فِي أَنه لَا خَالق الا الله تَعَالَى
فالذى إِلَيْهِ عِصَابَة أهل الْحق من الإسلاميين وَغَيرهم من الطوائف الْمُحَقِّقين أَنه لَا خَالق الا الله تَعَالَى وَأَن وجوب وجود مَا سواهُ لَيْسَ إِلَّا عَنهُ
وَخَالفهُم فِي ذَلِك طَائِفَة من الالهيين وَجَمَاعَة من الثنوية والمعتزلة والمنجمين
فأحرى مبدوء بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْبَحْث عَن تَفْصِيل مَذْهَب كل فريق والاشارة إِلَى إبِْطَال مآخذهم والكشف عَن زيف مسالكهم
فمما ذهب اليه الْمعلم الأول وَمن تَابعه من الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين وَقفا أَثَره من فلاسفة الإسلاميين أَن البارى تَعَالَى وَاحِد من كل جِهَة وَأَنه لَا يلْحقهُ الانقسام والكم بِوَجْه مَا وانه لَيْسَ لذاته مبادئ يكون عَنْهَا وَلَا صفة زَائِدَة عَلَيْهَا وبنوا على ذَلِك
[ ٢٠٣ ]
ان الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد وَألا فَلَو صدر عَنهُ اثْنَان لم يخل إِمَّا ان يتماثلا من كل وَجه اَوْ يختلفا من كل وَجه أَو يتماثلا من وَجه وَيخْتَلف من وَجه فان تماثلا من كل وَجه فهما شئ وَاحِد وَلَا تعدد وَلَا كَثْرَة وان اخْتلفَا من كل وَجه أَو من وَجه دون وَجه فهما فِي الْجُمْلَة مُخْتَلِفَانِ وَإِذ ذَاك فصدورهما عَمَّا هُوَ وَاحِد من كل وَجه مُمْتَنع لِأَن صدورهما عَنهُ إِمَّا أَن يكون بِاعْتِبَار جِهَة وَاحِدَة أَو بِاعْتِبَار جِهَتَيْنِ لَا جَائِز ان يُقَال بِالْأولِ إِذْ الِاخْتِلَاف مَعَ اتِّحَاد الْمُوجب محَال وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالثانى والا فالجهات إِمَّا خَارِجَة عَن ذَاته اَوْ هى لَهُ فِي ذَاته فَإِن كَانَت خَارِجَة عَن ذَاته فَالْكَلَام فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الأول وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل أَو الدّور وَكِلَاهُمَا محالان وان كَانَت لذاته وَفِي ذَاته فممتنع إِذْ هُوَ وَاحِد من كل وَجه فَلم يبْق وَإِلَّا أَن يكون الصَّادِر عَنهُ وَاحِدًا لَا تعدد فِيهِ وَلَا كَثْرَة
وَلَا يجوز ان يكون ذَلِك الْوَاحِد مَادَّة وَلَا صُورَة مَادَّة إِذْ كل وَاحِدَة لَا وجود لَهَا دون الْأُخْرَى فَإنَّا لَو قَدرنَا وجود كل وَاحِدَة دون الْأُخْرَى لم تخل اما أَن تكون متحدة أَو متكثرة فان كَانَت متحدة فهى لذاتها وَمَا اتَّحد مِنْهُمَا لذاته فالكثرة عَلَيْهِ مستحيلة والمواد والصور متكثرة وَإِن كَانَت متكثرة فتكثر كل وَاحِدَة مَعَ قطع النّظر عَن الْأُخْرَى محَال كَيفَ وَإنَّهُ يلْزم أَن يكون التكثر لذاتها وَيلْزم ان لَا تتحد والوحدة عَلَيْهَا جَائِزَة فَإِذا لَا وجود لكل وَاحِدَة إِلَّا بِالْأُخْرَى وَيمْتَنع ان تكون إِحْدَاهمَا عله لِلْأُخْرَى إِذْ الْعلَّة وان كَانَت مَعَ معلولها فِي الْوُجُود فَلَا بُد وان تكون مُتَقَدّمَة عَلَيْهِ بِالذَّاتِ وَلَيْسَ وَلَا وَاحِدَة من الْمَادَّة وَالصُّورَة مُتَقَدّمَة على الْأُخْرَى بِالذَّاتِ وَلَا بُد ان تَكُونَا مستندين إِلَى مَوْجُود خَارج عَنْهُمَا وَذَلِكَ الْخَارِج لَا يجوز ان يكون مُتَعَددًا وَإِلَّا أفْضى إِلَى اجْتِمَاع الإلهين وَلَا جَائِز أَن يكون متحدا لما سبق
وكما لَا يجوز ان يكون مَادَّة وَلَا صُورَة مَادَّة فَكَذَا لَا يجوز أَن يكون نفسا فَإِن النَّفس وان لم يكن وجودهَا ماديا فَلَيْسَ إِلَّا مَعَ الْمَادَّة وَإِلَّا فَلَو كَانَ لَهَا وجود قبل مَادَّة بدنهَا لم يخل إِمَّا أَن تكون متحدة أَو متكثرة لَا جَائِز ان تكون متحدة وَإِلَّا فَعِنْدَ وجود الْأَبدَان المتعددة إِمَّا أَن تَنْقَسِم وَهُوَ محَال إِذْ المتحد لَا يَنْقَسِم واما ان تكون النَّفس الْوَاحِدَة لأبدان مُتعَدِّدَة وَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا وَإِلَّا لاتحد النَّاس بأسرهم
[ ٢٠٤ ]
فِي الْعلم بِمَا يُعلمهُ الْوَاحِد وَالْجهل بِمَا يجهله الْوَاحِد من حَيْثُ إِن النَّفس المدركة وَاحِدَة وَلَا جَائِز أَن تكون متكثرة قبل الْأَبدَان إِذْ الْكَثْرَة والتعدد للنَّفس بِدُونِ النّظر إِلَى الْأَبدَان وعلائقها محَال وَإِذا ثَبت أَنه لَا وجود للنَّفس إِلَّا مَعَ وجود مَادَّة بدنهَا امْتنع أَن يُقَال بصدورها عَن المبدأ الأول لما حققناه فِي الْمَادَّة وَالصُّورَة فَإِذا لَا بُد وَأَن يكون مَا صدر عَنهُ مَاهِيَّة مُجَرّدَة عَن الْمَادَّة وعلائقها وعبروا عَنهُ بِالْعقلِ الأول
وبتوسط هَذَا الْعقل يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم الْفلك الْأَقْصَى وبتوسط الْعقل الثانى يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْكَوَاكِب وبتوسط الْعقل الثَّالِث يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك زحل وبتوسط الْعقل الرَّابِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْمُشْتَرى وبتوسط الْعقل الْخَامِس يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الشَّمْس وبتوسط الْعقل السَّادِس يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك المريخ وبتوسط الْعقل السَّابِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الزهرة وبتوسط الْعقل الثَّامِن يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك عُطَارِد وبتوسط الْعقل التَّاسِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْقَمَر وبتوسط الْعقل الْعَاشِر وجدت العناصر والمركبات وَغير ذَلِك من الكائنات والفاسدات
[ ٢٠٥ ]
وَأما المنجمون
فقد اعْتقد فريق مِنْهُم أَن صُدُور الكائنات وحدوث الحادثات وكل مَا يجرى فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد لَيْسَ إِلَّا عَن الأفلاك الدائرة وَالْكَوَاكِب السائرة وَأَنه لَا مُدبر سواهَا وَلَا مكون إلاها
وَقد تحاشى فريق مِنْهُم عَن سخف هَذِه الْحَالة وتشنيع هَذِه الْمقَالة فَقَالُوا الْمُدبر والخالق لَيْسَ إِلَّا الله تَعَالَى لَكِن بتوسط الأجرام الفلكية وَالْكَوَاكِب السماوية
وَأما الثنوية
فاعتقادهم ان مبدأ الكائنات وكل مَا فِي الْعَالم من خير وَشر ونفع وضر لَيْسَ هُوَ إِلَّا امتزاج النُّور والظلمة وأنهما أصل الْعُلُوم فَمَا يحصل من الْخَيْر فمضاف إِلَى النُّور وَمَا يحصل من الشَّرّ فمضاف إِلَى الظلمَة
لَكِن مِنْهُم من ذهب إِلَى أَن النُّور قديم والظلمة حَادِثَة عَن فكرة ردية حصلت لبَعض أَجزَاء النُّور وعبروا عَن النُّور بالبارى وَعَن الظملة بالشيطان
وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُمَا قديمان
وَأما الْمُعْتَزلَة
فمطبقون على أَن أَفعَال الْعباد المختارين مخلوقة لَهُم وَأَنَّهَا غير دَاخِلَة فِي مقدورات الرب تَعَالَى كَمَا أَن مقدورات الرب غير دَاخِلَة فِي مقدوراتهم
[ ٢٠٦ ]
وَقد نقل عَن القاضى ﵀ انه لم يثبت للقدرة الْحَادِثَة أثر فِي الْفِعْل بل أثبت لَهَا أثرا فِي صفة زَائِدَة على الْفِعْل كَمَا سنبينه ثمَّ اخْتلف قَوْله فِي الْأَثر الزَّائِد فَقَالَ تَارَة إِنَّه لَا اثر للقدرة الْقَدِيمَة فِيهِ اصلا وَقَالَ تَارَة بالتأثير وَأثبت مخلوقا بَين خالقين
وَقد نقل عَن الأسفرايينى أَنه قَالَ فِي نفس الْفِعْل مَا قَالَه القاضى فِي القَوْل الثانى فِي الاثر الزَّائِد
وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي بعض تصانيفه إِلَى تَأْثِير الْقُدْرَة الْحَادِثَة فِي إِيجَاد الْفِعْل وَلم يَجْعَل للقدرة الْقَدِيمَة فِيهِ تَأْثِيرا إِلَّا بِوَاسِطَة إِيجَاد الْقُدْرَة الْحَادِثَة عَلَيْهِ
وَذهب من عدا هَؤُلَاءِ من أهل الْحق إِلَى أَن أَفعَال الْعباد مُضَافَة إِلَيْهِم بالاكتساب وَإِلَى الله تَعَالَى بالخلق والاختراع وَأَنه لَا أثر للقدرة الْحَادِثَة فِيهَا أصلا
وَإِذا عرف بالتحقيق مَذْهَب كل فريق فَلَا بُد من التَّعَرُّض إِلَى إبِْطَال مَذَاهِب أهل الضلال
وَأول مبدوء بِهِ إِنَّمَا هُوَ الرَّد على طوائف الإلهيين الْقَائِلين بِمَنْع صُدُور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود
وَهُوَ أَنا نقُول عماد اعتقادكم وَرَأس اعتمادكم إِنَّمَا هُوَ آيل إِلَى نفى الصِّفَات الزَّائِدَة
[ ٢٠٧ ]
على الذَّات وَقد بَينا فِيمَا سلف سخف هَذَا المعتقد وتشنيع هَذَا الْمُعْتَمد ثمَّ إِن مَا أوجب لكم القَوْل بِمَنْع صُدُور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ كَونه وَاحِدًا وَأَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد وَلَا بُد لكم فِي هَذِه الدَّعْوَى من الْعود إِلَى هدم مَا بنيتموه وَنقض مَا أبرمتموه وَذَلِكَ أَنه لَو لزم من كَونه وَاحِدًا وحدة مَا صدر عَنهُ فَيجب أَن يكون مَا صدر عَن معلوله ايضا وَاحِد لكَونه وَاحِد وَهَكَذَا لَا يزَال الحكم بصدور الْوَاحِد دائماوهو مِمَّا يُوجب امْتنَاع وُقُوع الْكَثْرَة فِي المعلولات وتناقض قَوْلكُم فِي صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الاول حَيْثُ قُلْتُمْ إِن الْمَعْلُول الاول يصدر عَنهُ عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ الْفلك الْأَقْصَى ثمَّ إِن صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الأول اما أَن تكون وَهُوَ مُتحد أَو متكثر فَإِن كَانَ وَاحِدًا فقد نَاقض قَوْلكُم إِن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ الا وَاحِد فَهَلا قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وان كَانَ وَاحِدًا كَمَا قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَمَّا صدر عَنهُ وَهُوَ وَاحِد وان قُلْتُمْ إِن مَا صدر عَنهُ الْكَثْرَة متكثر فقد قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وأفسدتم مَا ظننتم إحكامه وَمَا رمتم إتقانه وَذَلِكَ خسف القَوْل والفعال
فَإِن قيل لَا محَالة أَن الْمَعْلُول الاول وَاجِب الْوُجُود بِالْوَاجِبِ بِذَاتِهِ وكل مَا هُوَ وَاجِب بِغَيْرِهِ فَهُوَ مُمكن باعبتار ذَاته من حَيْثُ أَن ذَاته لَا جَائِز أَن تكون وَاجِبَة وَإِلَّا لما كن وَاجِبا بِغَيْرِهِ وَلَا جَائِز أَن تكون ممتنعة وَإِلَّا لما وجدت وَلَا بِالْغَيْر فَتعين أَن يكون بِاعْتِبَار ذَاته مُمكنا وَهُوَ لَا محَالة يعلم ذَاته وَيعلم مبدأه وَهَذِه الْجِهَات كلهَا لَيست لَهُ عَن
[ ٢٠٨ ]
عَن غَيره بل هى أُمُور لَازِمَة تَابعه لذاته مَا عدا وجوب وجوده فَإِنَّهُ لَهُ عَن مبدئه ومبدأ صُدُور الْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ عَن هَذِه الْجِهَات فَإِنَّهُ بِاعْتِبَار إِضَافَته إِلَى وَاجِب مُوجب لوُجُوده يُوجب عقلا وَبِاعْتِبَار صلته بمدئه يُوجب صُورَة وَبِاعْتِبَار كَونه مُمكنا يُوجب مَادَّة ترتيبا للأشرف على الْأَشْرَف والأخس على الأخس وَهَذِه هى مبادئ صُدُور الْكَثْرَة ولولاها لما كَانَت الْكَثْرَة
قُلْنَا هَذِه العماية والجهالة قد تعظم نسبتها إِلَى الصّبيان فضلا عَن من ينْسب إِلَى شئ من التَّحْقِيق والغوص والتدقيق وَذَلِكَ لِأَن الْجِهَات إِمَّا ان توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فِي ذَات الْمَعْلُول الأول أول توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة كالأمور السلبية والإضافية فَإِن أوجبت التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فقد قيل بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وان قيل لَا توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فَلم لَا قيل بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود فَإِن السلوب والإضافات لَهُ أَكثر من ان تحصى هَذَا من حَيْثُ الْإِجْمَال
وَأما التَّفْصِيل فَهُوَ أَن مَا ذَكرُوهُ من الْجِهَات الْمُوجبَة للكثرة حاصلها يرجع إِلَى سلوب وإضافات فَإِن وُجُوبه بِغَيْرِهِ وَعلمه بمبدئه وبذاته أُمُور إضافية وَكَونه مُمكنا بِذَاتِهِ إِن فسرنا الْمُمكن بِمَا سلب عَنهُ الضَّرُورَة فِي وجوده وَعَدَمه كَانَ أمرا سلبيا وَإِن فسر بِمَا يفْتَقر إِلَى الْمُرَجح فِي كلا طَرفَيْهِ كَانَ أمرا إضافيا وَعند عودهَا إِلَى السلوب والإضافات فَيلْزم عَنْهَا مَا ذكر فِي الْإِجْمَال
كَيفَ وَأَن قَوْلهم إِنَّه يعلم مبدأه وَيعلم ذَاته دَعْوَى لَو سئلوا عَن الدَّلِيل عَلَيْهَا لم يزدْ قَوْلهم على أَنه بِاعْتِبَار ذَاته مُمكن أَن يكون عَالما وَالْمَانِع من الْعلم إِنَّمَا هُوَ الْمَادَّة وعلائقها وهى بأسرها منتفية فَإِن ماهيته مُجَرّدَة عَن الْمَادَّة وعلائقها وَهُوَ أَيْضا من أقبح المقالات وَأعظم الشناعات فَإِن إِمْكَان كَونه عَالما لَا يُوجب وَلَا يُؤثر فِي إِيجَاب الْعلم لَهُ وَإِلَّا كَانَت جِهَة الْإِمْكَان هى المرجحة لأحد الطَّرفَيْنِ وَهُوَ مُمْتَنع
[ ٢٠٩ ]
وَنفى الْمَانِع مِمَّا لَا يُوجب أَيْضا فَإِن ثُبُوت الشئ إِنَّمَا يسْتَند إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ أما إِلَى نفى الْمَانِع والمعارض فكلا ثمَّ يلْزمهُم من ذَلِك مناقضة قَوْلهم إِن البارى تَعَالَى لَا يعلم الجزئيات من حَيْثُ إِن الْمَانِع هُوَ الْمَادَّة وعلائقها وَقد انْتَفَت فِي حَقه تَعَالَى ثمَّ إِن كَانَت هَذِه الْجِهَات مِمَّا توجب الْكَثْرَة فَلم قيل بانحصار مَا صدر عَنهُ فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء وَلم لَا كَانَت ازيد من ذَلِك فَإِن مثل هَذِه الْجِهَات لَدَيْهِ أَكثر من ان تحصى فَإِذن حَاصِل مَا ذَكرُوهُ لَا يرجع إِلَّا إِلَى مَحْض تحكمات بَارِدَة وخيالات فَاسِدَة لَا يرضى بهَا لنَفسِهِ بعض المجانين فضلا عَمَّن يزْعم انه من المحصلين
ب وَأما المنجمون
الْقَائِلُونَ بصنع الْكَوَاكِب والأفلاك وَأَنه لَا خَالق وَلَا صانع سواهَا
فقد أَكثر الْأَصْحَاب فِي الرَّد عَلَيْهِم بأسولة بَارِدَة واستفسارات جامدة وإلزامات لَا ثُبُوت لَهَا على محك النّظر تلِيق بمناظرة الْعَامَّة وَالصبيان فَسَادهَا يظْهر ببديهة الْعقل لمن لَهُ أدنى تَحْصِيل لَا يَلِيق أَن يطول بذكرها هَهُنَا فالسبيل الْحق أَن يُقَال لمن زعم مِنْهُم أَن لَا خَالق إلاها وَلَا مبدأ سواهَا
إِمَّا أَن تكون بِاعْتِبَار ذواتها وَاجِبَة أَو مُمكنَة أَو الْبَعْض مِنْهَا وَاجِب وَالْبَعْض مُمكن فَإِن كَانَت وَاجِبَة فقد سلك الإلهيون فِي إبِْطَال ذَلِك طَريقَة امْتنَاع اجْتِمَاع واجبين وهى غير مرضية كَمَا سلف فَالْحق أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لَكَانَ وجودهَا سرمديا وَلَو كَانَ
[ ٢١٠ ]
سرمديا لوَجَبَ القَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لحركاتها إِن كَانَت متحركة فِي الْقدَم ولمقادير حركاتها إِن لم تكن متحركة وَذَلِكَ مُمْتَنع لما أسلفناه فِي تناهى الْعِلَل والمعلولات
ثمَّ إِن الْوَاجِب لذاته هُوَ مَا لَو فرض مَعْدُوما لزم الْمحَال عَنهُ لذاته لَا لغيره وَلَا يخفى أَن الْقَائِل لَو فرض بعقله عدم شئ من الْكَوَاكِب والأفلاك لم يلْزم فِي عقله عَن ذَلِك لذاته محَال كَمَا لَا يلْزم من فرض وجود فلك آخر وكوكب آخر وَمَا هُوَ على هَذَا النَّحْو كَيفَ يكون الْوُجُوب لَهُ لذاته بل إِن فرض وَاجِبا فَلَيْسَ ذَلِك لَهُ إِلَّا لغيره وكل مَا وُجُوبه لغيره فَهُوَ بِذَاتِهِ مُمكن كَمَا سلف كَيفَ وان ذَلِك على أصلهم غير مُسْتَقِيم لاعتقادهم ان تأليف الاجرام لَيْسَ إِلَّا من الْموَاد والصور وَقد بَان أَن كل وَاحِد من الْمَادَّة وَالصُّورَة لَيْسَ وجوده الا بِأَمْر خَارج عَنْهَا فهما لَا محَالة ممكنان وَمَا مفرداته الَّتِى مِنْهَا تأليفه مُمكنَة كَيفَ يكون هُوَ لنَفسِهِ وَاجِبا
ثمَّ لَو كَانَت وَاجِبَة لوَجَبَ ان مَا شاركها فِي معنى الجوهرية أَن يكون وَاجِبا إِذْ يَسْتَحِيل أَن يكون وجوب الْوُجُود لما بِهِ تخصص جَوَاهِر الأفلاك ومغايرتها لغَيْرهَا من الْجَوَاهِر فَإِن ذَلِك لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ دون المتخصص بِهِ وَهُوَ دور مُمْتَنع وَعند ذَلِك فَيلْزم على أَصله امْتنَاع القَوْل بِحَدَث الْجَوَاهِر الصورية الثَّابِتَة للأجرام العنصرية وَكَذَا فِي الْجَوَاهِر الانسانية الَّتِى للأبدان الإنسانية على رأى من اعْترف مِنْهُم بحدثها وبكونها جوهرا وَهُوَ لَا محَالة تنَاقض وَبِمَا حققناه هَهُنَا يتَبَيَّن إبِْطَال كَون الْبَعْض مِنْهَا وَاجِبا دون الْبَعْض فبقى أَن تكون بأسرها مُمكنَة
وَإِذ ذَاك فَلَا بُد لَهَا فِي وجودهَا من مُرَجّح خَارج عَنْهَا وَبَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا مبدأ لَهَا وَأما من اعْترف مِنْهُم بِأَن لَهَا مبدأ خَارِجا عَنْهَا لكنه أضَاف الْخلق إِلَيْهَا ووقف الإبداع والإحداث عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ فِي دَعْوَاهُ مُسْتَند غير الاستقراء بِأَنا وجدنَا التأثرات
[ ٢١١ ]
الْمُخْتَلفَة والامتزاجات المتقاربة وَجَمِيع مَا فِي عَام الْكَوْن وَالْفساد من خير وَشر لَا يُوجد إِلَّا عِنْد حَرَكَة كَوْكَب مَخْصُوص وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب إِسْنَاده إِلَيْهِ وإحالة وجوده عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانَ اتفاقيا لما دَامَ
وَنحن نعلم أَنهم لَو طولبوا بِصِحَّة هَذَا الاستقراء لم يَجدوا الى اثباته سَبِيلا ثمَّ لَو قدرت صِحَّته وان وُقُوع الْآثَار الْحَادِثَة ملازم لحركات الْكَوَاكِب والأفلاك فَغير لَازم أَن تكون هى عللها والأسباب الْمُوجبَة لَهَا لما أَنه لَا مَانع من أَن يكون الْخَالِق والبارى هُوَ الله تَعَالَى وَقد أجْرى الْعَادة بِوُجُود الحادثات وَوُقُوع التأثيرات عِنْدهَا وَإِن منع بعض الْأَصْحَاب من صِحَة هَذَا الاطلاق بِنَاء على أَن مَا من جيشين تلاقيا اَوْ من نفسين تخاصما أَلا وَقد أَخذ الطالع لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَمَعَ ذَلِك فالمنصور وَالْغَالِب لَا يكون إِلَّا أَحدهمَا فَلَا معول عَلَيْهِ إِذْ لَا مَانع من القَوْل بخطأ الْآخِذ للطالع فِي الْحساب اَوْ الحكم وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الاطناب ومحز الإسهاب والذى يجب الِاعْتِمَاد هَهُنَا عَلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ
ج وَأما الطَّرِيق
فِي الرَّد على الثنوية الْقَائِلين بِالنورِ والظلمة وانه لَا مبدأ للْعَالم سواهُمَا أَن يُقَال إِن النُّور والظلمة بِالنّظرِ إِلَى ذاتيهما واجبان أَو ممكنان أَو أَحدهمَا وَاجِب وَالْآخر مُمكن فَإِن كَانَا واجبين لزم أَن مَا شاركهما فِي نوعيهما أَن يكون وَاجِبا وَأَن لَا يكون مَوْجُودا بعد الْعَدَم وَهُوَ خلاف مَا نشاهده من الْأَنْوَار وَالظُّلم وَبِه يتَبَيَّن امْتنَاع كَون أَحدهمَا وَاجِبا وَالْآخر مُمكنا فبقى أَن يَكُونَا ممكنين
[ ٢١٢ ]
وَعند ذَلِك إِمَّا أَن يسْتَند كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي وجوده إِلَى الآخر أَو إِلَى أَمر خَارج عَنْهُمَا لَا جَائِز أَن يُقَال بِالْأولِ إِذْ هُوَ دور مُمْتَنع وَمَعَ كَونه مُمْتَنعا فَغير مُسلم صُدُور الشَّرّ عَن الْخَيْر وَالْخَيْر عَن الشَّرّ لكَون أَحدهمَا خيرا وَالْآخر شرا وَهُوَ تنَاقض وَإِن كَانَ الْمُرَجح لَهما أمرا خَارِجا عَنْهُمَا فقد بَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا مبدا سواهُمَا وَلَا مُرَجّح إِلَّا هما ثمَّ كفى بالخصم سخفا أَنه لَو سُئِلَ عَن الدّلَالَة على مَا يَعْتَقِدهُ والإبانة عَمَّا يعتمده لم يزدْ على قَوْله
إِنَّا وجدنَا الموجودات لَا تنفك عَن أَن تكون ثَقيلَة تطلب أقْصَى جِهَة السّفل أَو خَفِيفَة تطلب أقْصَى جِهَة الْعُلُوّ أَو ذَات ظلّ حاجبة كالأشياء الكثيفة الغليظة من الْحَدِيد وَالْحِجَارَة وَنَحْوهَا أَو مَا هُوَ على نقيضها من الْأَشْيَاء الشفافة الَّتِى لَا ظلّ لَهَا كالزجاجة الصافية واليواقيت وَنَحْوهَا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَنْفَكّ عَن خيرات وشرور وَلَا بُد من أَن نرتب على كل وَاحِد مَا يَلِيق بِهِ ترتيبا للأشرف على الْأَشْرَف والأخس على الأخس وَإِلَّا كَانَ الأخس صادرا عَن الْأَشْرَف والقبيح صادرا عَن الْحسن
وَهُوَ خلاف الْمَعْقُول فَإِنَّهُ مَعَ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ من الركاكة والتحكم بتخصيص المبدأ بِالنورِ والظلمة لم يعلم أَن مَدْلُول اسْم الشَّرّ لَيْسَ الا عبارَة عَن عدم ذَات أَو عدم كَمَال ذَات وَأَن الْحسن والقبح لَيْسَ يستدعى اسناده الى مَا هُوَ فِي نَفسه ذَات وَوُجُود حَتَّى يلْزم التَّثْنِيَة على مَالا يخفى
ثمَّ وَلَو كَانَ الشَّرّ والقبح ذاتا واستدعى أَن يكون مرجحه ذاتا فَلَا يخفى أَن الْعَالم يَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ خير مَحْض وَإِلَى مَا هُوَ شَرّ مَحْض وَإِلَى مَا هُوَ خير من وَجه وَشر من وَجه وَلَا يُوصف بِكَوْنِهِ خيرا مَحْضا وَلَا شرا مَحْضا وَيجب من ذَلِك أَن يكون من المبادئ مَا هُوَ خير من وَجه وَشر من وَجه إِذْ الْخَيْر الْمَحْض لَا يصدر عَنهُ إِلَّا خير مَحْض وَالشَّر الْمَحْض لَا يصدر عَنهُ إِلَّا شَرّ مَحْض وَإِن كَانَ ذَلِك إِنَّمَا يحصل بامتزاجهما فامتزاج
[ ٢١٣ ]
كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ وحركته إِلَيْهِ إِمَّا لذاتيهما أَو لِمَعْنى زَائِد عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَ فريق مِنْهُم إِن الْأُصُول ثَلَاثَة نور مَحْض وظلام مَحْض وأصل ثَالِث لَيْسَ بِنور وَلَا ظلام وَهُوَ دون النُّور وَفَوق الظلام وَهُوَ الْمُوجب لامتزاجهما والمعدل بَينهمَا فَإِن كَانَ لذاتيهما فَهُوَ محَال وَإِلَّا لما تصور الِافْتِرَاق بَينهمَا وَهُوَ خلاف مَا نشاهده كَيفَ وَأَن النُّور والظلمة لذاتيهما متباينان فَكيف يكون أَحدهمَا طَالبا للْآخر وان كَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار امْر ثَالِث فإمَّا ان يكون من نوعها اَوْ من نوع احدهما اَوْ هُوَ نوع ثَالِث غَيرهمَا فَإِن كَانَ مِنْهُمَا فَهُوَ دور فَإِن امتزاجهما لَا يتم إِلَّا بِهِ وَهُوَ لَا يتم إِلَّا بامتزاجهما وَإِن كَانَ من نوع أَحدهمَا فَلَيْسَ بِأَصْل ثَالِث غَيرهمَا وَإِذ ذَاك فَيَعُود الْقسم الأول لَا محَالة وَإِن لم يكن من نوعهما فَهُوَ إِمَّا بسيط اَوْ مركب فَإِن كَانَ بسيطا فَهُوَ إِمَّا خير مَحْض أَو شَرّ مَحْض لعدم التَّرْكِيب فِيهِ وَإِذ ذَاك فالصادر عَنهُ يجب أَن يكون حاذيا حذوه وقافيا أَثَره وَفِي ذَلِك امْتنَاع وجود قسم آخر غير الشَّرّ الْمَحْض وَالْخَيْر الْمَحْض وَهُوَ مُمْتَنع