فقد سلكت الفلاسفة فِي الرَّد عَلَيْهِم مسلكا وَهُوَ انهم قَالُوا كل بدن فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ لذاته نفسا تدبره وَتنظر فى أَحْوَاله وتوجد عِنْد وجوده بشوق جبلى وميل طبيعى على نَحْو ميل الْحَدِيد إِلَى المغناطيس فَلَو صَحَّ التناسخ وانتقال نفس من بدن إِلَى بدن لَأَدَّى إِلَى اجْتِمَاع نفسين فِي بدن وَاحِد وهى النَّفس الَّتِى يَسْتَحِقهَا لذاته وَالنَّفس الَّتِى انْتَقَلت إِلَيْهِ من غَيره وَذَلِكَ محَال فَإِن الْوَاحِد منا لَا يشْعر بِأَن لَهُ أَكثر من وَاحِدَة وهى الْمُدبرَة لَهُ فَلَو كَانَ لنا نفسان لقد كُنَّا نشعر بهما وبتدبير كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا معنى لوُجُود النَّفس فِي الْبدن إِلَّا أَنَّهَا مُدبرَة لَهُ ومشغولة بِالنّظرِ فِي أَحْوَاله لَا بِمَعْنى أَنَّهَا فِيهِ منطبعة على نَحْو انطباع الْأَعْرَاض فِي الْأَجْسَام
وَهُوَ غير سديد فَإِن الْبدن وَإِن اسْتحق لذاته نفسا فاجتماع نفسين فِيهِ إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ مَا يسْتَحقّهُ يجب أَن يكون بَدْء وجوده مَعَ وجوده غير منتقل إِلَيْهِ من بدن آخر وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُسلمهُ الْخصم بل لَهُ أَن يَقُول الْبدن وان اسْتحق لذاته نفسا تدبره فَلَا مَانع
[ ٢٩٧ ]
من أَن تكون هى مَا انْتَقَلت إِلَيْهِ من الْبدن الآخر وَذَلِكَ لَا يفضى إِلَى اجْتِمَاع نفسين أصلا وَلَا خلاص مِنْهُ
فَإِذا الطَّرِيق العقلى اللَّائِق بالمنهج الفسلفى أَن يُقَال لَو قيل بانتقال النَّفس من بدن إِلَى بدن فَلَا بُد وَأَن تكون مَوْجُودَة فِيمَا انْتَقَلت عَنهُ أَولا وَإِلَّا فوجودها لَا محَالة مَعَ وجود مَا قيل إِنَّهَا منتقلة إِلَيْهِ وَإِذا كَانَت مَوْجُودَة فِي الْبدن الأول فإمَّا أَن يكون اختصاصها بِهِ لمخصص أَو لَا لمخصص فَإِن كَانَ لَا لمخصص فَلَيْسَ هُوَ بِنَا أولى من غَيره وَإِن كَانَ لمخصص فَلَا بُد وان يكون تخصصها بِمَا انْتَقَلت إِلَيْهِ أَيْضا بمخصص كَمَا كَانَ اختصاصها بِالْأولِ لمخصص وَعند هَذَا فالمخصص لَهَا بِكُل وَاحِد من البدنين إِمَّا أَن يكون وَاحِدًا أَو مُخْتَلفا فَإِن كَانَ وَاحِدًا فَلَا يخفى أَن فرض وجود البدنين مَعًا جَائِز وَإِن اسْتَحَالَ وجودهما مَعًا بِالْفِعْلِ من حَيْثُ إِن أَحدهمَا مُتَقَدم وَالْآخر مُتَأَخّر وَعند فرض اجْتِمَاعهمَا إِمَّا أَن تُوجد تِلْكَ النَّفس لَهما أَو لأَحَدهمَا لَا جَائِز أَن تكون لَهما لما سبق وَلَا جَائِز أَن تكون لأَحَدهمَا لعدم الْأَوْلَوِيَّة
وعَلى هَذَا التَّقْسِيم إِن كَانَ الْمُخَصّص مُخْتَلفا فَإِنَّهُ إِذا فرض وجود البدنين مَعًا فإمَّا أَن تكون النَّفس لَهما أَو لأَحَدهمَا لَا جَائِز أَن تكون لَهما لما سبق وَإِن كَانَت لأَحَدهمَا فالذى أوجب تخصصها لَيْسَ ذَلِك لَهُ أولى من إِيجَابه لتخصصها بِالْبدنِ الآخر مَعَ اتِّحَاد النَّفس وَفرض تساوى البدنين فِي جَمِيع احوالهما لضَرُورَة تساويهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَأَن لَا اولوية لأَحَدهمَا على الآخر ثمَّ إِنَّه إِمَّا أَن يكون مُسَاوِيا لما يُوجب تخصصها بِالْبدنِ الآخر أَو أرجح مِنْهُ فِي الِاقْتِضَاء والتخصيص فَإِن كَانَ مُسَاوِيا فَلَا أَوْلَوِيَّة وَإِن كَانَ راجحا فالبدن الآخر إِمَّا أَن يبْقى عريا عَن النَّفس وَهُوَ محَال وَإِن وجد لَهُ نفس أُخْرَى فَسَوَاء كَانَ اختصاصها بِهِ بذلك الْمُخَصّص الْمَرْجُوح أَو بمخصص آخر فَإِنَّهُ يلْزم أَن يكون تنْتَقل إِلَيْهِ نفس الْبدن الآخر عِنْد فرض عَدمه وَذَلِكَ مفض
[ ٢٩٨ ]
إِلَى اجْتِمَاع نفسين فِي بدن وَاحِد وَهُوَ مِمَّا لَا يشْعر بِهِ أحد وَحُصُول نفس الْإِنْسَان وَهُوَ لَا يشْعر بهَا محَال كَمَا سبق وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من فرض التناسخ