وَأما نِسْبَة النّظر إِلَى الثَّوَاب فَمَعَ مُخَالفَته الظَّاهِر فَيمْتَنع حمله عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك إِنَّمَا ورد فِي معرض الامتنان والإنعام وَالنَّظَر إِلَى الثَّوَاب لَيْسَ بِثَوَاب وَلَا إنعام فَيكون فِيهِ إبِْطَال فَائِدَة الانعام وَهُوَ مُمْتَنع
[ ١٧٦ ]
اما قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ فَيحْتَمل أَنه اراد بِهِ الْإِدْرَاك الذى يتَبَادَر إِلَى الأفهام ويغلب على الأوهام من الْإِحَاطَة بالغايات والتحديد بالنهايات دفعا لوهم من يتَوَهَّم أَنه يرى لصورة أَو شكل مَخْصُوص وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بذلك فِي دَار الدِّينَا وَيكون المُرَاد من ذَلِك اللَّفْظ الْعَام الْمَعْنى الْخَاص كَمَا فِي قَوْله ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والظواهر السمعيات وَأما وَجه التمدح فَلَيْسَ إِلَّا فِي قَوْله ﴿يدْرك الْأَبْصَار﴾ لَا فِي قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَلَا يُمكن حمله على كلا الْقسمَيْنِ فان بعض الموجودات عِنْد الْخصم لَا يدْرك بالأبصار وَلَيْسَت ممدوحة بذلك وامتداحه لنَفسِهِ فِيمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك بَينه وَبَين مَا لَيْسَ بممدوح محَال كَمَا إِذا قَالَ أَنا مَوْجُود أَو ذَات كَيفَ لَا وَإِن الْخصم لَا يُمكنهُ التَّمَسُّك بِهَذِهِ الْآيَة فان مَا ثَبت للبارى تَعَالَى يجب أَن يكون نفس مَا نفى عَن غَيره وَمَا ثَبت للبارى عِنْد الْخصم لَيْسَ إِلَّا نفس الْعلم بالأبصار لَا أمرا زَائِدا عَلَيْهِ فالمنفى عَن الْأَبْصَار يجب أَن يكون نفس الْعلم وَلَيْسَ ذَلِك حجَّة فِي نفى الْإِدْرَاك الذى هُوَ زَائِد على الْعلم
[ ١٧٧ ]
وَقَوله لمُوسَى ﵇ ﴿لن تراني﴾ فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ ذَلِك فِي دَار الدُّنْيَا لَا فِي العقبى وَهُوَ الأولى لآن يكون الْجَواب مطابقا للسؤال وَهُوَ لم يسْأَل الرُّؤْيَة فِي غير الدُّنْيَا
وَلنْ فقد قيل المُرَاد بهَا التَّأْكِيد لَا التَّأْبِيد وَإِذ ذَاك فالتخصيص جَائِز كَمَا مضى وَإِن قدر أَن ذَلِك متأبد فِي حق مُوسَى ﵇ فَلَيْسَ ذَلِك حجَّة فِي نفى الرُّؤْيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره مُطلقًا وَالْقَوْل بِتَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر على مَا ذَكرْنَاهُ أولى عملا بِالظَّاهِرِ من الْجَانِبَيْنِ وجمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَذَلِكَ لَا ينعكس فِي تَأْوِيل مَا اعتمدنا عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك لَا يَقع الا بصرفه الى مَا لَا يعْهَد بالأجماع إِطْلَاقه عَلَيْهِ وبإبطال فَائِدَة الإنعام وَكِلَاهُمَا بعيدان وَلَا كَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من التَّأْوِيل إِذْ قد عهد مثله فِي الْأَدِلَّة السمعية والظواهر الشَّرْعِيَّة غَالِبا وَهَذَا غَايَة مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي طرف الْوُقُوع وَمن رام الْيَقِين فِيهِ إِيجَابا أَو سلبا فقد كلف نَفسه حرجا
وَالله الْمُوفق للرشاد
[ ١٧٨ ]