فَهُوَ عبارَة عَن إِعَادَة الْخلق بعد الْعَدَم ونشئاتهم بعد الرمم وَقد اخْتلف فِيهِ الإسلاميون
[ ٢٩٩ ]
فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة على مُوجب أصلهم فِي إنقسام الْأَعْرَاض إِلَى بَاقِيَة وَغير بَاقِيَة إِلَى منع جَوَاز إِعَادَة الْأَعْرَاض الْغَيْر الْبَاقِيَة كالحركات والأصوات وَنَحْوهَا وَزَعَمُوا أَنه لَو تصور وجودهَا فِي وَقْتَيْنِ يفصلهما عدم لجَاز القَوْل بوجودهما فِي وَقْتَيْنِ متتاليين وَذَلِكَ فِي الْأَعْرَاض الْغَيْر الْبَاقِيَة محَال وَمن الْأَصْحَاب من زَاد على هَؤُلَاءِ لحيث منع من جَوَاز إِعَادَة الْأَعْرَاض مُطلقًا وَزعم أَن الْإِعَادَة لِمَعْنى فَلَو جَازَ إِعَادَة الْأَعْرَاض للَزِمَ أَن يقوم الْمَعْنى بِالْمَعْنَى وَهُوَ مُمْتَنع
وَمذهب أهل الْحق من الإسلاميين أَن إِعَادَة كل مَا عدم من الحادثات فَجَائِز عقلا وواقع سمعا وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يكون جوهرا أَو عرضا فَإِنَّهُ لَا إِحَالَة فِي القَوْل بقبوله للوجود وَإِلَّا لما وجد بل مَا قبل الْوُجُود فِي وَقت كَانَ قَابلا لَهُ فِي غير ذَلِك الْوَقْت أَيْضا وَمن أنشأه فِي الأولى قَادر على أَن ينشئه فِي الْأُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين الْوَارِد على لِسَان الصَّادِق الْأمين ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة وَهُوَ بِكُل خلق عليم﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي أحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ إِن الْإِنْسَان لكفور﴾
وَمَا قيل من اسْتِحَالَة إِعَادَة الْأَعْرَاض المتجددة شَاهدا فمأخوذ من القَوْل باستحالة استمرارها وَهُوَ غير مُسلم ثمَّ لَا يلْزم من جَوَاز وجودهَا فِي زمنين منفصلين بَينهمَا عدم أَن يُقَال بوجودها
[ ٣٠٠ ]
فيهمَا من غير انْفِصَال بِعَدَمِ بل من الْجَائِز أَن يكون وجودهَا مَشْرُوطًا بِوَقْت مُقَدّر كَمَا كَانَت مَشْرُوطَة بِالْمحل إِجْمَاعًا وَسبق الْعَدَم على أصلهم مُطلقًا وَمن قضى باستحالة إِعَادَة الْأَعْرَاض لما فِيهِ من قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى فَإِنَّمَا لزمَه ذَلِك من الْجَهْل بِمَعْنى الْإِعَادَة والغفلة عَن معنى الْبَعْث وَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ غير الْخلق ثَانِيًا كَمَا فِي الْخلق الأول وتسميته إِعَادَة إِنَّمَا كَانَ بِالْإِضَافَة إِلَى النشأة الأولى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى وَإِلَّا للَزِمَ القَوْل باستحالة وجودهَا أَولا وَهُوَ مُمْتَنع فَإِذا قد ثَبت مَذْهَب أهل الْحق وفاز أهل السَّبق
وَلم يبْق إِلَّا القَوْل فِي الْعَدَم وَهُوَ أَنه هَل هُوَ للجواهر والأعراض أم للأعراض دون الْجَوَاهِر
وَالْجَوَاب أَن ذَلِك كُله مُمكن من جِهَة الْعقل وَلَيْسَ تعْيين ذَلِك وَاقعا من ضَرُورَة عقلية وَلَا نقلية فتعيين شئ من ذَلِك يكون غباء
هَذَا حكم الْحَشْر والنشر وَعَذَاب الْقَبْر ومساءلته وَنصب الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق النيرَان والجنان والحوض والشفاعة لِلْمُؤمنِ والعاصى وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فَكل ذَلِك مُمكن فِي نَفسه أَيْضا وَقد وَردت بِهِ القواطع السمعية والأدلة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة من السّلف وَمن تَابعهمْ من الْخلف مِمَّا اشتهاره مغن عَن ذكره فَوَجَبَ التَّصْدِيق بِهِ
[ ٣٠١ ]
والإذعان لقبوله والانقياد إِلَيْهِ والتعويل عَلَيْهِ على وفْق مَا اشْتهر عَن النبى ﷺ وصحابته وَالْعُلَمَاء من أمته
فَإِن قَالَ قَائِل من الْمُعْتَزلَة المقرين بِالدّينِ الخارقين لقواعد الْمُسلمين كَيفَ يُمكن القَوْل بِعَذَاب الْقَبْر ومساءلته مَعَ أَنا نرى الْمَيِّت ونشاهده وَلَا نحس عِنْد وَضعه فِي اللَّحْد بِصَوْت سُؤال وَلَا جَوَاب وَلَا نشاهد فِي حَاله لَا نعيما وَلَا عذَابا لَا سِيمَا إِذا افترست لَحْمه الوحوش وَالسِّبَاع وأكلته طيور الْهَوَاء أَو سمك المَاء
أم كَيفَ يُمكن القَوْل بِوَضْع الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق الْجنَّة وَالنَّار فِي الْآن فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون ذَلِك كُله لفائدة أَو لَا لفائدة فالفائدة الْمَطْلُوبَة من نصب الصِّرَاط لَيست إِلَّا العبور عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُتَعَذر جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطائع وَالْعَاص مَعًا لكَونه كَمَا قيل أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة والفائدة من نصب الْمِيزَان لَيست إِلَّا وزن الْأَعْمَال وَذَلِكَ أَيْضا مُتَعَذر لِأَنَّهَا إِمَّا أَن توزن فى حَال عدمهَا أَو بعد إعدامها الْقسم الأول محَال جدا وَالْقسم الثانى محَال لما بَيناهُ فِيمَا مضى ثمَّ وَلَو قدر إِعَادَة الْأَعْرَاض المتجددة فوزنها لَا محَالة أَيْضا مُتَعَذر وحركة الْمِيزَان بهَا ممتنعة وَإِن كَانَت حَرَكَة الْمِيزَان بِسَبَب ثقل مَا خلقت مِنْهُ الْحَرَكَة فَلَيْسَ ذَلِك وزن الْحَرَكَة وَأما الْفَائِدَة فِي خلق الْجنَّة وَالنَّار فَلَيْسَ إِلَّا لأجل الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَذَلِكَ قبل يَوْم الْحَشْر والحساب مُتَعَذر لَا محَالة
[ ٣٠٢ ]
بل وَكَيف يُمكن القَوْل بِقبُول الشَّفَاعَة وَإِثْبَات الْعَفو للعاصى وَمن اقْتَرَف شَيْئا من المعاصى وَبِمَ الْإِنْكَار على الجبائى حَيْثُ زعم أَن من زَادَت زلاته على طاعاته فِي الْمِقْدَار واخترم على الْإِصْرَار من غير تَوْبَة كَانَ مسلوب الْإِيمَان مخلدا فِي النَّار وَبِمَ الرَّد على غَيره من الْمُعْتَزلَة حَيْثُ أوجب ذَلِك باقتراف كَبِيرَة وَاحِدَة كَانَت نَاقِصَة عَن الطَّاعَة أَو زَائِدَة أم بِمَ الْإِنْكَار على الْخَوَارِج حَيْثُ أوجبوا التَّكْفِير بإرتكاب ذَنْب وَاحِد مستندين فِي ذَلِك إِلَى مَا عرف من قَضِيَّة إِبْلِيس وَمَا ورد فِي الْقُرْآن من الْآيَات الدَّالَّة على تخليد العاصى مثل قَوْله تَعَالَى ﴿من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا﴾ وَقَوله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والدلالات الواضحات وَمن اسْتحق الخلود فِي النَّار وَكَانَ مغضوبا عَلَيْهِ كَيفَ يسْتَحق الغفران
قُلْنَا أما إِنْكَار عَذَاب الْقَبْر مَعَ مَا اشْتهر من حَال النبى ﷺ وَالصَّحَابَة من الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ وَالْخَوْف والحذر وَقَول النبى ﵇ حَيْثُ عبر على قبرين
[ ٣٠٣ ]
فَقَالَ إنَّهُمَا يعذبان وَقَول الله تَعَالَى ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَلَا معول لأرباب الْعُقُول عَلَيْهِ واستبعاد ذَلِك على أَنه غير محسوس من الْمَيِّت فَمن أدْرك بعقله حَال النَّائِم فِي مَنَامه وَمَا يَنَالهُ من اللَّذَّات والتألمات بِسَبَب مَا يُشَاهِدهُ من حسن وقبيح مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من سُكُون ظَاهر جِسْمه وخمود جوارحه بل وَكَذَا حَال المحموم وَالْمَرِيض فِي حَالَة انغماره لم يتقاصر فهمه عَن دَرك عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن تكون أَجزَاء الْبدن مجتمعة أَو مفرقة فَإِن من أسْكنهُ الْأَلَم فِي حَالَة الِاجْتِمَاع قَادر أَن يسكنهُ ذَلِك فِي حَالَة الِافْتِرَاق وَذَلِكَ لَا يستدعى أَن يكون محسوسا وَلَا مشاهدا
وعَلى هَذَا يخرج استبعاد سُؤَاله وَجَوَابه أَيْضا
وَمِمَّا يُؤَكد رفع هَذَا الاستبعاد مَا علم من حَال رَسُول الله ﷺ فِي حَالَة الوحى ومخاطبة جِبْرِيل لَهُ وَالنَّاس حوله لَا يسمعُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن الْأَجْزَاء المستقلة بالفهم وَالْجَوَاب من الْإِنْسَان إِنَّمَا هى أَجزَاء باطنة يعلمهَا الله تَعَالَى فِي الْقلب فَيجوز أَن يخلق الله لَهَا الْحَيَاة والفهم وَالْجَوَاب وَإِن كَانَ باقى الْجِسْم معطلا لَا يشْعر بِهِ صَاحبه وَذَلِكَ كَمَا نشاهده ونعلمه من حَال النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ لصرع أَو مرض أَو غَيره عِنْد مخاطبته اَوْ محاورته لمن يتخيل لَهُ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ من حَالَته
وَلَيْسَ الْخطاب وَالسُّؤَال لمُجَرّد الرّوح الْمُفَارقَة الَّتِى أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة بِوُجُود
[ ٣٠٤ ]
حَيَاة الْبدن عِنْد مقارنتها والفوات عِنْد فَوَاتهَا إِذْ هُوَ مُخَالف للظواهر الْوَارِدَة بِهِ وَلَا هُوَ للبدن على هَيئته إِذْ هُوَ مُخَالف للحس والعيان وَذَلِكَ محَال
وإنكار الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق الْجنَّة وَالنَّار فِي الْآن بِنَاء على إِنْكَار حُصُول الْفَائِدَة فمأخوذ من أصولهم الْفَاسِدَة فِي وجوب الْغَرَض فِي أَفعَال الله تَعَالَى وَقد أبطلناه ثمَّ وَلَو قدر ذَلِك فَلَعَلَّ لَهُ فِيهِ لطفا وصلاحا لَا تقف الْعُقُول عَلَيْهِ وَلَا تهتدى الأذهان إِلَيْهِ بل البارى تَعَالَى هُوَ المستأثر بِعِلْمِهِ وَحده لَا يعلم تَأْوِيله غَيره ثمَّ كَيفَ يُنكر جَوَاز العبور على الصِّرَاط والمشى عَلَيْهِ مَعَ أَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى مقدورات الله تَعَالَى وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ والمشى فِي الْهَوَاء وَالْوُقُوف على المَاء وشق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَغير ذَلِك من المعجزات والأمور الخارقة للعادات أيسر وأسهل فَغير بعيد أَن يخلق الله تَعَالَى الْقُدْرَة على ذَلِك لما أطاعه وَلَا يخلقها لمن عَصَاهُ
وَأما الْوَزْن بالميزان فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون للصحف الْمُشْتَملَة على الْحَسَنَات والسيئات الْمَكْتُوب فِيهَا أَفعَال العَبْد من خَيره وشره ونفعه وضره ويخلق الله تَعَالَى فِيهَا ثقلا
[ ٣٠٥ ]
وخفة على حسب التَّفَاوُت الذى يُعلمهُ تَعَالَى فِي حَسَنَاته وسيئاته وَيحْتَمل أَن يكون ميزَان الْأَفْعَال عِنْد الله تَعَالَى بِمَا يَلِيق بالأفعال وهوالمستأثر بِعِلْمِهِ وَحده لَا على نَحْو الْمِيزَان اللَّائِق بالكميات من المدخرات والمعدودات وَغَيرهَا من الموزونات شَاهدا
وَأما إِنْكَار الشَّفَاعَة للمذنبين والعصاة من الْمُسلمين فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ فرع مَذْهَب أهل الضلال فِي القَوْل بِوُجُوب الثَّوَاب وَلُزُوم الْعقَاب على الله تَعَالَى وَقد بَينا مَا فِي ذَلِك من الْخلَل وأوضحنا مَا فِيهِ من الزلل فَإِن الثَّوَاب من الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا بفضله وَالْعِقَاب لَيْسَ إِلَّا بعدله وَهُوَ المتحكم بِمَا يَشَاء فِي خلقه ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾
وَمَا ذَكرُوهُ من الْآيَات والظواهر السمعيات فَمَحْمُول على الْكَافرين المستحلين لما يأتونه المستوجبين لما يقترفونه دون العصاة من الْمُؤمنِينَ وَمن أذْنب ذَنبا من الْمُسلمين وَدَلِيل التَّخْصِيص فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَمَعَ قيام الدَّلِيل الْمُخَصّص لَهَا يمْتَنع القَوْل بتعميمها
[ ٣٠٦ ]
فَإِن قيل إِن هَذِه الْآيَة مَحْمُولَة على حَالَة التَّوْبَة ومخصوصة بهَا وَهَذَا وَإِن كَانَ على خلاف الظَّاهِر لَكِن يجب القَوْل بِهِ مُحَافظَة على مَا ذَكرْنَاهُ من الظَّوَاهِر إِذْ لَيْسَ تَخْصِيص مَا ذَكرْنَاهُ مُحَافظَة على الظَّاهِر بِأولى من الْعَكْس بل هُوَ الاولى لما فِيهِ من تَخْصِيص ظَاهر وَاحِد بظواهر مُتعَدِّدَة ثمَّ إِن فِي الْآيَة مَا يدل على أَن الْمَغْفِرَة والشفاعة لَا تحصل إِلَّا أَن تتَعَلَّق الْمَشِيئَة بمفغرته وَإِلَّا لما كَانَ لتخصيص الْمَغْفِرَة بِحَالَة الْمَشِيئَة معنى وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب خُلُود بعض المذنبين وَهُوَ خلاف مَا تعتقده
قُلْنَا أما مَا ذَكرُوهُ من جِهَة التَّخْصِيص فَحمل دلَالَة الْآيَة عَلَيْهَا مُمْتَنع وَذَلِكَ أَن الْعَفو والغفران حَالَة التَّوْبَة عِنْدهم وَاجِب جزم ولازم حتم وَهُوَ مِمَّا يمْنَع تَعْلِيقه بِالْمَشِيئَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فرق فِي الْآيَة بَين الْمعْصِيَة بالْكفْر وَغَيره فِي حَالَة التَّوْبَة فَالْفرق غير مُتَحَقق لَا محَالة فَلَو صَحَّ مَا ذَكرُوهُ من جِهَة التَّخْصِيص لم يلْزم تَخْصِيص عُمُوم الْآيَة بِمَا دون الْكفْر من المعاصى وَتَأْويل الظَّوَاهِر لما ذَكرُوهُ من الظَّوَاهِر كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ من الظَّوَاهِر فَمنهمْ من قيدها بِفعل الْكَبَائِر دون الصَّغَائِر وَمِنْهُم من زَادهَا تقييدا حَتَّى اشْترط فِي ذَلِك زِيَادَة مِقْدَار الْكَبِيرَة على مَا لَهُ من الْحَسَنَات وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا ريب فِي تخصيصها بِمَا بعد التَّوْبَة وَلَيْسَ شئ من ذَلِك متحققا فِيمَا ذكرنَا من الظَّوَاهِر فالمحافظة عَلَيْهِ يكون أولى لَا سِيمَا وَأَن مَا من ظَاهر أبدوه إِلَّا وَقد اقْترن بِمَا يدل على تَخْصِيصه بِمَا نذكرهُ فَإِن مُخَالفَة جَمِيع الْحُدُود وتعديها وإحاطة الْخَطِيئَة من كل وَجه إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي حق الْكَافِر
[ ٣٠٧ ]
دون الْمُسلم وَكَذَلِكَ اللَّعْنَة وَالْغَضَب فِي حق من قتل إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي حق من كَانَ لذَلِك مسحلا مُعْتَقدًا
وَبِمَا حققناه يَقع التقصى عَن كل مَا يهول بِهِ من هَذَا الْقَبِيل وَلَيْسَ فِي تَعْلِيق الغفران لما دون الكفران بِالْمَشِيئَةِ مَا يُوجب امْتنَاع وُقُوع الغفران بِالنِّسْبَةِ إِلَى جملَة المذنبين بِمَا دون الشّرك وَلَا يلْزم مِنْهُ مُخَالفَة شئ من الْآيَة أصلا لجَوَاز تعلق الْمَشِيئَة بالمغفرة للْجَمِيع
فَإِن قيل فَإِن اسْتمرّ لكم فِي هَذِه الظَّوَاهِر مَا ذكرتموه من التأويلات واستقام مَا أشرتم إِلَيْهِ من التخصيصات فَكيف يحمل قَوْله ﵇ لَا ينَال شفاعتى أهل الْكَبَائِر من أمتى على مَعْصِيّة الْكفْر مَعَ أَنه قد أدرجهم فِي أمته وأدخلهم فِي مِلَّته
قُلْنَا هَذَا الحَدِيث مَعَ ضعفه فِي سَنَده فَلَيْسَ فِي إضافتهم إِلَى مِلَّته مَا ينافى كَون الْكَبِيرَة الصادرة مِنْهُم هى الكفران والشرك بعد الْإِيمَان فَإِنَّهُ قد يُسمى الشئ باسم مَا كَانَ عَلَيْهِ تجوزا وتوسعا وَهُوَ الأولى فَإِنَّهُ قد روى عَن النبى ﷺ بالرواية الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة أَنه قَالَ ادخرت شفاعتى لأهل الْكَبَائِر من أمتى فَلَو لم يكن
[ ٣٠٨ ]
الحَدِيث الأول مَحْمُولا على كَبِيرَة الْكفْر للَزِمَ مِنْهُ تَعْطِيل أحد الْحَدِيثين عَن الْعَمَل بِهِ مُطلقًا وَلَا يخفى أَن التعطيل أبعد من التَّأْوِيل على مَا لَا يخفى كَيفَ وَأَن الْأَدِلَّة الْوَارِدَة فِي بَاب الشَّفَاعَة مَعَ اخْتِلَاف ألفاظها أَكثر من أَن تحصى فهى إِلَى التَّمَسُّك بهَا أقرب وَأولى فَمن ذَلِك مَا روى عَن النبى ﷺ فِي أثْنَاء حَدِيث مطول مَشْهُور أَنه قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أخر سَاجِدا بَين يدى ربى فَيَقُول لى يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتى أمتى فَيُقَال انْطلق من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان فَأخْرجهُ وأنطلق وَأخرجه ثمَّ أَسجد ثَانِيَة وثالثة فَإِذا كَانَ الرَّابِعَة قلت رب ائْذَنْ لى فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَيَقُول الرب وعزتى وجلالى لأخْرجَن مِنْهَا كل من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَهُوَ حَدِيث مروى فِي الصِّحَاح
وَأما الْقَضَاء بِانْتِفَاء إِيمَان من اخترم عَاصِيا قبل التَّوْبَة وَالْقَوْل بتكفيره فالانفصال عَنهُ يستدعى تَحْقِيق معنى الْإِيمَان والكفران والكشف عَن معنى التَّوْبَة وَتَحْقِيق الأوبة
وَأما الْإِيمَان فَهُوَ فِي اللُّغَة عبارَة عَن التَّصْدِيق وَمِنْه قَول بنى يَعْقُوب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا أى بمصدق وَفِي عرف اسْتِعْمَال أهل الْحق من الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن التَّصْدِيق بِاللَّه وَصِفَاته وَمَا جَاءَت بِهِ أنبياؤه ورسالاته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﵇ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق
[ ٣٠٩ ]
بِاللَّه وباليوم الآخر كَأَنَّك ترَاهُ فَمن وَفقه الله لهَذَا التَّصْدِيق وأرشده إِلَى هَذَا التَّحْقِيق فَهُوَ الْمُؤمن الْحق عِنْد الله وَعند الْخلق وَإِلَّا فقد شقى الشقاوة الْكُبْرَى وَحكم بِكُفْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى لِأَن الْكفْر وَإِن كَانَ فِي اللُّغَة عبارَة عَن التغطية والستر فَهُوَ فى عرف أهل الْحق من الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن السّتْر والتغطية للقدر الذى يصير بِهِ الْمُؤمن مُؤمنا لَا غير وَلَيْسَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط كَمَا زعمت الكرامية وَلَا إِقَامَة الْعِبَادَات والتمسك بالطاعات كَمَا زعمت الخارجية فَإنَّا نعلم من حَال النبى ﷺ عِنْد إِظْهَار الدعْوَة انه لم يكتف من النَّاس بِمُجَرَّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَلَا الْعَمَل بالأركان مَعَ تَكْذِيب الْجنان بل كَانَ يُسمى من كَانَت حَاله كَذَلِك كَاذِبًا ومنافقا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى تَكْذِيبًا لِلْمُنَافِقين عِنْد قَوْلهم ﴿نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾ ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ وَمِنْه أَيْضا شَهَادَة الْكتاب الْعَزِيز بكذبه وسلب إيمَانه فِي قَوْله ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين﴾ وَمَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال الْأمة فِي ذَلِك أَكثر من أَن يُحْصى
ثمَّ لَا يخفى قبح القَوْل بِأَن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ من حَيْثُ إفضائه إِلَى تَكْفِير من لم يظْهر مَا أبطنه من التَّصْدِيق وَالطَّاعَة وَامْتِنَاع اسْتِحْقَاقه للشفاعة وَالْحكم
[ ٣١٠ ]
بنقيضه لمن أظهر ضد مَا أبطن من الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى وَرَسُوله والطغاوة فِي الدّين والعداوة للْمُسلمين بل أَشد قبحا مِنْهُ جعل الْإِيمَان مُجَرّد الْإِتْيَان بالطاعات والتمسك بالعبادات لما فِيهِ من الْإِفْضَاء إِلَى هدم الْقَوَاعِد السمعية وَحل نظام الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَإِبْطَال مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة من جَوَاز خطاب العاصى بِمَا دون الشّرك قبل التَّوْبَة بالعبادات الْبَدَنِيَّة وَسَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وصحتها مِنْهُ أَن لَو أَتَى بهَا وبإدخاله فِي زمرة الْمُؤمنِينَ وإدراجه فِي جملَة الْمُسلمين حَتَّى إِنَّه لَو مَاتَ فَإِنَّهُ يغسل وَيصلى عَلَيْهِ ويدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَلَو لم يكن مُؤمنا لما جَازَ القَوْل بِصِحَّة مَا أَتَى بِهِ من الْعِبَادَات وَلَا غير ذَلِك مِمَّا عددناه
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَيْضا فَسَاد قَول الحشوية إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان نعم لَا ننكر جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْإِيمَان على هَذِه الْأَفْعَال وعَلى الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أى صَلَاتكُمْ وَقَوله ﵇ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أَولهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَآخِرهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق لَكِن إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لَهَا من جِهَة أَنَّهَا دَالَّة على التَّصْدِيق بالجنان
[ ٣١١ ]
ظَاهرا وَالْعرب قد تستعير اسْم الْمَدْلُول لدليله بِجِهَة التجور التَّوَسُّع كَمَا تستعير اسْم السَّبَب لمسببه فعلى هَذَا مهما كَانَ مُصدقا بالجنان على الْوَجْه الذى ذَكرْنَاهُ وَإِن أخل بشئ من الْأَركان فَهُوَ مُؤمن حَقًا وَانْتِفَاء الْكفْر عَنهُ وَاجِب وَإِن صَحَّ تَسْمِيَته فَاسِقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أخل بِهِ من الطَّاعَات وارتكب من المنهيات وَلذَلِك صَحَّ إدراجه فِي خطاب الْمُؤمنِينَ وإدخاله فِي جملَة تكليفات الْمُسلمين بقوله ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات
وَقَوله ﵇ لَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يزنى حِين يزنى وَهُوَ مُؤمن فَإِنَّهُ وَإِن صَحَّ لم يَصح حمله على نفى الْإِيمَان بِمَعْنى الطَّاعَة والإذعان لتعذر الِاشْتِقَاق من اسْم أَيْمَان فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ حَالَة الاستحلال وَيحْتَمل أَنه أوردهُ فِي معرض الْمُبَالغَة فِي الزّجر والردع وَهُوَ وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر لكنه أولى لما فِيهِ من الْجمع بَينه وَبَين مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على كَونه مُؤمنا وَإِبْطَال التعطيل لما ذَكرْنَاهُ مُطلقًا نعم لَا ننكر إِمْكَان دُخُول الشَّك والريبة لما يحصل من التَّصْدِيق بالجنان ثَابتا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَيْسَ بمعصوم بِنَاء على شُبْهَة وخيال وَلذَلِك كَانَ بعض السّلف يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَلَيْسَ المُرَاد بِمَا علقه على الْمَشِيئَة إِلَّا اسْتِمْرَار مَا هُوَ حَاصِل عِنْده عِنْد الله من التَّصْدِيق والطمأنينة لَا نفس التَّصْدِيق الْحَاصِلَة فَإِن تَعْلِيق
[ ٣١٢ ]
مَا حصل بِالْمَشِيئَةِ محَال وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل وَإِن فسر الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ أَو القَوْل أَيْضا وَبِهَذَا الِاعْتِبَار ايضا يَصح القَوْل بِزِيَادَة إِيمَان النبى الْمَعْصُوم على إِيمَان غَيره أى من جِهَة تطرق الشَّك إِلَى غير الْمَعْصُوم دون الْمَعْصُوم أما أَن يكون من جِهَة تطرق الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان إِلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ تَصْدِيق فَلَا كَمَا لَا يَصح ذَلِك بَين علم وَعلم أصلا
وَأما التَّوْبَة
فهى وَإِن كَانَت فِي اللُّغَة عبارَة عَن الرُّجُوع فهى فِي عرف اسْتِعْمَال الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن النَّدَم على مَا وَقع بِهِ التَّفْرِيط من الْحُقُوق من جِهَة كَونه حَقًا وَمِنْه قَوْله ﵇ النَّدَم تَوْبَة فعلى هَذَا من ترك الْمعْصِيَة من غير عزم على ترك معاودتها عِنْد كَونه لذَلِك أَهلا والندم والتألم على مَا اقْتَرَف أَولا من جِهَة أَنه لم يكن لَهُ ذَلِك مُسْتَحقّا لم يكن إِطْلَاق اسْم التَّوْبَة فِي حَقه بِالنّظرِ إِلَى عرف الْمُتَكَلِّمين مِمَّا يجوز لَكِن ذَلِك مِمَّا لَا يجب على العَبْد استدامته فِي سَائِر أوقاته وتذكره فِي جَمِيع حالاته وَإِلَّا لزم مِنْهُ اختلال الصَّلَوَات أَو لَا يكون تَائِبًا فِي بعض الْأَوْقَات وَهُوَ خلاف
[ ٣١٣ ]
إِجْمَاع الْمُسلمين وَلَيْسَ من شَرط صِحَة التَّوْبَة والإقلاع عَن ذَنْب فِي زمن من الْأَزْمَان أَلا يعاوده فِي زمن آخر إِذْ التَّوْبَة مهما وجدت فهى عبَادَة ومأمور بهَا وَلَيْسَ من شَرط صِحَة الْعِبَادَة المأتى بهَا فِي زمن أَلا يَتْرُكهَا فِي زمن آخر
وَلَيْسَ من شَرط صِحَة التَّوْبَة أَيْضا والاقلاع عَن ذَنْب الإقلاع عَن غَيره من الذُّنُوب كَمَا زعم أَبُو هَاشم وَإِلَّا كَانَ من أسلم بعد كفره وآمن بعد شقائه ونفاقه إِذا استدام زلَّة من الزلات وهفوة من الهفوات أَلا يكون مقلعا عَمَّا الْتَزمهُ من أوزار كفره وَألا يترقى على من هُوَ على غيه وجحوده وَذَلِكَ مِمَّا يُخَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَمَا ورد بِهِ الشَّرْع الْمَنْقُول وَاتفقَ عَلَيْهِ أَرْبَاب الْعُقُول
وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِن مَا وَجَبت التَّوْبَة عَنهُ فَإِنَّمَا كَانَ لقبحه وَذَلِكَ لَا يخْتَلف فِيهِ ذَنْب وذنب فَلَا يَصح النَّدَم على قَبِيح مَعَ الْإِصْرَار على قَبِيح غَيره
وَالله الهادى إِلَى الرشاد
[ ٣١٤ ]
القانون السَّابِع فى النبوات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات