قَالُوا البارى تَعَالَى قَادر على مثل جَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِى هى مقدورة للْعَبد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون قَادِرًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَو لم يكن يقدر عَلَيْهَا لم يكن قَادِرًا على مثلهَا وَهُوَ خلف وَإِذا ثَبت أَنه قَادر على أَفعَال الْعباد فَإِذا حدثت وَجب أَن تكون مخلوقة لَهُ
وَهُوَ قريب من المسلك الأول إِذْ الْخصم قد يمْنَع كَون الرب قَادِرًا على مثل فعل العَبْد وَإِن سلم فَأَما أَن يكون فِي مَحل قدرَة العَبْد أَو خَارِجا عَن مَحل قدرته فَإِن كَانَ فِي مَحل قدرَة العَبْد فَهُوَ مَحل النزاع وَمَوْضِع الْمَنْع وَإِن كَانَ خَارِجا عَن مَحل قدرَة العَبْد فَهُوَ غير مَقْدُور للْعَبد فَإِذا قيل بِكَوْن الرب قَادِرًا على فعل العَبْد لكَونه قَادِرًا على مثله فَيلْزم أَن يكون العَبْد قَادِرًا على فعل الرب لكَونه قَادِرًا على مثله وَهُوَ محَال ثمَّ وَلَو سلم أَنه قَادر على فعل العَبْد فَلَا يلْزم أَن يكون خَالِقًا لَهُ لم أسلفناه
[ ٢١٧ ]
رُبمَا تمسك بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا بظواهر الْكتاب وَالسّنة وأقوال بعض الْأَئِمَّة وَلَا مطمع لَهَا فِي القطعيات وَلَا معول عَلَيْهَا فِي اليقينيات فَلذَلِك آثرنا الْإِعْرَاض عَنْهَا وَلم نشغل الزَّمَان بإيرادها
وَالصَّوَاب فِي هَذَا الْبَاب
أَن يُقَال لَو لم يكن فعل العَبْد بل غَيره من الموجودات الْحَادِثَة مَقْدُورًا للرب وداخلا تَحت قدرته للَزِمَ أَن يكون البارى تَعَالَى نَاقِصا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْقُدْرَة عَلَيْهِ كَمَا مضى فِي الْإِرَادَة وَهُوَ محَال
وَلَئِن تشوفنا إِلَى بَيَان إمتناع إِضَافَة الْخلق إِلَى فعل العَبْد قُلْنَا لم يخل إِمَّا أَن يكون موجدا لَهُ بِالذَّاتِ أَو بالإرادة لَا جَائِز أَن يكون موجدا لَهُ بِالذَّاتِ وَإِلَّا لما برح فَاعِلا لَهُ وَهُوَ محَال خلاف مَا نشاهده وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ خلاف المذهبين وَلَا جَائِز أَن يكون موجدا لَهُ بالإرادة وَإِلَّا لما وجد دونهَا فكم من فعل يصدر من العَبْد ويعتقد كَونه مخلوقا لَهُ من غير إِرَادَة وَذَلِكَ كَمَا فِي حَالَة الْغَفْلَة والذهول وَنَحْوه وَالْقَوْل بِكَوْنِهِ مرِيدا فِي مثل هَذِه الْحَالة عين السفسطة فَإِنَّهُ لَو سُئِلَ هَل أردْت مَا فعلت لم يكن الْجَواب إِلَّا بِلَا كَيفَ وَأَن الْفِعْل بالإرادة من العَبْد يستدعى الْقَصْد وَالْقَصْد يستدعى مَقْصُودا وَالْمَقْصُود يستدعى كَونه مَعْلُوما وَهُوَ غير عَالم بِهِ لَا محَالة وَإِن علمه من وَجه لم يُعلمهُ من كل وَجه وَمَعَ ذَلِك فصدوره عَنهُ يكون على غَايَة من الْحِكْمَة والإتقان وعَلى سَبِيل
[ ٢١٨ ]
الْكَمَال والتمام فَلَو كَانَ موجدا لَهُ بالإرادة لوَجَبَ كَونه محيطا بِهِ عَالما بأحواله إِذْ الْقَصْد والإرادة لَا يكونَانِ إِلَّا مَعَ الْعلم وَلَا جَائِز أَن يكون مُتَعَلق قدرَة العَبْد مَا هُوَ مَعْلُوم لَهُ ومتعلق قدرَة البارى مِنْهُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم للْعَبد إِذْ مَقْدُور كل وَاحِد مِنْهُمَا قد لَا يتم إِلَّا مَعَ تحقق مَقْدُور الآخر وَيلْزم من ذَلِك امْتنَاع وجود الْفِعْل فِي نَفسه لما أسلفناه فِي مَسْأَلَة التَّوْحِيد كَيفَ وَأَن ذَلِك مِمَّا لَا قَائِل بِهِ وَإِذا جَازَ صُدُور الْفِعْل عَن العَبْد فِي مثل هَذِه الْأَحْوَال وَقيل انه مَخْلُوق لَهُ من غير اراده فقد بَطل أَخذ الْإِرَادَة شرطا فِي الْخلق وَإِذا لم تكن الْإِرَادَة شرطا فِي الْخلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض أَفعاله لم تكن شرطا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر أَفعاله وَإِن كَانَ عَالما بهَا مرِيدا لَهَا إِذْ لَا أَوْلَوِيَّة لأَحَدهمَا وَمَعَ ذَلِك فَلَا قَائِل بِهِ وَيلْزم من إبِْطَال تالى الشّرطِيَّة بطلَان مقدمها وَهُوَ الْمَقْصُود وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لَازم على كل من جعل للقدرة الْحَادِثَة تَأْثِيرا مَا فِي إِيجَاد الْفِعْل أَو فِي صفة زَائِدَة عَلَيْهِ
فَإِن قيل إِنَّا ندرك بِالضَّرُورَةِ وُقُوع الْأَفْعَال على حسب الدواعى والأغراض وَاخْتِلَاف الْمَقَاصِد والإرادات وَلَوْلَا صَلَاحِية الْقُدْرَة الْحَادِثَة للإيجاد وَإِلَّا لما أحس من النَّفس ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الانسان يجد من نَفسه تَفْرِقَة بَين الْحَرَكَة الاضطرارية وَالْحَرَكَة الاختيارية وَلَيْسَت التَّفْرِقَة وَاقعَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحركتين من حَيْثُ هما ذاتان أَو من حَيْثُ هما موجودان وَلَا غير ذَلِك بل التَّفْرِقَة إِنَّمَا هى رَاجِعَة إِلَى كَون إِحْدَاهمَا مقدورة
[ ٢١٩ ]
مُرَادة وَالْأُخْرَى لَيست مقدورة وَلَا مُرَادة وَإِذا لم تكن التَّفْرِقَة إِلَّا لتَعلق الْقُدْرَة بِإِحْدَاهُمَا دون الْأُخْرَى فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لتَعلق الْقُدْرَة تَأْثِير أَو لَيْسَ لَهَا تَأْثِير لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهَا وَإِلَّا لما حصلت التَّفْرِقَة إِذْ لَا فرق بَين انْتِفَاء التَّعَلُّق وَبَين ثُبُوته مَعَ انْتِفَاء التَّأْثِير فِيمَا يرجع إِلَى التَّفْرِقَة فَتعين القَوْل بالتأثير
قَالَ القاضى أَبُو بكر من أَصْحَابنَا ﵀ وَلَا جَائِز أَن يكون التَّأْثِير فِي إِيجَاد الْفِعْل وَإِلَّا لما وَقع الْفرق إِذْ الْوُجُود من حَيْثُ هُوَ وجود لَا يخْتَلف فَيجب أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة زَائِدَة على إِحْدَاث الْفِعْل لكنه قَالَ تَارَة فِي الْأَمر الزَّائِد إِنَّه مَخْلُوق للرب وَلِلْعَبْدِ هربا من شنيع إِفْرَاد العَبْد بالخلق دون الرب وَقَالَ تَارَة بإنفراد العَبْد بِهِ وَهُوَ مَا بَين شنيع القَوْل بالإنفراد وَالْقَوْل بمخلوق بَين خالقين وسيأتى وَجه الْكَلَام عَلَيْهِ فِيمَا بعد
وَرُبمَا تمسك الْخصم بِأَن أَفعَال الْعباد لَو كَانَت مخلوقة لغَيرهم كَانَ التَّكْلِيف فِي نَفسه بَاطِلا فَإِن حَاصله يرجع إِلَى الْمُطَالبَة بِفعل الْغَيْر والتكيلف بِالْفِعْلِ لمن لَا يَفْعَله وَلَيْسَ طلب ذَلِك مِنْهُ إِلَّا على نَحْو طلب إِحْدَاث الْأَجْسَام وأنواع الأكوان وَهُوَ محَال ولبطل أَيْضا معنى الثَّوَاب وَالْعِقَاب على الْأَفْعَال والمجازاة على الْأَعْمَال من حَيْثُ إِن الحكم بذلك للشَّخْص بِسَبَب فعل غَيره حارف عَن مذاق الْعُقُول وَمَا ورد بِهِ الشَّرْع الْمَنْقُول وَهَذِه الشُّبْهَة هى الَّتِى أوقعت إِمَام الْحَرَمَيْنِ والإسفرايينى رحمهمَا الله فِيمَا ذهب إِلَيْهِ واعتمدا عَلَيْهِ
[ ٢٢٠ ]
وَالْجَوَاب
أما وُقُوع الْأَفْعَال على حسب الدواعى والأغراض فَذَلِك مِمَّا لَا يدل على صَلَاحِية الْقُدْرَة الْحَادِثَة للإيجاد إِذْ الْخلَل لائح فِي خلاله والزلل وَاقع فى أرجائه من حَيْثُ إِن الْأَشْيَاء مِنْهَا مَا يَقع على حسب الدواعى وَلَا يُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة وَلَا يدل على صلاحيتها للإيجاد وَذَلِكَ كَمَا فى حُصُول الرى عِنْد الشّرْب والشبع عِنْد الْأكل وَحُصُول الألوان فِي صناعَة الصَّبْغ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْهَا مَا لَا يَقع على حسب الداعية وَالْغَرَض وَذَلِكَ كَمَا فِي أَفعَال النَّائِم والغافل والساهى وَنَحْو ذَلِك وَمَعَ ذَلِك هى مُضَافَة إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة على أصلهم وَحَيْثُ لم يَصح مَا عولوا عَلَيْهِ طردا وعكسا لم يجز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ أصلا
وَمَا نجده من التَّفْرِقَة بَين الْحَرَكَة الاضطرارية والاختيارية فَهُوَ سبيلنا فِي إِثْبَات الْكسْب على من أنكرهُ من الجبرية وَقَالَ إِن الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَا تعلق لَهَا بِالْفِعْلِ أصلا وَلُزُوم التَّأْثِير من وُقُوع التَّفْرِقَة هُوَ محز الْخلاف وَمَوْضِع الانحراف بل التَّفْرِقَة قد تحصل بِمُجَرَّد تعلق الْقُدْرَة بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَإِن لم يكن لَهَا تَأْثِير فِي إيجاده وَذَلِكَ على نَحْو وُقُوع التَّفْرِقَة بَين مَا تعلق بِهِ الْعلم وَبَين غَيره وَبَين مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة وَبَين غَيره وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم أَن يُقَال إِذا جَازَ تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِالْفِعْلِ من غير تَأْثِير كَمَا فِي الْعلم وَنَحْوه جَازَ تعلقهَا بِغَيْرِهِ من الْحَوَادِث كَمَا فِي الْعلم فَإِن حَاصله يرجع إِلَى دَعْوَى مُجَرّدَة فِي المعقولات ومحض استرسال فِي اليقينيات وَهُوَ غير مَقْبُول
وَكَون الْوُجُود قَضِيَّة وَاحِدَة مِمَّا لَا يُوجب تعلق الْقُدْرَة بِهِ بطرِيق الْعُمُوم وَمَا هُوَ اعتذارنا فِي تَخْصِيص تعلق الْقُدْرَة بِهِ من غير تَأْثِير هُوَ أَن من مُوجب اعْتِقَادهم
[ ٢٢١ ]
أَن الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالموجود من غير تَأْثِير وَلَا تتَعَلَّق بِكُل مَوْجُود فَمَا هُوَ اعتذارهم ثمَّ هُوَ اعتذارنا هَهُنَا أَيْضا
وَمَا اعْتَمدهُ القاضى أَبُو بكر ﵀ فِي منع تَعْلِيق الْقُدْرَة بحدوث الْفِعْل من حَيْثُ إِن الْوُجُود قَضِيَّة عَامَّة فإمَّا ان يعْتَرف ان نفس الْوُجُود هُوَ نفس الْمَوْجُود اَوْ زَائِد عَلَيْهِ فَإِن كَانَ الأول فقد بَطل القَوْل بالتعميم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ لَازم لَهُ فِي تعلقهَا بحدوث الصّفة الزَّائِدَة أَيْضا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل التَّعَلُّق بحدوث الصّفة من حَيْثُ هُوَ مَخْصُوص بهَا وَعند ذَلِك فَيجب قبُول القَوْل بِأَن تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَيْسَ إِلَّا بحدوث مَخْصُوص بِفعل مَخْصُوص وَلَا محيص عَنهُ ثمَّ وَلَو قدر تعلق الْقُدْرَة بزائد على نفس الْفِعْل فَلَا يلْزم أَن يُقَال بتأثيرها فِيهِ أَيْضا لما أسلفناه فِي نفس الْفِعْل وَمَا اعْتمد عَلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فِي إبِْطَال قَول القاضى فِي أَن مَا ثَبت تعلق الْقُدْرَة بِهِ مَجْهُول غير مَعْلُوم فلست أرَاهُ مرضيا
وَمَا أُشير إِلَيْهِ من امْتنَاع وُقُوع التَّكْلِيف وَتعذر القَوْل بالمجازاة على الْأَفْعَال بالثواب وَالْعِقَاب وَأَن ذَلِك تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فسيرد وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمَا يخص الإسفرايينى فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من إِثْبَات مَخْلُوق بَين خالقين فقد سبق وَجه إحالته وَظهر زيف مقَالَته فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
[ ٢٢٢ ]
وَعند هَذَا فَيجب أَن نختم الْكَلَام بِذكر الْكسْب والخلق تمييزا لكل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الآخر
أما الْكسْب فَأحْسن مَا قيل فِيهِ إِنَّه الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَقيل هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِمحل الْقُدْرَة
وَأما الْخلق فَإِنَّهُ وَإِن أطلق باعتبارات مُخْتَلفَة كالتقدير والهم باشئ والعزم عَلَيْهِ والإخبار بالشئ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْمُرَاد بالخلق الْمُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْقَدِيمَة إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة وَإِن شِئْت قلت هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِغَيْر مَحل الْقُدْرَة عَلَيْهِ
وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فكاف لمن لَدَيْهِ أدنى حَظّ من التفطن وَالله الْمُسْتَعَان
[ ٢٢٣ ]