فَأَما دَعْوَى لُزُوم سبق الزَّمَان على كل مَا حُدُوثه بعد الْعَدَم بِنَاء على قِيَاسه فمبنى على كَون الْقبل أمرا وجوديا وَمعنى حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَعْنى بِكَوْن الْحَادِث ذَا قبل أَنه لم يكن فَكَانَ وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ أَمر سلبى لَا معنى وجودى وَمهما قيل إِنَّه ذُو قبل مَوْجُود فَلَا يعْنى بِهِ إِلَّا هَذَا وَمهما ورد السَّلب على الْقبلية فَهُوَ وَارِد على السَّلب وَذَلِكَ لَا يجوز إِذْ سلب
[ ٢٧١ ]
السَّلب ايجاب الْإِيجَاب وَهُوَ محَال لما أسلفناه لَكِن غَايَة مَا يقدر وجود مُدَّة سَابِقَة بِنَاء على تَقْدِير وهمى وتجويز خيالى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يقْضى بِهِ على الْعُقُول لما عرف
وَبِمَا حققناه هَهُنَا يبطل مَا ذَكرُوهُ من بَيَان سبق الْمَادَّة فِي الْوَجْه الأول ايضا وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي الْوَجْه الثانى
فقد قيل فِي دَفعه إِن معنى كَون الشئ مُمكنا أَنه مَقْدُور عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستدعى وجود مَادَّة تقوم المقدورية بهَا وَهُوَ غير صَوَاب فَإنَّا لَو جهلنا كَون الشئ مَقْدُورًا عَلَيْهِ أَو لَيْسَ مَقْدُورًا لم يمكنا التَّوَصُّل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِكَوْنِهِ مُمكنا أَو لَيْسَ بممكن فَلَو كَانَ معنى كَونه مُمكنا أَنه مَقْدُور لقد كَانَ ذَلِك تَعْرِيف الشئ بِنَفسِهِ فِي حَالَة كَونه مَجْهُولا وَهُوَ محَال
فَإِذا الصَّوَاب أَن يُقَال إِن الْإِمْكَان أَيْضا لَيْسَ هُوَ فِي نَفسه حَقِيقَة وجودية وَلَا ذاتا حَقِيقِيَّة وانما حَاصله يرجع إِلَى نفى لُزُوم الْمحَال من فرض وجود الشئ وَعَدَمه وَذَلِكَ لَا يستدعى مَادَّة يُضَاف اليها وَلَا يقوم بهَا إِذْ هُوَ فِي الْمَعْنى لَيْسَ الا من القضايا السلبية دون الإيجابية كَيفَ وان ذَلِك مِمَّا لَا يَصح ادعاؤه من الْخصم والا كَانَ وَاجِبا لذاته أَو لغيره فَإِن كَانَ وَاجِبا لذاته فقد لزم اجْتِمَاع واجبين وَهُوَ خلاف مَا مهدت قَاعِدَته وان كَانَ وُجُوبه لغيره لزم أَن يكون لذاته مُمكنا ثمَّ وَلَو استدعى الامكان مَادَّة يُضَاف اليها سَابِقَة على كَون مَا قيل لَهُ مُمكن لَكَانَ كل مُمكن هَكَذَا وَذَلِكَ مِمَّا يخرم قَاعِدَة الْمُحَقِّقين من الالهيين فِي النُّفُوس
[ ٢٧٢ ]
الإنسانية والجواهر الصورية فَإِنَّهَا فِي أَنْفسهَا لَيست مادية وان كَانَت مُمكنَة وجودهَا بعد مَا لم تكن فَإِذا الْوَاجِب أَن يتَصَوَّر من إِمْكَان كل مَوْجُود بعد الْعَدَم مَا يتصوره الْخصم من إِمْكَان النُّفُوس الانسانية والجواهر الصورية وَغير ذَلِك من الْأُمُور البسيطة الْغَيْر المادية
فان قيل الْإِمْكَان وان رَجَعَ حَاصله إِلَى سلب الْمحَال عَن طرف الْوُجُود والعدم فَهُوَ لَا محَالة يستدعى مَا يَصح أَن يُضَاف إِلَيْهِ الْوُجُود والعدم الَّذين سلب الْمحَال عَن فرضهما وَذَلِكَ الذى يَصح اتصافه بالوجود والعدم هُوَ الذى يجب أَن يكون سَابِقًا وَهُوَ الْمَعْنى بالمادة وعَلى هَذَا القَوْل فالإمكان السَّابِق على النُّفُوس الإنسانية والجواهر الصورية إِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى الْموَاد فَيُقَال إِنَّهَا مُمكن أَن تدبرها النَّفس الناطقة وممكن أَن تحل بهَا الصُّورَة أما ان يكون عَائِدًا إِلَى نفس الصُّورَة وَالنَّفس فَلَا
قُلْنَا وَلَو استدعى سلب الْمحَال عَن فرض الْوُجُود والعدم مَادَّة يُضَاف إِلَيْهَا الْوُجُود والعدم لاستدعى الِامْتِنَاع وَهُوَ لُزُوم الْمحَال من فرض الْوُجُود مَادَّة يُضَاف إِلَيْهَا الْوُجُود وَلَو كَانَ كَذَلِك للَزِمَ من فرض القَوْل بامتناع إِلَهَيْنِ وَوُجُود مبدأين تحقق الْمَادَّة وَهُوَ محَال وَمن رام تَفْسِير امْتنَاع وجود الشَّرِيك أَو مبدأ آخر بِوُجُوب انْفِرَاد وَاجِب الْوُجُود عَن النظير إِذْ هُوَ لَازم امْتنَاع وجود النظير حَتَّى ترجع الْإِضَافَة إِلَى ذَات البارى تَعَالَى فَهُوَ مَعَ تعسفه وإهمال النّظر فِيمَا يسْتَحقّهُ الشَّرِيك الْمُمْتَنع لذاته قد لَا يسلم عَن الْمُعَارضَة بِنَفس الْإِمْكَان السَّابِق على الْوُجُود بعد الْعَدَم بِمَا يُوجب رده إِلَى ذَات وَاجِب الْوُجُود أَيْضا وَهُوَ أَن يُقَال الْمَعْنى بِكَوْن الْحَادِث مُمكنا قبل وجوده جَوَاز وجود البارى تَعَالَى مَعَ وجوده إِذْ هُوَ لَازم قَوْلنَا لَيْسَ بِوَاجِب الِانْفِرَاد وَلَا مُمْتَنع وَلَا محيص عَنهُ وَأما رد الْإِمْكَان فِي النُّفُوس
[ ٢٧٣ ]
والصور إِلَى الْموَاد وَكَونهَا مُمكنَة أَن تحل فِيهَا الصُّور أَو تدبرها النُّفُوس فَلَا يَسْتَقِيم فَإِن الصُّور والنفوس بإعتبار ذواتها لَا تخرج عَن أَن تسْتَحقّ الْوُجُوب أَو الِامْتِنَاع أَو الْإِمْكَان وَقد بَان أَن الْإِيجَاب والامتناع عَلَيْهِمَا ممتنعان فَتعين الْإِمْكَان والامكان الثَّابِت للشئ بِاعْتِبَار ذَاته لَا يتَصَوَّر أَن يعود إِلَى غَيره ثمَّ وَإِن صَحَّ ذَلِك فقد لَا يبعد أَيْضا أَن يُفَسر غَيره الامكان فِي الْحَادِث بِجَوَاز إِيجَاد الموجد لَهُ وَعند ذَلِك فَتكون اضافة الْإِمْكَان إِلَى الموجد لَا إِلَى الموجد وَبِه ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ
فَإِذا قد ثَبت ان الكائنات مَوْجُودَة بعد مَا لم تكن ومسبوقة بِالْعدمِ من غير سبق مَادَّة وَلَا زمَان واندفع مَا فِي ذَلِك من الخيالات وَبَطل مَا فِيهِ من الإشكالات