إِن قيل فَهَل للبارى تَعَالَى أخص وصف يتَمَيَّز بِهِ عَن الْمَخْلُوقَات
وَهل يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أثبتموه من الصِّفَات
وَهل الصّفة نفس الْوَصْف أم غَيره
وَإِن كَانَت غَيره فَهَل هى عين الْمَوْصُوف أم غَيره أم لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره
قُلْنَا أما السُّؤَال الأول
فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِيهِ إِنَّه لَا بُد من صفة وجودية إِذْ التَّمْيِيز بَين الذوات غير حَاصِل بِمَا يتخيل من الْأُمُور السلبية النفيية كَمَا فِي قَوْلنَا إِنَّه لَا حد لَهُ وَلَا نِهَايَة وَلَيْسَ بجسم وَلَا عرض وَنَحْو ذَلِك
لَكِن هَل يجوز ان يدْرك أم لَا اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم إِن استدعاء التَّمْيِيز بِالْوَصْفِ الْأَخَص إِنَّمَا يكون عِنْد الِاشْتِرَاك بَين الذوات والبارى تَعَالَى مباين بِذَاتِهِ لجَمِيع مخلوقاته وَأَنه لَيْسَ بمجانس لَهَا وَإِلَّا للَزِمَ أَن يشاركها فِي كَونهَا جَوَاهِر وأعراضا وكل ذَلِك محَال كَمَا سيأتى وَهُوَ الأغوص
[ ١٣٤ ]
وَأما السُّؤَال الثانى
فمما اخْتلف فِيهِ ايضا فَقَالَ بَعضهم لَا يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ من جِهَة أَن الدَّلِيل الذى دلّ عَلَيْهَا لم يدل على غَيرهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون لَهُ صفة أُخْرَى لم يخل إِمَّا أَن تكون صفة كَمَال أَو نُقْصَان فَإِن كَانَت صفة كَمَال فعدمها فِي الْحَال نُقْصَان وان كَانَت صفة نُقْصَان فثبوتها لَهُ مُمْتَنع وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن غَايَة مَا يلْزم من انْتِفَاء دلَالَة الدَّلِيل على الْوَصْف انْتِفَاء الْعلم بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يلازمه القو ل بنفى تجويزه وَلَيْسَ يلْزم من كَونه جَائِزا أَن يكون مَعْدُوما حَتَّى يُقَال إِن عَدمه يكون نقصا نعم لَو قيل إِن لَهُ صفة جَائِزَة لَهُ وَلَيْسَت فِي الْحَال ثَابِتَة لَهُ لقد كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا
فَإِذا الْأَقْرَب مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب وَهُوَ أَن ذَلِك جَائِز عقلا وان لم نقض بِثُبُوتِهِ لعدم الْعلم بِوُقُوعِهِ عقلا معلا وَانْتِفَاء الْإِطْلَاق بِهِ شرعا وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب لواجب الْوُجُود فِي ذَاته نقصا إِلَّا أَن يكون مَا هُوَ جَائِز لَهُ غير ثَابت
وَمن الْأَصْحَاب من زَاد على هَذَا وَأثبت الْعلم بِوُجُود صِفَات زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ وَذَلِكَ مثل الْبَقَاء وَالْوَجْه والعينين وَالْيَدَيْنِ وَمن الحشوية من زَاد على ذَلِك حَتَّى
[ ١٣٥ ]
أثبت لَهُ نورا وجنبا وقدما والاستواء على الْعَرْش وَالنُّزُول إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَعند التَّحْقِيق فَهَذِهِ الصِّفَات مِمَّا لَا دَلِيل على ثُبُوتهَا
أما الْبَقَاء فَلَيْسَ زَائِدا على معنى اسْتِمْرَار الْوُجُود فَمَعْنَى قَوْلنَا إِن الشئ بَاقٍ أَنه مُسْتَمر الْوُجُود وَإنَّهُ لَيْسَ بباق أَنه غير مُسْتَمر الْوُجُود وَذَلِكَ لَا يزِيد على نفس الْوُجُود فِيمَا يعرض من الْأَحْوَال المعددة والمدد المسرمدة ثمَّ وَلَو كَانَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الْوُجُود فإمَّا أَن يكون مَوْجُودا اَوْ مَعْدُوما فَإِن كَانَ مَعْدُوما فَلَا صفة وان كَانَ مَوْجُودا لزم ان يكون لَهُ بَقَاء وَإِلَّا فَلَا يكون مستمرا وَذَلِكَ فِي صِفَات البارى تَعَالَى محَال وَإِن كَانَ لَهُ بَقَاء فَالْكَلَام فِي ذَلِك الْبَقَاء كَالْكَلَامِ فِي الاول وهلم جرا وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهُوَ محَال
ثمَّ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْبَقَاء قَائِما بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ مُمْتَنع إِذْ لَيْسَ قيام أَحدهمَا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس لاشْتِرَاكهمَا فِي الْحَقِيقَة واتحادهما فِي الْمَاهِيّة وَهَذَا الذى ذَكرْنَاهُ مِمَّا لَا يفرق فِيهِ بَين مَوْجُود وموجود لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا فَإِذا لَيْسَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الباقى
وَأما مَا قيل بِثُبُوتِهِ من باقى الصِّفَات
فالمستند فِيهَا لَيْسَ إِلَّا المسموع الْمَنْقُول دون قضيات الْعُقُول والمستند فِي الْوَجْه
[ ١٣٦ ]
قَوْله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَفِي الْيَدَيْنِ قَوْله تَعَالَى موبخا لإبليس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ وَفِي الْعَينَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَقَوله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَفِي النُّور قَوْله تَعَالَى ﴿نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَفِي الْجنب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ وَفِي السَّاق قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ وَفِي الْقدَم قَوْله ﵇ وَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَاسْتقر أهل الْجنان فِي نعيمهم وَأهل النيرَان فِي حميمهم قَالَت النَّار هَل من مزِيد فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فِيهَا فَتَقول قطّ قطّ أَي حسبى حسبى وَفِي النُّزُول قَوْله ﵇ إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَفِي الاسْتوَاء قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَإِلَى غير ذَلِك من الْآيَات
[ ١٣٧ ]
وَاعْلَم أَن هَذِه الظَّوَاهِر وَإِن وَقع الاغترار بهَا بِحَيْثُ يُقَال بمدلولاتها ظَاهر من جِهَة الْوَضع اللغوى وَالْعرْف الاصطلاحى فَذَلِك لَا محَالة انخراط فِي سلك نظام التجسيم وَدخُول فِي طرف دَائِرَة التَّشْبِيه وسنبين مَا فِي ذَلِك من الضلال وَفِي طيه من الْمحَال إِن شَاءَ الله بل الْوَاجِب أَن يُقَال ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
فَإِن قيل بِأَن مَا دلّت عَلَيْهِ هَذِه الظَّوَاهِر من المدلولات وَأَثْبَتْنَاهُ بهَا من الصِّفَات لَيست على نَحْو صفاتنا وَلَا على مَا نتخيل من احوال ذواتنا بل مُخَالفَة لصفاتنا كَمَا ان ذَاته مُخَالفَة لذواتنا وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُود إِلَى التَّشْبِيه وَلَا يَسُوق إِلَى التجسيم
فَهَذَا وَإِن كَانَ فِي نَفسه جَائِزا لَكِن القَوْل باثباته من جملَة الصِّفَات يستدعى دَلِيلا قَطْعِيا وَهَذِه الظَّوَاهِر وَإِن أمكن حملهَا على مثل هَذِه المدلولات فقد أمكن حملهَا على غَيرهَا أَيْضا وَمَعَ تعَارض الِاحْتِمَالَات وتعدد المدلولات فَلَا قطع وَمَا لَا قطع عَلَيْهِ من الصِّفَات لَا يَصح إثْبَاته للذات
فَإِن قيل وَمَا هَذِه الِاحْتِمَالَات الَّتِى بتدونها الَّتِى تعنونها قُلْنَا
[ ١٣٨ ]
أما لفظ الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْقُدْرَة وَهَذَا يَصح أَن يُقَال فلَان فِي يدى فلَان إِذا كَانَ مُتَعَلق قدرته وَتَحْت حكمه وقبضته وَإِن لم يكن فِي يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ هما بِمَعْنى الجارحتين أصلا وعَلى هَذَا يحمل قَوْله ﵇ قلب الْمُؤمن بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن
فَإِن قيل يلْزم من ذَلِك إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص بِذكر خلق آدم باليدين من حَيْثُ إِن سَائِر الْمَخْلُوقَات إِنَّمَا هى مخلوقة بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة فَإِذا قَالَ ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ أَي بِقُدْرَتِي لم يكن لَهُ معنى
قُلْنَا لَا يبعد أَن تكون قائدة التَّخْصِيص بِالذكر التشريف والاكرام كَمَا خصص الْمُؤمنِينَ بِلَفْظ الْعباد واضافهم بالعبودية إِلَى نَفسه وكما أضَاف عِيسَى والكعبة إِلَى نَفسه وَلم تكن فَائِدَة التَّخْصِيص بِالذكر اخْتِصَاص مَا أَضَافَهُ إِلَى نَفسه بِالْإِضَافَة بل التشريف والاكرام لَا غير ثمَّ إِنَّا قد بَينا ان للبارى تَعَالَى قدرَة وهى معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد وَالْيَدَانِ اما ان يَتَأَتَّى بهما الايجاد والخلق اَوْ لَيْسَ فَإِن تأتى بهما الايجاد فهى نفس الْقُدْرَة لَا زَائِدا عَلَيْهَا وَإِن اخْتلفت الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهَا وَالْقَوْل بالتعدد فِي صفة الْقُدْرَة مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لما أَشَرنَا إِلَيْهِ وَأما إِن كَانَت مِمَّا لَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد والخلق
[ ١٣٩ ]
فَلَا محَالة أَن فِي حمل الْيَدَيْنِ إِلَى غير الْقُدْرَة مَا يفضى إِلَى الْكَذِب فِي الْآيَة حَيْثُ أضَاف الْخلق والإيجاد إِلَيْهِمَا وَلَا محَالة أَن مَحْذُور إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص أدنى من الْمَحْذُور اللَّازِم من الْكَذِب وعَلى تَقْدِير التساوى فالاحتمال قَائِم وَالْقطع مُنْتَفٍ
وَأما قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب فلَان بمرأى من فلَان ومسمع إِذا كَانَ مِمَّن يحوط بِهِ حفظه ورعايته ويشمله رفده ورعايته وَقد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يُرَاد بالأعين هَهُنَا على الخص مَا انفجر من الأَرْض من الْمِيَاه وأضافها إِلَى نَفسه إِضَافَة التَّمَلُّك
وَقَوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى بِالْوَجْهِ الذَّات ومجموع الصِّفَات وَحمله عَلَيْهِ أولى من جِهَة أَنه خصصه بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ لَا يخْتَص بِصفة دون صفة بل هُوَ بِذَاتِهِ ومجموع صِفَاته بَاقٍ
وَقَوله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَنه هادى أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيكون اطلاق اسْم النُّور عَلَيْهِ بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى
[ ١٤٠ ]
وَقَوله ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَمر الله ونهية فَيكون تَقْدِير ذَلِك يَا حسرتا على مَا فرطت فِي امْتِثَال أوَامِر الله ونواهيه وَيحْتَمل ان يكون المُرَاد بِهِ الجناب وَمِنْه يُقَال فلَان لائذ بِجنب فلَان اى بجنابه وَحرمه
واما قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْكَشْف عَن مَا فِي الْقِيَامَة من الْأَهْوَال وَمَا أعد للْكفَّار من السلَاسِل والأغلال وَلِهَذَا يُقَال قَامَت الْحَرْب على سَاق عِنْد التحامها وتصادم أبطالها واشتداد اهوالها
وَقَوله ﵇ فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فى النَّار فقد قيل يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ بعض الامم المستوجبين النَّار وَتَكون إِضَافَته الْقدَم إِلَى الْجَبَّار تَعَالَى إِضَافَة التَّمْلِيك وَقد قيل يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ قدم بعض الجبارين الْمُسْتَحقّين للعذاب الْأَلِيم بِأَن يكون قد ألهم الله النَّار الاستزاده إِلَى حِين اسْتِقْرَار قدمه فِيهَا
وَأما آيَة الاسْتوَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد التسخير والوقوع فِي قَبْضَة الْقُدْرَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب اسْتَوَى الْأَمِير على مَمْلَكَته عِنْد دُخُول الْعباد تَحت طوعه فِي مراداته وتسخيرهم فِي مأموراته ومنهياته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقول الشَّاعِر قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق من غير سيف وَدم مهراق
[ ١٤١ ]
وَتَكون فَائِدَة التَّخْصِيص بِذكر الْعَرْش التَّنْبِيه بالأعلى على الْأَدْنَى فِيمَا يرجع إِلَى الِاسْتِيلَاء والاستعلاء
وَأما خبر النُّزُول فانه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد النُّزُول بِمَعْنى اللطف وَالرَّحْمَة وَترك مَا يَلِيق بعلو الرُّتْبَة وَعظم الشَّأْن والاستغناء الْكَامِل الْمُطلق وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب نزل الْملك مَعَ فلَان إِلَى أدنى الدَّرَجَات عِنْد لطفه بِهِ وإحاطته بعنايته وانبساطه فِي حَضْرَة مَمْلَكَته وَتَكون فَائِدَة ذَلِك انبساط الْخلق على حَضْرَة المملكة بالتضرع بالدعوات والتبتل بالعبادات وَغير ذَلِك من الرياضات فِي تَحْصِيل الْمَقَاصِد والمطلوبات وَإِلَّا فَلَو نظر إِلَى مَا يَلِيق بمملكته وعلو شَأْنه وعظمته لما وَقع التجاسر على خدمته وَالْوُقُوف بعتبته فَإِن الْعباد وعباداتهم من صومهم وصلاتهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظمته وجلاله دون تَحْرِيك أُنْمُلَة بعض الْعباد فِي معرض الطَّاعَة والخدمة لبَعض مُلُوك الْبِلَاد وَمن فعل ذَلِك فَإِنَّهُ يعد فِي الْعرف مستهينا ومستهزئا بالمملكة وخارجا عَن إِرَادَة التَّعْظِيم فَمَا ظَنك بِمَا هُوَ فِي دون من الرُّتْبَة
وَأما التَّخْصِيص بسماء الدُّنْيَا فَمن حَيْثُ إِنَّهَا أدنى الدَّرَجَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى رتبه العلى فَلذَلِك جعل النُّزُول إِلَيْهَا مُبَالغَة فِي اللطف كَمَا يُقَال للْوَاحِد منا صعد إِلَى السَّمَاء
[ ١٤٢ ]
وَنزل إِلَى الثرى إِذْ هى أدنى الدَّرَجَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى رتبته فِي جانبى النُّزُول والرفعة لما ذَكرْنَاهُ وخصص النُّزُول بالليالى دون الْأَيَّام من حَيْثُ إِنَّهَا مَظَنَّة الخلوات وَوقت التضرع والدعوات لخالق البريات وَقد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بنزول الله نزُول ملك لله تجوزا واستعارة كَمَا قَالَ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة وَكَقَوْلِه ﴿الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾ أَي أولياءه وَيَقُول على لِسَانه هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَذَلِكَ كَمَا يُقَال نَادَى الْملك وَقَالَ الْملك كَذَا على كَذَا وَإِن كَانَ المنادى وَالْقَائِل بذلك القَوْل غَيره
وَلَيْسَ تَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر وَحملهَا على هَذِه المحامل بمستبعد كَمَا حمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم﴾ على معنى الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وكما حمل قَوْله ﷿ على مَا أخبر بِهِ نبيه ﵇ من اتانى مَاشِيا أتيت إِلَيْهِ هرولة على معنى التطول والإنعام فَإِن لم يقل بالتأويل ثمَّ وَجب الا يُقَال بِهِ هَهُنَا وَإِن قيل بِهِ هَهُنَا وَجب القَوْل بِهِ ثمَّ إِذْ لَا فَارق بَين الصُّورَتَيْنِ وَلَا فاصل بَين الْحَالَتَيْنِ
[ ١٤٣ ]
وَأما السُّؤَال الثَّالِث
فقد اضْطَرَبَتْ آراء الْمُتَكَلِّمين فِيهِ
فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الصّفة هى نفس الْوَصْف وَالْوَصْف هُوَ خبر الْخَبِير عَمَّن اخبر عَنهُ بِأَمْر مَا كَقَوْلِه إِنَّه عَالم أَو قَادر أَو أَبيض أَو أسود وَنَحْوه وَأَنه لَا مَدْلُول للصفة وَالْوَصْف إِلَّا هَذَا ولربما احْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَنَّهُ لَو خلق الله تَعَالَى الْعلم أَو الْقُدْرَة أَو غَيرهمَا من الصِّفَات لبَعض الْمَخْلُوقَات لم يَصح تَسْمِيَته باعبتار ذَلِك واصفا وَلَو أخبر عَنهُ بِأَنَّهُ عَالم أَو قَادر أَو غير ذَلِك صَحَّ القَوْل بتسميته واصفا وَالصّفة يجب أَن تكون مَا يكون بهَا الواصف واصفا وَلَيْسَ على هَذَا النَّحْو غير القَوْل والإخبار وَلَعَلَّ مِنْهُم من يسْتَند فِي ذَلِك إِلَى النَّقْل عَن أهل الْوَضع أَنهم قَالُوا الْوَصْف وَالصّفة بِمَعْنى وَاحِد كَمَا يُقَال الْوَجْه والجهة والوعد وَالْعدة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالوصف هُوَ القَوْل وَالصّفة هى القَوْل لكَونهَا فِي مَعْنَاهُ ثمَّ بنوا على ذَلِك انْتِفَاء الصِّفَات عَن البارى تَعَالَى فِي الْأَزَل لضَرُورَة اسْتِحَالَة القَوْل بِوُجُود الواصف فِي الْقدَم
وَأما مُعْتَقد أهل الْحق فالصفة هى مَا وَقع الْوَصْف مشتقا مِنْهَا وَهُوَ دَال عَلَيْهَا وَذَلِكَ مثل الْعلم وَالْقُدْرَة وَنَحْوه فَالْمَعْنى بِالصّفةِ لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنى وَالْمعْنَى بِالْوَصْفِ لَيْسَ
[ ١٤٤ ]
الا مَا هُوَ دَال على هَذَا الْمَعْنى بطرِيق الِاشْتِقَاق وَلَا يخفى مَا بَينهمَا من التغاير فِي الْحَقِيقَة والتنافر فِي الْمَاهِيّة فَالْخِلَاف إِن وَقع فَلَيْسَ إِلَّا فِي تَسْمِيَة هَذَا الْمَعْنى صفة وَحَاصِل النزاع فِي ذَلِك مِمَّا لَا مطمع فِيهِ بِالْيَقِينِ وانما هُوَ مُسْتَند إِلَى الظَّن والتخمين ويكفى فِي ذَلِك مَا نقل عَن الْعَرَب واشتهر اسْتِعْمَاله فِي أَلْسِنَة أهل الْأَدَب أَن الصّفة منقسمة إِلَى خلقية لَازِمَة وَغير خلقية ثمَّ فسروا الخلقية بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاض وَنَحْوه وَلَوْلَا أَن ذَلِك جَائِز وَإِلَّا لما شاع وَلَا ذاع وَعدم اشتقاق اسْم مِنْهُ لمن أبدعه وخلقه لَا يدل على امْتنَاع تَسْمِيَته صفة لجَوَاز أَن يكون اشتقاق ذَلِك الِاسْم من الْوَصْف دون الصّفة ثمَّ وَلَو وَجب اشتقاق اسْم الواصف من الصّفة لكَونه خَالِقهَا لوَجَبَ اشتقاق اسْم الزانى والمؤذى والمفسد للبارى تعإلى من الزِّنَى وَالْفساد والأذى لكَونه خَالِقهَا وَهُوَ محَال
وَمَا نقل عَن الْعَرَب من قَوْلهم إِن الْوَصْف وَالصّفة بِمَنْزِلَة الْوَعْد وَالْعدة وهما بِمَنْزِلَة وَاحِدَة يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي المصدرية فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال وَصفته وَصفا ووصفته صفة كَمَا يُقَال وعدته وَعدا ووعدته عدَّة أَو أَنهم أَرَادوا بقَوْلهمْ أَن الْوَصْف هُوَ الصّفة للواصف الْمخبر فَإِن قِيَامه بِهِ لَا محَالة صفة لَهُ وَالْوَاجِب جعل مَا صَحَّ نَقله عَنْهُم من هَذَا الْقَبِيل على مثل هَذِه الْمعَانى أَو عينهَا جمعا بَين النقلين وَعَملا بكلا الدَّلِيلَيْنِ
وَإِذا عرف أَن الصّفة غير الْوَصْف فَهَل هى نفس الْمَوْصُوف أم غَيره أم لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره فالذى ذهب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو الْحسن وَعَامة الاصحاب أَن من الصِّفَات مَا يَصح أَن يُقَال هى عينه وَذَلِكَ كالوجود وَمِنْهَا مَا يُقَال إِنَّهَا غَيره وهى كل صفة أمكن مفارقتها
[ ١٤٥ ]
للموصوف بِجِهَة مَا كَمَا فِي صِفَات الفعال من كَونه خَالِقًا ورازقا وَنَحْوه وَمِنْهَا مَا لَا يُقَال إِنَّهَا عينه وَلَا غَيره وهى كل صفة امْتنع القَوْل بمفارقتها بِوَجْه مَا كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا من الصِّفَات النفسية لذات وَاجِب الْوُجُود بِنَاء على أَن معنى المتغايرين كل موجودين صحت مُفَارقَة أَحدهمَا للْآخر بِجِهَة مَا كالزمان وَالْمَكَان وَنَحْوه وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه جَار فِي تغاير الصِّفَات النفسية بَعْضهَا مَعَ بعض أَيْضا وَهَذَا مِمَّا لَا أرى حَاصله يرجع إِلَى أَمر يقينى وَلَا إِلَى معنى قطعى وَإِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى أَمر اصطلاحى وَالْوَاجِب أَن يجرد النّظر إِلَى التَّحْقِيق ويكشف عَن غور مزلة الطَّرِيق فَنَقُول
الْوَاجِب أَن كل ذَات قَامَت بهَا صِفَات وَاجِبَة زَائِدَة عَلَيْهَا فالذات غير الصِّفَات وَكَذَا كل وَاحِد من الصِّفَات غير الْأُخْرَى إِن اخْتلفَا بالذوات بِمَعْنى أَن حَقِيقَة كل وَاحِد وَالْمَفْهُوم مِنْهُ عِنْد انْفِرَاده غير مَفْهُوم الآخر لَا محَالة نعم إِن لم يَصح اطلاق اسْم الغيرين وَلَا القَوْل بِهِ صفة عَن ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته مَعَ الِاعْتِرَاف بِكَوْنِهَا مُخْتَلفَة الْحَقَائِق والذوات لعدم وُرُود السّمع بِهِ فَهُوَ جَوَاب لكنه مِمَّا لَا يقْدَح فِي الْمَطْلُوب
[ ١٤٦ ]
وَعند ذَلِك فَلَا بُد من التَّنْبِيه لدقيقة وَهُوَ أَنه وان كَانَت الصِّفَات غير مَا قَامَت بِهِ من الذَّات فَالْقَوْل بِأَنَّهَا غير مَدْلُول الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْهَا أَو مَا وضع لَهَا وللذات من غير اشتقاق وَذَلِكَ مثل صفة الْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُسَمّى الْعَالم أَو مُسَمّى الْإِلَه غير صَحِيح وَكَذَلِكَ لَا يَصح أَن يُقَال بِأَنَّهَا عينه أَيْضا فَإِنَّهَا إِدْرَاك جُزْء وَمعنى مَا قيل إِنَّهَا لَيست عينه أَو غَيره فعلى هَذَا وَإِن صَحَّ القَوْل بِأَن علم الله تَعَالَى غير مَا قارنه من الذَّات لَا يَصح أَن يُقَال إِن علم الله تَعَالَى غير مَدْلُول اسْم الله وَلَا عينه إِذْ لَيْسَ هُوَ غير مَجْمُوع الذَّات مَعَ الصِّفَات وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَن الذَّات أَو بعض الصِّفَات لما كَانَ الباقى هُوَ مَدْلُول اسْم الْإِلَه وَلَعَلَّ هَذَا مَا أَرَادَهُ الحذاق من الْأَصْحَاب فِي أَن الصِّفَات النفسية لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره
وَهَذَا آخر مَا أردناه ذكره من هَذَا القانون وَالله الْمُسْتَعَان
[ ١٤٧ ]
القانون الثَّالِث