتِفَاء غير الْمعِين لَا الْعلم بِهِ
ثمَّ وَإِن أَفَادَ علما للساير فَذَلِك لَيْسَ بِحجَّة على غَيره إِذْ بحث زيد لَا يُؤثر علما فِي حق عَمْرو وَإِن أَفَادَهُ ذَلِك ظنا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُقَال إِن من كَانَ بَين يَدَيْهِ قيل وَلَيْسَ بَينه وَبَينه حَائِل وَآلَة الْإِدْرَاك لَدَيْهِ حَاضِرَة سليمَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَلا يبصره فَكَذَلِك هَهُنَا فَإِنَّهُ لَو قدر وصف آخر فَإِنَّهُ إِمَّا مَعْقُول أَو محسوس وَأي الْأَمريْنِ قدر فأسباب مداركه عِنْد النَّاظر عتيدة فيستحيل ان لَا يظفر بِهِ إِذا طلبه
وَهَذَا وَإِن كَانَ مخيلا لكنه مِمَّا لَا يقوى فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكره لما وَقع لأحد فِي نظره خبط وَلَا فِي فكره تنَاقض وَلما وَقع الْخلاف بَين الْعُقَلَاء فِي وجود شئ ونفيه إِذْ القواطع
[ ١٢٢ ]
لَا تتوارد على شئ ونقيضه وَكم من وَقع لَهُ التَّنَاقُض فِي نظره حَتَّى انه حكم بشئ بعد مَا حكم بمقابله وَكَذَلِكَ كم من شئ اخْتلف الْعُقَلَاء فِيهِ وَلم يظفر وَلَا وَاحِد مِنْهُم بمقصود اَوْ ظفر بِهِ وَاحِد دون البَاقِينَ وَلَا كَذَلِك مَا ذَكرُوهُ من الْمِثَال فَإِن وُقُوع مثل ذَلِك فِيهِ مِمَّا يَسْتَحِيل بِالنّظرِ إِلَى حكم جرى الْعَادة بِهِ ثمَّ وَلَو سلم الْحصْر فلابد وَأَن يتَعَرَّض لابطال تَأْثِير كل وَاحِد وَاحِد على الْخُصُوص وابطال تَأْثِيره فِي كل رُتْبَة تحصل لَهُ من إِضَافَته إِلَى غَيره وَذَلِكَ مِمَّا يعز ويشق لَا محَالة وَمَا وَقعت الْإِشَارَة بِهِ فِي إبِْطَال غير المستبقى فَهُوَ بِعَيْنِه لَازم فِي المستبقى فَإِنَّهُ منتقض بباقى اعضاء الأنسان واعضاء غَيره من الْحَيَوَان فَإِنَّهَا حَيَّة مَعَ انتقاء السّمع وَالْبَصَر وَانْتِفَاء أضدادها أَيْضا
ثمَّ إِنَّه وَإِن لم يكن الحكم لغير مَا عين من الْأَوْصَاف لَكِن من الْجَائِز أَن يكون ذَلِك بِاعْتِبَار الشئ الْمَوْصُوف بِهِ وَمهما لم يتَبَيَّن أَن الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل النزاع هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل الْوِفَاق لم يلْزم الحكم وَهَذَا كُله لَا محيص عَنهُ فقد بَان أَن مَا استروح إِلَيْهِ غير يقينى وَإِن كُنَّا لَا ننكر كَونه ظنيا فالمطلوب لَيْسَ إِلَّا الْيَقِين
ولربما اسْتندَ بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا إِلَى السمعيات دون العقليات والمحصل يعلم أَن كل مَا يتمحل من ذَلِك فَغير خَارج عَن قبيل الظنيات والتخمنيات وَذَلِكَ لَا مدْخل لَهُ فِي اليقينيات وسيأتى إشباع القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١٢٣ ]
فَإِذا السَّبِيل فِي الدَّلِيل هَهُنَا لَيْسَ إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة وَقد عرفت وَجه تَحْقِيقه وَمَا يلْزم عَلَيْهِ لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكات وخيالات لابد من الْإِشَارَة إِلَيْهَا والتنبيه على وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا
فَمن ذَلِك قَوْله إِن مَا ذكرتموه إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو ثَبت أَن السّمع وَالْبَصَر إدراكان زائدان على نفس الْعلم وَإِلَّا فَلَا نقص إِدْرَاك وَلَا قُصُور لكَون البارى تَعَالَى عَالما
وَبِمَ الْإِنْكَار على الكعبى حَيْثُ ذهب إِلَى ان السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا بل الْمدْرك المسموع والمبصر هُوَ السَّامع المبصر بِعِلْمِهِ لَا بحاسته الَّتِى كَانَ حُصُول هَذَا الْعلم بواسطتها وهى الْمعبر عَنْهَا بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر كَيفَ وَأَنه لَو كَانَ الْمدْرك مدْركا بِإِدْرَاك زَائِد على الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى الْإِنْسَان سليم الْبَصَر والسمع مرئيات وأصوات وَهُوَ لَا يَرَاهَا وَلَا يسْمعهَا لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ ادراكها وَالْأَمر بِخِلَافِهِ ثمَّ لَو سلم أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ هُوَ نفس الْعلم فَبِمَ الانكار على الجبائى فِي قَوْله إِن الْمدْرك هُوَ الحى الذى لَا آفَة بِهِ وَلَا نقص وَأَنه لَا معنى لَهُ إِلَّا هَذَا السَّلب
ثمَّ لَو سلم أَنه معنى إيجابى وَأمر إثباتى لكنه مِمَّا يمْتَنع ثُبُوته فِي حق البارى تَعَالَى من حَيْثُ إِنَّه لَا يَخْلُو أَن يكون قَدِيما أَو حَادِثا لَا جَائِز أَن يكون حَادِثا وَإِلَّا كَانَ البارى محلا للحوادث وَهُوَ مُمْتَنع وَلَا جَائِز أَن يكون قَدِيما وَإِلَّا للَزِمَ أَن يكون لَهُ مسموع ومبصر فِي الْعَدَم إِذْ السّمع وَالْبَصَر من غير مسموع ومبصر محَال وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل الْعَالم أَو أَن يكون مَا فِيهِ مسموعا ومبصرا فِي الْعَدَم وكلا الْأَمريْنِ
[ ١٢٤ ]
محَال وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يشْتَرط البنية الْمَخْصُوصَة للإدراك أَو لَيْسَ فَإِن اشْترط فإثبات الْإِدْرَاك للبارى يُوجب لَهُ البنية الْمَخْصُوصَة وَهُوَ مُتَعَذر وَالْقَوْل بِعَدَمِ الِاشْتِرَاط مُمْتَنع أَيْضا إِذْ يلْزم مِنْهُ الالتباس بَين الإدراكات وَأَن تكون حاسة وَاحِدَة مدركة بإدراكات مُخْتَلفَة وَهُوَ مُمْتَنع فَإِن البنية الْمَخْصُوصَة لَا بُد مِنْهَا فالسمع هُوَ قُوَّة مرئية فِي الْعصبَة المنبسطة فِي السَّطْح الْبَاطِن من صماخ الْأذن من شَأْنهَا أَن تدْرك الصَّوْت المحرك للهواء الراكد فِي مقعر صماخ الْأذن عِنْد وُصُوله إِلَيْهِ بِسَبَب مَا
وَالْبَصَر هُوَ عبارَة عَن قوه مرتبَة فِي عصبَة مجوفة من شَأْنهَا أَن تدْرك مَا ينطبع فِي الرُّطُوبَة الجليدية من أشباح صور الْأَجْسَام بتوسط المشف
والشم عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي زائدتى مقدم الدِّمَاغ من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يتَأَدَّى إِلَيْهَا بتوسط الْهَوَاء من الأراييح
والذوق عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي الْعصبَة البسيطة على السَّطْح الظَّاهِر من اللِّسَان من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهَا من الطعوم يتوسط مَا فِيهِ من الرُّطُوبَة الغذائية
واللمس عبارَة عَن قُوَّة منبثة فِي كل الْبدن من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهِ من خَارج من الكيفيات الملموسة وهى الْحَرَارَة والبرودة واليبوسة
[ ١٢٥ ]
وَإِذا لم يكن فِي الْإِدْرَاك بُد من الْآلَات والأدوات امْتنع القَوْل بثبوتها فِي حق البارى تَعَالَى كَيفَ وَأَن مَا ذكرتموه ينْتَقض عَلَيْكُم بباقى الادراكات وَغَيرهَا من الكمالات كَمَا سلف
وَالْجَوَاب أما مَا قيل من أَن السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِي الْجَواب هَهُنَا إِنَّه لَو لم يكن كَذَلِك وَإِلَّا لما وَقعت التَّفْرِقَة بَين مَا علم بالبرهان أَو الْخَبَر وَبَين مَا حصل بِالْعينِ وَالْبَصَر وَلَا محَالة أَن هَذِه التَّفْرِقَة مِمَّا يشْهد بصفدقها نظر ذوى الْأَلْبَاب فإنكارها مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا عَن جحد أَو عناد
لكنه مِمَّا لَا ثُبُوت لَهُ على محك النّظر إِذْ الْخصم يَقُول وَإِن سلم التَّفْرِقَة بِمَنْع عودهَا إِلَى الْعلم والإدراك بل مَا تشعر بِهِ النَّفس عِنْد الْخَبَر اليقينى بِأَن زيدا مثلا على صُورَة كَذَا أَو كَذَا لَيْسَ يخْتَلف عِنْد النّظر والمشاهدة بالبصر وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف والتفرقة عائدان إِلَى نفس الْمحل الذى هُوَ وَاسِطَة حُصُول الْعلم من الْبَصَر وَغَيره أَو إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل أَو الاطلاق وَالتَّقْيِيد أَو الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَبِالْجُمْلَةِ إِلَى الْمحل الذى هُوَ مُتَعَلق الْعلم فِي الْحَالَتَيْنِ وَذَلِكَ بِأَن يكون مَا حصل بالبصر أَو السّمع مفصلا أَو مُقَيّدا أَو خَاصّا وَمَا حصل بالبرهان وَالْخَبَر لم يكن إِلَّا مُجملا أَو مُطلقًا أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا لَا يدل على أَن مَا حصل بالبصر أَو السّمع خَارج عَن جنس الْعلم أَو نَوعه وَهُوَ كَمَا لَو علم بطرِيق خَاص إِمَّا بِالدَّلِيلِ أَو غَيره أَن كل منقسم بمتساويين فَهُوَ زوج وَاتفقَ أَن مَا فِي يَد زيد مثلا منقسم بمتساويين فَأَنَّهُ من جِهَة الْعُمُوم مَعْلُوم
[ ١٢٦ ]
أَنه زوج لضَرُورَة الْعلم بِأَن كل منقسم بمتساويين زوج وَمَا علم بالبصر بعد ذَلِك لَيْسَ هُوَ مَا كَانَ مَعْلُوما أَولا وَإِنَّمَا الْحَاصِل ثَانِيًا هُوَ نفس الْعلم بِخُصُوصِهِ وبكونه منقسما بمتساويين وَاخْتِلَاف متعلقات الْعلم وَاخْتِلَاف طرق تَحْصِيلهَا مِمَّا لَا يُؤثر اخْتِلَافا فِي نفس الْعلم الْمُتَعَلّق بهَا
فالطريق فِي الأنفصال أَن يُقَال الْإِنْسَان قد يجد من نَفسه معنى زَائِدا عِنْد السّمع وَالْبَصَر على مَا كَانَ قد علمه بِالدَّلِيلِ أَو الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا لَا مراء فِيهِ كَمَا سبق فَالْمَعْنى بالإدراك لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنى وَسَوَاء سمى ذَلِك علما أَو إدراكا وَسَوَاء كَانَ مُتَعَلّقه أمرا تقييديا أَو تفصيليا أَو معنى خَاصّا أَو غير ذَلِك من المتعلقات فَإِن حَاصِل ذَلِك لَيْسَ يرجع إِلَّا إِلَى مَحْض الاطلاقات وَمُجَرَّد الْعبارَات فَلَا مشاحة فِيهَا بعد فهم مَعَانِيهَا فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يقْدَح فِي الْغَرَض بإبطاله أَو تَصْحِيحه وَعند ذَلِك فَلَا مبالاة بِمن اعتاص على فهمه قبُول هَذَا الِاعْتِقَاد وشمخ أَنفه عَن أَن ينقاد بعد ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف غور الدقائق وَمن رام فِي الِانْفِصَال عَن هَذَا الخيال غير مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد كلف نَفسه شططا وَذَلِكَ على النبيه مِمَّا لَا يخفى
وَمَا قيل من أَنه لَو كَانَ الْإِدْرَاك زَائِدا على نفس الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى إِنْسَان سليم الْبَصَر فيل لَا يُدْرِكهُ لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ الْإِدْرَاك بِهِ وَهُوَ محَال قُلْنَا ادِّعَاء كَونه محَال إِمَّا أَن ينظر فِيهِ إِلَى الإحالة الْعَقْلِيَّة أَو العادية فَإِن كَانَ الأول
[ ١٢٧ ]
فَهُوَ استرسال لما هُوَ غير مُسلم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ بِعَيْنِه لَا محَالة لَازم فِي خلق الادراك فَإِنَّهُ كَمَا يَسْتَحِيل عَادَة انْتِفَاء الْإِدْرَاك للفيل عِنْد حُضُوره بَين يدى ذى الْبَصَر السَّلِيم كَذَا يَسْتَحِيل القَوْل بِانْتِفَاء خلق الادراك فِي مثل تِلْكَ الْحَالة ايضا وان نظر فِي ذَلِك الى جِهَة الْجَوَاز العقلى فَهُوَ ايضا مَا نقُوله فِي الأدراك فَإِنَّهُ كَمَا يجوز أَن لَا يخلق لَهُ الأدراك عقلا يجوز أَن لَا يُدْرِكهُ عقلا كَيفَ وَأَن هَذَا لَازم على الْخصم فِي الْعلم أَيْضا فَمَا هُوَ عذره فِي الْعلم هُوَ عذرنا فِي الْإِدْرَاك
وَأما تَفْسِير الْإِدْرَاك بنفى الآفة عَمَّن لَهُ الْحَيَاة فمما لَا يَسْتَقِيم إِذْ قد بَينا أَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه تَفْرِقَة بَين الإدراكات وَذَلِكَ لَا بُد وَأَن يكون بِأَمْر زَائِد على الْحَيَاة وَانْتِفَاء الآفة وَألا لما وَقع الْفرق ثمَّ كَيفَ يَصح أَن يُقَال السَّمِيع والبصير هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ وَيُقَال لمن يسمع وبصر وَهُوَ مئوف نَاقص
فَإِن قيل لَيْسَ السَّمِيع هُوَ من سلبت عَنهُ الآفة مُطلقًا بل من سلبت عَنهُ الآفة فِي مَحل السّمع وَكَذَا فِي كل إِدْرَاك على حَسبه فَهُوَ متهافت شنيع فَإِن من قَالَ السّمع هُوَ نفى الآفة فِي مَحل السّمع فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع فِي مَحل السّمع وَلَو قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا عَن ذكر الْمحل وَإِذا كَانَ كَافِيا فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ إِذْ ذَاك فَرجع الْكَلَام الأول بِعَيْنِه ثمَّ ان الْعقل السَّلِيم يقْضى بوهاء قَول من فسر السّمع وَالْبَصَر بنفى الآفة دون الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا
[ ١٢٨ ]
من الصِّفَات مَعَ أَنه لَو سُئِلَ عَن الْفرق لم يجد عَنهُ مخلصا بل كل مَا تخيل من منع تَفْسِير الْعلم وَالْقُدْرَة بِانْتِفَاء الآفة فَهُوَ بِعَيْنِه فِي الْإِدْرَاك حجَّة لنا
وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى قدم المبصرات والمسموعات فَمن عرف كَيْفيَّة تعلق الْعلم بهَا فِي الْقدَم كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لم يخف عَلَيْهِ دفع هَذَا الْإِشْكَال هَهُنَا فَإِن تعلق السّمع وَالْبَصَر بمتعلقاتهما الْحَادِثَة لَا يتقاصر عَن تعلق الْعلم بمتعلقاته الْحَادِثَة فَمَا بِهِ دفع الْإِشْكَال ثمَّ بِهِ دَفعه هَهُنَا
وَأما إشتراط البنية الْمَخْصُوصَة فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِذْ الْقَائِل بِهِ معترف أَن الْإِدْرَاك قَائِم بِجُزْء وَاحِد من جملَة الْمدْرك وَعند ذَلِك فَلَا يخفى أَنه لَا أثر لاتصال مَحَله بِمَا جاوره إِذْ الاجسام لَا يُؤثر بَعْضهَا فِي بعض فِيمَا يرجع إِلَى مَا يقوم بهَا من الْأَعْرَاض بل الْجَوْهَر الْفَرد يكون على صفته عِنْد الْمُجَاورَة بِهِ لغيره فِي حَال انْفِرَاده وَإِذا جَازَ قيام الْإِدْرَاك بِجُزْء وَاحِد فِي حَال انْفِرَاده واتصاله لزم أَن لَا تكون البنية الْمَخْصُوصَة شرطا
وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ الِاجْتِمَاع وَسَائِر الْأَعْرَاض الإضافية حَيْثُ إِنَّهَا تقوم بالجوهر عِنْد إِضَافَته وضمه إِلَى غَيره وَلَا تقوم بِهِ عِنْد أنفراده لأَنا نقُول الْكَوْن الْقَائِم بِكُل جرم فِي حَالَة الِاجْتِمَاع هُوَ بِعَيْنِه قَائِم فِي حَالَة الِافْتِرَاق مُطلقًا والمختلف إِنَّمَا هُوَ الْأَسْمَاء فَإِن مَا هُوَ قَائِم عِنْد ضميمة غَيره إِلَيْهِ يُسمى اجتماعا وَبعد الِافْتِرَاق لَا يُسمى كَذَلِك وَإِن سلم أَنه لَا يبْقى لكنه غير لَازم وَذَلِكَ أَن الصِّفَات العرضية مِنْهَا مَا يقتضى لذاته الضَّم والاجتماع بَين الْمحَال كبعض الْأُمُور الإضافية وَمِنْهَا مَا لَا يقتضى ذَلِك كَمَا
[ ١٢٩ ]
فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ بِصفة إضافية وَلَا يلْزم من كَون الصِّفَات الإضافية على مَا ذكر أَن يكون غَيرهَا مثلهَا وَلَا يخفى أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ من ذَلِك الْقَبِيل المفتقر إِلَى الْجمع وَالضَّم فِي الأجرام
وَمِمَّا يدل على أَن الْإِدْرَاك غير مفتقر إِلَى البنية ويخص الْبَصرِيين الْقَائِلين بِكَوْن البارى مدْركا أَن يُقَال لَو كَانَت البنية شرطا لوَجَبَ طردها شَاهدا وغائبا كَمَا ذَهَبُوا اليه واعتمدوا عَلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاط وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ كَون البارى ذَا بنية مَخْصُوصَة لضَرُورَة الأعتراف بِكَوْنِهِ مدْركا وَإِذا ذَاك فينقلب الْإِلْزَام وتتساوى فِيهِ الْأَقْدَام
فَإِن قيل اشْتِرَاط البنية إِنَّمَا هُوَ فِي حق الْمدْرك بادراك فَلَا يلْزم البنية فِي حَقه تَعَالَى فَانْظُر إِلَى هَؤُلَاءِ كَيفَ ساقهم الغى إِلَى كشف عَوْرَاتهمْ وإبداء زلاتهم ومناقضة أصولهم وَمُخَالفَة رسومهم وتحملهم بالجهالة فِيمَا لَا يعلمُونَ وإصرارهم على الْبَاطِل فِيمَا يَقُولُونَ حَيْثُ إِنَّهُم جعلُوا الْحَيَاة شرطا فِي الشَّاهِد لكَون الْعَالم عَالما بِعلم ثمَّ طردوا ذَلِك فِي حق الْغَائِب حَتَّى قَالُوا إِن الْحَيَاة شَرط كَونه عَالما وَإِن لم يكن عَالما بِعلم وَلم يجْعَلُوا البنية شرطا لكَون الْمدْرك مدْركا مَتى لم يكن مدْركا بِإِدْرَاك لضَرُورَة كَونهَا شرطا لكَون الْمدْرك بِإِدْرَاك وَلم يعلمُوا أَنهم فِي ذَلِك متحكمون وبدعواه متجاهلون وَأَنَّهُمْ لَو سئلوا عَن الْفرق لم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا
وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى الالتباس بَين الإدراكات غير مُسْتَقِيم وَذَلِكَ من جِهَة أَن الالتباس فِيهَا لَا يكون بِسَبَب اتِّحَاد محلهَا وَإِلَّا لما تصور قيام عرضين
[ ١٣٠ ]
متغايرين بِمحل وَاحِد وَإِلَّا وهما متشابهان وَلَا يخفى أَن قيام الطول مثلا والسواد وَغَيره من الكيفيات بِمحل وَاحِد جَائِز وَإِن قرر أَنه لاشتباه فعلى هَذَا لَيْسَ الالتباس بَين الْأَشْيَاء إِلَّا لما يَقع بَينهَا من التشابه فِي أَنْفسهَا وَلَا يخفى انْتِفَاء التشابه بَين الإدراكات فِي أَنْفسهَا وَأَن الْحَاصِل من كل وَاحِد غير مَا حصل من الآخر
وعَلى مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن مَا ذَكرُوهُ فِي السّمع وَالْبَصَر وَغَيرهمَا من الإدراكات لم يخل إِمَّا أَن يكون إِدْرَاكهَا لشئ بِخُرُوج شئ مِنْهَا إِلَيْهِ أَو بإتصال شئ مِنْهُ بهَا فَإِن قيل بِالْأولِ فالخارج اما جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز أَن يكون جوهرا وَإِلَّا فَهُوَ إِمَّا مُتَّصِل أَو مُنْفَصِل لَا جَائِز أَن يكون مُتَّصِلا وَإِلَّا لزم أَن يكون قد خرج من الجرم الصَّغِير جرم مَلأ نصف كرة الْعَالم واتصل بالثوابت وَهُوَ مُتَعَذر وَإِن كَانَ مُنْفَصِلا فَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِلَّا لأحس بِهِ الْخَارِج مِنْهُ وللزم أَلا يدْرك الْمدْرك بِسَبَب أَن مَا بِهِ الْإِدْرَاك خَارج عَنهُ وَأَن لَا يخْتَلف الشئ الْمدْرك أَو المسموع بِسَبَب الْقرب والبعد لكَون مَا بِهِ الْإِدْرَاك قد أحَاط بهما
هَذَا إِن كَانَ جوهرا وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا إِذْ الْعرض لَا تحرّك لَهُ بِنَفسِهِ وان تحرّك بمحله أوجب المحالات السَّابِق ذكرهَا فَإِن قيل إِن مَا بَين الْبَصَر والمبصر من الْهَوَاء المشف يَسْتَحِيل آلَة دراكه قُلْنَا فَيلْزم أَن تكون استحالته عِنْد اجْتِمَاع المبصرين أَشد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون إِدْرَاك الْوَاحِد للشئ عِنْد الِاجْتِمَاع
[ ١٣١ ]
أَشد من حَالَة الِانْفِرَاد لكَون الاستحالة فِي الْآلَة الدراكة أَشد وللزم أَن يضطرب الشئ المبصر عِنْد تشويش الجو واضطراب الرِّيَاح بِسَبَب تجدّد الْآلَة الدراكة وَهُوَ مُمْتَنع هَذَا إِن قيل بِخُرُوج شئ من الْبَصَر إِلَى المبصر
وَإِن قيل إِن شَيْئا من المبصر يتَّصل بالبصر بِحَيْثُ ينطبع فِيهِ ويدركه فإمَّا أَن يكون ذَلِك على جِهَة الِانْتِقَال والانفصال أَو على الانطباع والتمثيل من غير انْفِصَال شئ من المبصر وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ بَاطِل وَإِلَّا للَزِمَ ان لَا يدْرك الشئ المرئى إِلَّا على نَحْو مَا انطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَو كَانَ كَذَلِك لما رؤى الْحمل أَو الْجَبَل على هَيئته بل على نَحْو مَا ينطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر وَهُوَ هوس ثمَّ إِنَّه لَا جَائِز أَن يكون المنطبع منتقلا وَلَا فَهُوَ إِمَّا جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز ان يكون جوهرا لما أسلفناه وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن تحترق الْعين عِنْد كَون المرئى نَارا وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ أَيْضا بَاطِل لما سلف فَتبين من هَذَا أَن الادراك لَيْسَ إِلَّا معنى يخلقه الله تَعَالَى للمدرك مَعَ قطع النطر عَن الِانْتِقَال والانطباع فِي الْآلَات والأدوات وَحَيْثُ لم يكن للعين أَو الْيَد وَغير ذَلِك من الْجَوَارِح قُوَّة الْإِدْرَاك فَلَيْسَ لعدم صلاحيته للإدراك بل لِأَن الله تعإلى لم يخلق لَهُ الْإِدْرَاك وَهَذَا الأصلا عَظِيم مطرد عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل الْحق فِي سَائِر الإدراكات
[ ١٣٢ ]
وَأما مَا أُشير إِلَيْهِ من النَّقْض بِسَائِر الإدراكات فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
وَعند هَذَا فَيجب أَن يعلم أَن الْمُسْتَند فِي إِثْبَات صفة الْحَيَاة مَا هُوَ الْمُسْتَند فِي الإدراكات وباقى الصِّفَات
[ ١٣٣ ]