فحاصل لفظ الْجُود فِيهَا يرجع إِلَى الدّلَالَة على صفة فعلية وَهُوَ كَونه موجدا أَو فَاعِلا لَا لغَرَض يعود إِلَيْهِ وَلَا لنفع يتَوَجَّه عَلَيْهِ وَعند ذَلِك فادعاء كَونه صفة كمالية لَيْسَ هُوَ بِأولى من ادِّعَاء كَونه لَيْسَ بِكَمَال إِذا لَيْسَ هُوَ من الضروريات وَلَا من الْمعَانى البديهيات كَيفَ وَأَنه لَو كَانَ من الكمالات لقد كَانَ كَمَال وَاجِب الْوُجُود متوقفا على النّظر إِلَى مَا هُوَ مشروف بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ومتوقف فِي وجوده عَلَيْهِ ومحال أَن يَسْتَفِيد الْأَشْرَف من مشروفه كَمَاله كَمَا فِي كَونه موجدا بالإرادة
ثمَّ وَلَو فرض ذَلِك فَإِنَّمَا يكون عَدمه نقصا أَن لَو قدر جَوَاز وجود الكائنات أزلا إِذْ كَون الشئ وَاقعا فرع كَونه جَائِزا وَإِذ قد بَينا أَن ذَلِك مُمْتَنع بِمَا سلف فَإِذا لَا نقص بِعَدَمِ إِيجَاد مَا هُوَ مُمْتَنع وَهَذَا على نَحْو قَوْلهم فِي نفى النَّقْص عَنهُ بِمَنْع ايجاده للحوادث المركبات بِنَاء على امْتنَاع صدورها ووقوعا بِهِ من غير وَاسِطَة وَلَا يلْزم من عدم جَوَازه فِي الْقدَم أَن يكون مُمْتَنعا بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر وجوده وَلَا فِي وَقت مَا وان كَانَ يلْزم من ذَلِك أَن يكون فِي الْأَزَل مُمْتَنعا وَذَلِكَ أَن مَا قضى بامتناع وجوده فِي الْأَزَل هُوَ مَا لَا يتناهى وَمَا قضى بِجَوَاز وجوده مَا هُوَ متناه وَلَيْسَ يلْزم من امْتنَاع مَا لَا يتناهى امْتنَاع مَا هُوَ متناه
[ ٢٧٠ ]
ثمَّ وَلَو قدر أَن وجوده فِي الْأَزَل جَائِز لَكِن يجب القَوْل بتناهيه كَمَا يجب القَوْل بتناهى أبعاد الْعَالم وَإِن كَانَت بِالنّظرِ إِلَى الْجَوَاز العقلى لَا تتناهى
وَأما مُلَازمَة النَّقْص للايجاد بالارادة وَالِاخْتِيَار فمبنى على رِعَايَة الصّلاح والأصلح وَوُجُوب النّظر إِلَى الأولى وَقد بَينا وَجه إِبْطَاله فِيمَا سلف وَبينا أَن الْفِعْل وَأَن لَا فعل بِالنّظرِ إِلَى وَاجِب الْوُجُود سيان وهما بِالنِّسْبَةِ اليه متساويان وَأَنه لَا اولوية وَلَا تَرْجِيح وان لَهُ ان يفعل وَأَن لَا يفعل من غير أَن يكون الْمَفْعُول أَو الْمَتْرُوك نَفسه حسنا وَلَا قبيحا وعَلى هَذَا فَهُوَ لَا يَسْتَفِيد بِالْفِعْلِ كمالا وَلَا بِالتّرْكِ نُقْصَانا
ثمَّ كَيفَ يَصح هَذَا الْإِلْزَام من الْخصم مَعَ اعترافه بِأَن مَا فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد من الحركات والامتزاجات وَسَائِر الحادثات مستندة إِلَى الحركات الدورية وهى بأسرها تستند إِلَى ارادة قديمَة نفسية ثَابِتَة للأجرام الفلكية وَلَا محَالة أَن الْجَوْهَر النفسانى أشرف مِمَّا وَجب بِهِ فَإِن كَانَ الإيجاد بالارادة مِمَّا يُوجب توقف كَمَال المريد على المُرَاد فَكيف قَالَ بذلك فِي النَّفس وهى أشرف مِمَّا وجد بهَا وان كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يُوجب التَّوَقُّف فَكيف صَحَّ إبعاده من الْجُمْلَة فَمَا يتَحَقَّق جَوَابا للخصم عَن الالزام عَن إِيجَاد الْأَنْفس الفلكية للحركات الدوريه فَهُوَ بِعَيْنِه جَوَاب لنا هَهُنَا وَهَذَا كُله مِمَّا قد نبهنا عَلَيْهِ فِيمَا سلف