[ ٣١٥ ]
تمهيد
الطّرف الأول من هَذَا القانون فِي بَيَان جَوَازهَا فِي الْعقل
والثانى فِي بَيَان وُقُوعهَا بِالْفِعْلِ
وَقبل الْخَوْض فى ذَلِك لَا بُد من تَفْسِير معنى النُّبُوَّة لكى يكون التوارد بالنفى والاثبات على محز وَاحِد فَنَقُول
لَيست النُّبُوَّة هى معنى يعود إِلَى ذاتى من ذاتيات النبى وَلَا إِلَى عرض من أعراضه اسْتحقَّهَا بِكَسْبِهِ وَعَمله وَلَا إِلَى الْعلم بربه فَإِن ذَلِك مِمَّا يثبت قبل النُّبُوَّة وَلَا إِلَى علمه بنبوته إِذْ الْعلم بالشئ غير الشئ ﴿وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ فَلَيْسَتْ إِلَّا موهبة من الله تَعَالَى ونعمة مِنْهُ على عَبده وَهُوَ قَوْله لمن اصطفاه واجتباه إِنَّك رسولى ونبيى
وَإِذا عرف محز الْخلاف فنعود إِلَى بَيَان الْأَطْرَاف
[ ٣١٧ ]
١ - الطّرف الاول فِي بَيَان الْجَوَاز العقلى
مَذْهَب أهل الْحق أَن النبوات لَيست وَاجِبَة أَن تكون وَلَا ممتنعة أَن تكون بل الْكَوْن وَأَن لَا كَون بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتهَا وَإِلَى مرجحها سيان وهما بِالنّظرِ إِلَيْهِ سيان وَأما أهل الطعان فحزبان حزب انْتَمَى إِلَى القَوْل بِالْوُجُوب عقلا كالفلاسفة والمتعزلة
وحزب انْتَمَى إِلَى القَوْل بالأمتناع كالبراهمة والصابئة والتناسخية إِلَّا أَن من البراهمة من اعْترف برسالة آدم دون غَيره وَمِنْهُم من لم يعْتَرف بِغَيْر ابراهيم وَأما الصابئة فَإِنَّهُم اعْتَرَفُوا برسالة شِيث وَإِدْرِيس دون غَيرهمَا وَلَا بُد من التَّفْصِيل فِي الرَّد على أهل التضليل
فَأَما الفلاسفة والمعتزلة
فَإِنَّهُم قَالُوا لما كَانَ نوع الْإِنْسَان أشرف مَوْجُود فى عَالم الْكَوْن لكَونه مستعدا لقبُول
[ ٣١٨ ]
النَّفس الناطقة الْقَرِيبَة النِّسْبَة من الْجَوَاهِر الكروبية والجواهر الروحانية لم يكن فِي الْعقل بُد من حُصُول لطف المبدأ الأول وَإِضَافَة الْجُود مِنْهُ عَلَيْهِم لتتم لَهُم النِّعْمَة فِي الدُّنْيَا والسعادة فِي الْأُخْرَى وكل وَاحِد من النَّاس قَلما يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وفكرته وَحَوله وقوته فى تَحْصِيل أغراضه الدنياوية ومقاصده الآخروية إِلَّا بِمعين ومساعد لَهُ من نَوعه وَإِذ ذَاك فَلَا بُد من أَن تكون بَينهم معاملات من عُقُود بياعات وإجارات ومناكحات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ الْحَاجَات وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالإنقياد والاستسخار من الْبَعْض للْبَعْض وقلما يحصل الانخضاع والانقياد من الْمَرْء لصَاحبه بِنَفسِهِ مَعَ قطع النّظر عَن مخوفات ومرغبات دينية وأخروية وَسنَن يتبعونها وآثر يقتدون بهَا وَذَلِكَ كُله إِنَّمَا يتم بِبَيَان ومشرع يخاطبهم ويفهمهم من نوعهم وَفَاء بِمُوجب عناية المبدأ الأول بهم
ثمَّ يجب أَن يكون الْبَيَان مؤيدا من عِنْد الله تَعَالَى بالمعجزات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات الَّتِى تتقاصر عَنْهَا قوى غَيره من نَوعه بِحَيْثُ يكون ذَلِك مُوجبا لقبُول قَوْله والانقياد لَهُ فِيمَا يسنه ويشرعه وَيَدْعُو بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى عِبَادَته والانقياد لطاعته وَمَا الله عَلَيْهِ من وجوب الْوُجُود لَهُ وَمَا يَلِيق بِهِ وَمَا لَا يَلِيق بِهِ وَأَحْكَام الْمعَاد وَأَحْكَام المعاش ليتم لَهُم النظام ويتكامل لَهُم اللطف والإنعام وَذَلِكَ كُله فالعقل يُوجِبهُ لكَونه حسنا وَيحرم انتفاءه لكَونه قبيحا
[ ٣١٩ ]
وَأعلم ان مبْنى هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ على فَاسد أصُول الْخُصُوم فِي الْحسن والقبح ورعاية الصّلاح والأصلح ووجوبه وَقد سبق إِبْطَاله بِمَا فِيهِ مقنع وكفاية
وَأما الغلاة من النفاة
الجاحدين لوُجُوب الْوُجُود فَإِنَّهُم قَالُوا النُّبُوَّة لَيست من صفة رَاجِعَة إِلَى نفس النبى بل لَا معنى لَهَا الا التَّنْزِيل من عِنْد رب الْعَالمين وَعند ذَلِك فالرسول لَا بُد لَهُ أَن يعلم أَنه من عِنْد الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يكون الا بِكَلَام ينزل عَلَيْهِ أَو بِكِتَاب يلقى إِلَيْهِ إِذْ الْمُرْسل لَيْسَ بمحسوس وَلَا ملموس وَمَا الذى يُؤمنهُ من أَن يكون الْمُخَاطب لَهُ ملكا اَوْ جنيا وَمَا ألْقى إِلَيْهِ لَيْسَ هُوَ من عِنْد الله تَعَالَى وَمَعَ هَذِه الِاحْتِمَالَات فقد وَقع شكه فِي رسَالَته وَامْتنع القَوْل الْجَزْم بنبوته
ثمَّ إِن مَا يكلمهُ وَينزل عَلَيْهِ إِمَّا أَن يكون جرمانيا أَو روحانيا فَإِن كَانَ جرمانيا وَجب أَن يكون مشاهدا مرئيا وَإِن كَانَ روحانيا فَذَلِك مِنْهُ مُسْتَحِيل كَيفَ وَأَن مَا جَاءَ بِهِ لم يخل إِمَّا أَن يكون مدْركا بالعقول أَو غير مدرك بهَا فَإِن كَانَ الأول فَلَا حَاجَة إِلَى الرَّسُول بل الْبعْثَة تكون عَبَثا وسفها وَهُوَ قَبِيح فِي الشَّرْع وَإِن كَانَ الثانى فَمَا يأتى لَا يكون مَقْبُولًا لكَونه غير مَعْقُول فالبعثة على كل حَال لَا تفِيد
[ ٣٢٠ ]
وَأَيْضًا فَإِن النُّفُوس الإنسانية كلهَا من نوع وَاحِد فَوَجَبَ أَن يسْتَقلّ كل مِنْهَا بدرك مَا أَدْرَكته الْأُخْرَى وَلَا تتَوَقَّف على من يحكم عَلَيْهَا فِيمَا تهتدى إِلَيْهِ وَمَا لَا تهتدى إِلَيْهِ فَإِن ذَلِك مِمَّا يقبح من الْحَكِيم عقلا
وَمِمَّا يدل على الْعَبَث فِي بعثته تعذر الْوُقُوف على صدق مقَالَته فَإِن وجوب التَّصْدِيق لَهُ بِنَفس دَعْوَاهُ مَعَ ان الْخَبَر مَا يَصح دُخُول الصدْق وَالْكذب فِيهِ مُسْتَحِيل وَإِن كَانَ بِأَمْر خَارج إِمَّا بِأَن تقع المشافهة من الله تَعَالَى بتصديقه أَو باقتران أَمر مَا بقوله يدل على صدقه فَهُوَ أَيْضا مُسْتَحِيل إِذْ المشافهة من الله تَعَالَى بِالْخِطَابِ متعذرة وَلَو لم تكن متعذرة لاستغنى عَن الرَّسُول وَمَا يقْتَرن بقوله إِمَّا أَن يكون مَقْدُورًا لَهُ أَو لله تَعَالَى فَإِن كَانَ مَقْدُورًا لَهُ فَهُوَ أَيْضا مَقْدُور لنا فَلَا حجَّة لَهُ فِي صدقه وان كَانَ مَقْدُورًا لله تعإلى فإمَّا أَن يكون مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد فَإِن كَانَ مُعْتَاد فَلَا حجَّة فِيهِ أَيْضا وَإِن كَانَ غير مُعْتَاد بِأَن يكون خارقا للعادات فَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يدل على صدقه فِي دَعوته إِذْ هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهُوَ مَشْرُوط بمشيئته وتخصصه مَنُوط بإرادته وَرُبمَا لَا يتَصَوَّر فِي جَمِيع الْحَالَات وَلَا يساعد فِي سَائِر الْأَوْقَات وَكم من نبى سَأَلَ إِظْهَار المعجزات فِي بعض الْأَوْقَات فَلم يتَّفق لَهُ مَا سَأَلَهُ فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَعَلَّ اقترانها بدعوته فِي بعض الاوقات كَانَ من قبيل الاتفاقات لَا بِقصد التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله وَالتَّحْقِيق لَهُ
ثمَّ إِن كَانَ ظُهُور هَذِه الْآيَات واقترانها بقوله فِي بعض الْأَوْقَات دَلِيلا على
[ ٣٢١ ]
فَعدم اقترانها بِهِ فى بعض الْأَوْقَات دَلِيل على كذبه وَلَيْسَ أحد الْأَمريْنِ بِأولى من الآخر والذى يدل على ذَلِك أَنا ألفينا كل مُدع قد اباح مَا تحظره الْعُقُول مثل ذبح الْحَيَوَان وإيلامه وتسخيره وَمثل السعى بَين الصَّفَا والمروة وَالطّواف بِالْبَيْتِ وتقبيل الْحجر والعطش فى أَيَّام الصّيام وَالْمَنْع من الملاذ الَّتِى بهَا صَلَاح الْأَبدَان وَذَلِكَ كُله قَبِيح والقبيح لَا يَأْمر بِهِ الْحَكِيم فهم فِيمَا ادعوهُ كاذبون وَفِيمَا انتحوه متخرصون
ثمَّ وَإِن قارنت لدعواه فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَلم تُوجد فى غَيرهَا من الْحَالَات فهى مِمَّا لَا تَمْيِيز فِيهَا عَن الكرامات وَالسحر والطلسمات وَغير ذَلِك من الْعُلُوم كالسحر والتنجيم من الْأَفْعَال العجيبة والأمور المعجزة الغريبة الَّتِى لَا وُقُوع لَهَا فى جَمِيع الاوقات وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا فِي سَائِر الْحَالَات بل هى على نمط المعجزات والأمور الخارقة للعادات وَمَعَ جَوَاز أَن يكون مَا أَتَى بِهِ من هَذَا الْقَبِيل فَلَيْسَ على القَوْل بصدقه تعويل
ثمَّ وان تميز مَا أَتَى بِهِ عَن هَذِه الْأَحْوَال وتجرد عَن هَذِه الْأَفْعَال فَلَا محَالة أَن من أصلكم جَوَاز انقلاب العوائد واطراد مَا لم يعْهَد وَعند اطرادها فَلَا يخفى أَنَّهَا تخرج عَن أَن تكون معْجزَة لكَونهَا لَا اخْتِصَاص لَهَا بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا الذى يؤمننا من اطراد معجزته وَعُمُوم وُقُوعهَا بعد تحديه بنبوته
ثمَّ وَلَو قدر عدم اطرادها فَذَلِك أَيْضا مِمَّا لَا يدل على صَدَقَة بل لَعَلَّه كَاذِب فِي دَعوته والبارى تَعَالَى مُرِيد لضلالنا برسالته وَأَن مَا يَدْعُو اليه من الْخَيْر هُوَ عين الشَّرّ وَمَا ينْهَى
[ ٣٢٢ ]
عَنهُ من الشَّرّ هُوَ عين الْخَيْر فَإِنَّهُ لَا إِحَالَة فِيهِ على أصلكم حَيْثُ أحلتم كَون الْحسن والقبح ذاتيا
ثمَّ وَإِن اسْتَحَالَ ذَلِك فى حق الله تَعَالَى فَلَا محَالة أَن الْعلم برسالة الرَّسُول وَالْقَوْل بتصديقه يتَوَقَّف على معرفَة وجود الْمُرْسل وَصِفَاته وَمَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز بتوسط الحادثات والكائنات والممكنات وَذَلِكَ كُله لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَقع بديهة فَإِنَّهُ لَو خلى الانسان ودواعى نَفسه فِي مبدأ نشوئه من غير الْتِفَات إِلَى أَمر آخر لم يحصل لَهُ الْعلم بشئ من ذَلِك أصلا فَعِنْدَ إرْسَال الرَّسُول إِمَّا أَن يجوز للمرسل اليه النّظر والابتهال بالفكر وَالِاعْتِبَار بالعبر أَو لَا يجوز لَهُ ذَلِك فَإِن قيل بِالْجَوَازِ فَلَا يخفى أَن زمَان النّظر غير مُقَدّر بِقدر بل هُوَ مُخْتَلف باخْتلَاف الاحوال والاشخاص وتقلب أَحْوَالهم والاشتداد والضعف فِي أفهامهم وَذَلِكَ مِمَّا يفضى إِلَى تَعْطِيل النبى عَن التَّبْلِيغ لرسالاته وافحامه فِي دَعوته وَلَا فَائِدَة إِذْ ذَاك فى بعثته وَإِن لم يُمْهل فى النّظر فَذَلِك قَبِيح لَا محَالة من جِهَة أَنه كلفه التَّصْدِيق بِمَا لَا يُطيق أوجب عَلَيْهِ التَّقْلِيد والانقياد من غير دَلِيل إِلَى الِاعْتِقَاد وَذَلِكَ قَبِيح لَا تستحسنه الْعُقُول
ثمَّ إِنَّه إِمَّا أَن يكون مُرْسلا إِلَى من علم الله أَنه لَا يُؤمن أَو لَا يكون مُرْسلا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ مُرْسلا إِلَيْهِ فالعقاب على مُخَالفَته ظلم وَهُوَ قَبِيح من الحكم الْعدْل
وزادت التناسخية على هَؤُلَاءِ فَقَالُوا
الْأَفْعَال الانسانية إِن كَانَت على منهاج قويم وَسنَن مُسْتَقِيم ارْتَفَعت نفس فاعلها إِلَى الملكوت بِحَيْثُ تصير نَبيا أَو ملكا وَإِن كَانَت أَفعاله على منهاج أَفعَال
[ ٣٢٣ ]
الْحَيَوَانَات والتشبه بالسفليات والانغماس فِي الرذائل والشهوات انحطت نَفسه إِلَى دَرَجَة الْحَيَوَانَات أَو أَسْفَل مِنْهَا وَهَكَذَا على الدَّوَام كلما انْقَضى عصر ودور وَلَيْسَ ثمَّ عَالم جَزَاء وَلَا حِسَاب وَلَا كتاب وَلَا حشر وَلَا عِقَاب وَذَلِكَ كُله مِمَّا عرف بالعقول على طول الدَّهْر فَلَا حَاجَة بالإنسان إِلَى من هُوَ مثله يحسن لَهُ فعلا أَو يقبح لَهُ فعلا إِذْ لَا يزَال فى فعل يجزى أَو فى جَزَاء على فعل وَهَكَذَا على الدَّوَام
وَالطَّرِيق
فِي الِانْفِصَال عَن كَلِمَات أهل الضلال أَن يُقَال أما مَا أشاروا إِلَيْهِ من تعذر علمه بمرسله فبعيد إِذْ لَا مَانع من أَن يُعلمهُ الْمُرْسل لَهُ أَنه هُوَ الله تَعَالَى وَذَلِكَ بِأَن يَجْعَل لَهُ على ذَلِك آيَات وَدَلَائِل ومعجزات بِحَيْثُ تتقاصر عَنْهَا قوى سَائِر الْحَيَوَانَات الْمَخْلُوقَات أَو بِأَن يكون مَا أنزل إِلَيْهِ وَألقى عَلَيْهِ يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن الغائبات والأمور الخفيات الَّتِى لَا يُمكن مَعْرفَتهَا إِلَّا لخالق البريات أَو بِأَن يخلق لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك إِن الله على كل شئ قدير
وَلَيْسَ الْمَطْلُوب لهَذَا الشَّخْص من قبل الله تَعَالَى بمستحيل وَلَا نزُول الوحى
[ ٣٢٤ ]
إِلَيْهِ مَعَ الْأمين جِبْرِيل فَإِنَّهُ غير بعيد أَن تشمله الْعِنَايَة من المبدأ الأول بتكميل فطرته وتصفية جَوْهَر نَفسه وتنقيته بِحَيْثُ يتهيأ لقبُول هَذِه الْأَسْرَار ويستعد لدرك هَذِه الْأَنْوَار فَيرى مَلَائِكَة الله على صور مُخْتَلفَة وَيسمع وحيها وحدة دون غَيره من الْحَاضِرين وَيخْتَص بِهِ دونهم أَجْمَعِينَ إِن الله تَعَالَى ﴿يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾
وَلَيْسَ مَا يرَاهُ النبى من اخْتِلَاف صور الْملك لتبدل حَقِيقَته أَو لتبدل صورته وشكله بل الذى يظْهر أَنَّهَا أنوار روحانية وجواهر عقلية تظهر فى الخيال على اخْتِلَاف تِلْكَ الأشكال وَيكون تعلقهَا بِهِ فى ضرب الْمِثَال على نَحْو تعلق الْأَنْفس الناطقة بالأبدان فَإِذا اشْتَدَّ صفاء نَفسه بِحَيْثُ صَارَت مُتَّصِلَة بعالم الْغَيْب انطبعت تِلْكَ الأشكال فِي الْقُوَّة الخيالية وارتقمت فِيهَا تِلْكَ الكمالات اللاهوتية ثمَّ انطبع مَا حصل فى الخيال من الإدراكات الظَّاهِرَة فِي الْحَواس الْبَاطِنَة فَإِذا ذَاك يرى من الْأَشْخَاص والصور وَيسمع من الْأَصْوَات مَا تتقاصر عَن الْإِحَاطَة بِهِ قوى الْبشر فَمَا يرَاهُ من الصُّور هى مَلَائِكَة الله وَمَا يسمعهُ من الْكَلَام هُوَ كَلَام الله ووحيه الموحى بِهِ إِلَيْهِ
وَأقرب مِثَال يقربهُ الى الذِّهْن ويصوره فى الْوَهم مَا نشاهده فى بعض النَّاس فَإِنَّهُ قد يقل شواغله الْبَدَنِيَّة وينصرف عَن اشْتِغَاله بمتعلقات حواسه الظَّاهِرَة بِسَبَب يبوسة تغلب على مزاجه أَو لأمر مَا بِحَيْثُ يصير كالمبهوت وَحِينَئِذٍ قد يرى من الصُّور وَيسمع من الْأَصْوَات حسب مَا يرَاهُ النَّائِم فى مَنَامه وَإِن كَانَ مستيقظا بل وَمثل هَذَا قد وجد لبَعض المرضى والمصروعين وَبَعض المتكهنين وَالْمَقْصُود من هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيب بالمثال وَإِلَّا فَهَذِهِ صفة نقص وَالْأولَى صفة تَمام وَكَمَال
وَمَا أُشير إِلَيْهِ من الشُّبْهَة الثَّانِيَة فمندفعة وَذَلِكَ أَنه لَا مَانع من أَن يرد النبى بِمَا هُوَ فِي نَفسه مَعْقُول وَيكون تحذيره وترغيبه تَأْكِيدًا وَيكون ذَلِك بِمَثَابَة إِقَامَة أَدِلَّة مُتعَدِّدَة
[ ٣٢٥ ]
الْمَدْلُول وَاحِد وَهُوَ لَا يُسمى عَبَثا كَيفَ وَإِنَّا قد بَينا ان الْعَبَث والقبح منفى عَن وَاجِب الْوُجُود فِي جَمِيع افعاله
ثمَّ نقُول إِن الرَّسُول لَا يأتى إِلَّا بِمَا لَا تستقل بِهِ الْعُقُول بل هى متوقفة فِيهِ على الْمَنْقُول وَذَلِكَ كَمَا فِي مسالك الْعِبَادَات ومناهج الديانَات والخفى مِمَّا يضر وينفع من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَغير ذَلِك مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ السَّعَادَة والشقاوة فى الأولى وَالْأُخْرَى وَتَكون نِسْبَة النبى إِلَى تَعْرِيف هَذِه الْأَحْوَال كنسبة الطَّبِيب إِلَى تَعْرِيف خَواص الادوية والعقاقير الَّتِى يتَعَلَّق بهَا ضَرَر الْأَبدَان ونفعها فَإِن عقول الْعَوام قد لَا تستقل بدركها وَإِن عقلتها عِنْدَمَا يُنَبه الطَّبِيب عَلَيْهَا وكما لَا يُمكن الِاسْتِغْنَاء عَن الطَّبِيب فِي تَعْرِيف هَذِه الْأُمُور مَعَ أَنه قد يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهَا والتوصل بطول التجارب إِلَيْهَا لما يفضى إِلَيْهِ من الْوُقُوع فِي الْهَلَاك والأضرار لخفاء المسالك فَكَذَلِك النبى وَبِهَذَا التَّحْقِيق ينْدَفع مَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من الشُّبْهَة الثَّالِثَة أَيْضا
فَإِن قيل إِن تَخْصِيص هَذَا الشَّخْص بالتعريف دون غَيره من نَوعه ميل إِلَيْهِ وحيف على غَيره وَهُوَ قَبِيح قُلْنَا فعلى هَذَا يلْزم التَّسْوِيَة بَين الْخَلَائق فى أَحْوَالهم وَألا تفَاوت بَين أفعالهم بِحَيْثُ لَا يكون هَذَا عَالما وَهَذَا جَاهِلا وَلَا هَذَا زَمنا وَهَذَا مَاشِيا وَلَا هَذَا أعمى وَهَذَا بَصِير إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع التَّفَاوُت فِي الكمالات وَحُصُول الملاذ والشهوات وَإِلَّا عد
[ ٣٢٦ ]
ذَلِك مِنْهُ قبيحا وَهُوَ محَال لكنه وَاقع فَإِذا مَا هُوَ الِاعْتِذَار هَهُنَا للخصم هُوَ الِاعْتِذَار بِعَيْنِه لنا فِي محز الْخلاف
وَأما مَا ذَكرُوهُ من تعذر الْوُقُوف بالعقول على صدق الرَّسُول فتصريح بتعجيز الله تَعَالَى عَن تَصْدِيق من اصطفاه ونبأه واتخذه وَسِيلَة إِلَى إصْلَاح نظام الْخلق بالإرشاد إِلَى السَّبِيل الْحق ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ بل من لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَله التَّصَرُّف فى عباده بالبذل وَالْمَنْع والشطر وَالْجمع كَمَا كَانَ قَادِرًا على تَعْرِيف الْخَلَائق بِنَفس ربوبيته والتصديق بإلهيته قَادر على أَن يعرفهُمْ صدق من اصطفاه واجتباه لحمل أَمَانَته إِمَّا بِأَن يخلق لَهُم علما ضَرُورِيًّا بذلك أَو بالإخبار عَن كَونه رَسُولا كَمَا قَالَ تَعَالَى فى حق آدم للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ وَلَا يلْزم من تصور الْخطاب من الْمُرْسل الِاسْتِغْنَاء عَن الرَّسُول فَإِن ذَلِك حجر وتحكم على الْحَاكِم فى مَمْلَكَته وَهُوَ خلاف الْمَعْقُول بل لله تَعَالَى أَن يصطفى من عباده ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾
وَقد يكون التَّعْرِيف للصدق بِإِظْهَار المعجزات على يَد مدعى النبوات على وَجه تدين لَهُ الْعُقُول السليمة بالإذعان وَالْقَبُول وَذَلِكَ أَنه إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى فِي قولى إتيانى بِمَا لَا تَسْتَطِيعُونَ الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعْضكُم لبَعض ظهيرا من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وشق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَغير ذَلِك من الْآيَات فَإِذا مَا ظهر ذَلِك على يَده مُقَارنًا لدعوته قطع كل عقل سليم ولب مُسْتَقِيم بتصدقيه فى قَوْله وتحقيقه وأذعن إِلَى اتِّبَاعه وتقليده إِذْ الْعقل الصَّرِيح يقْضى بِأَن ظُهُور الخارق للْعَادَة مُقَارنًا لدعوته وَعجز النَّاس عَن معارضته مَعَ توفر دواعيهم على
[ ٣٢٧ ]
مُقَابلَته وإفحامه فى رسَالَته ينْهض دَلِيلا قَاطعا على صدق مقَالَته وَإِظْهَار البارى تَعَالَى ذَلِك على يَده مُقَارنًا لدعوته ينزل منزلَة الْخطاب إِنَّه رَسُول وَإنَّهُ صَادِق فِيمَا يَقُوله إِذْ لَو كَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا لما وَقع على وفْق إخْبَاره وعَلى حسب إيثاره واختياره إِذْ هُوَ مُمْتَنع بِالنّظرِ إِلَى الاستحالة العادية وَلَا سِيمَا إِن وَقع ذَلِك مِنْهُ متكررا
وَلَيْسَ ذَلِك فى ضرب الْمِثَال إِلَّا كَمَا لَو كَانَ بعض الْمُلُوك جَالِسا فى رتبته قَاعِدا على سَرِير مَمْلَكَته وَالنَّاس مجتمعون لخدمته قيَاما فى طَاعَته فَقَامَ وَاحِد من عرض النَّاس وَقَالَ يأيها النَّاس إنى رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم بِكَذَا وَكَذَا وَآيَة صدقى على ذَلِك أَنى إِذا طلبت مِنْهُ أَن يقوم ثَلَاث مَرَّات أَو يُحَرك كَفه أَو يَده مثلا فعل وَلَو أَرَادَ وَاحِد مِنْكُم لم يجد إِلَيْهِ سَبِيلا فَإِنَّهُ إِذا أَتَى لَهُ بذلك لم يتمار أحد من الْحُضُور وَلَا يداخله شكّ أَو فتور أَنه صَادِق فِيمَا ادَّعَاهُ حقيق فِيمَا أَتَاهُ
والذى يُؤَكد ذَلِك إِسْنَاد تَصْدِيقه إِلَى مُتَوَقف على مَشِيئَة البارى تَعَالَى وإرادته دون مَشِيئَته هُوَ إِرَادَته سرعَة اقترانها بدعوته وَإِلَّا فَلَو كَانَت المعجزة مستندة إِلَى حوله وقوته لم ينتهض من ذَلِك دَلِيل على كَونه رَسُول رب الْعَالمين فَإِنَّهُ لم ينزل اقتران المعجزة بِدَعْوَاهُ منزلَة التَّصْدِيق لَهُ من الله تَعَالَى كَمَا إِذا كَانَت المعجزة من خلق الله وَفعله وداخلة تَحت مَشِيئَته وَحَوله والمكابر لذَلِك جَاحد لما أنعم الله عَلَيْهِ من الْعقل السنى والنطق النفسانى
وَبعد مَا تقترن المعجزة بِدَعْوَاهُ على سَبِيل مَا يجريه الله وَيثبت صدقه فى ذَلِك بطرِيق الْعلم بِنَاء على مَا احتفت بِهِ من الْقَرَائِن الظَّاهِرَة والدلائل الباهرة فَلَا ينتهض عدمهَا بعد ذَلِك دَلِيلا على كذبه وإبطاله رسَالَته وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يَنْقَلِب الْعلم جهلا
[ ٣٢٨ ]
وَذَلِكَ محَال وَلَيْسَ انْتِفَاء دَلِيل الْإِثْبَات فى بعض الْأَوْقَات دَلِيلا على إِيجَاب النفى بِخِلَاف دلَالَته فى حَالَة الْإِثْبَات فَلَا تعَارض وَعَلَيْك بمراعاة هَذِه الدقيقة وَالْإِشَارَة إِلَى هَذِه الْحَقِيقَة
فَإِن قيل تعلق الْعلم بِتَصْدِيق مثل هَذَا فِي الشَّاهِد ينبنى على قَرَائِن الْأَحْوَال كالأفعال والأقوال من الْمُرْسل وَذَلِكَ مِمَّا يتَعَذَّر الْوُقُوف عَلَيْهِ فِي حق الْغَائِب فَلَا يَصح التَّمْثِيل ثمَّ وَإِن صَحَّ ذَلِك فى حق الْغَائِب وَأَن ذَلِك نَازل مِنْهُ منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل لَكِن ذَلِك إِنَّمَا يدل على صدقه أَن لَو اسْتَحَالَ الْكَذِب فى حكم الله تَعَالَى وَذَلِكَ إِمَّا أَن يدْرك بِالْعقلِ أَو السّمع لَا سَبِيل إِلَى القَوْل باستحالته عقلا إِذْ قد منعتم أَن يكون الْحسن والقبح ذاتيا وَلَا سَبِيل إِلَى إِدْرَاكه بِالسَّمْعِ إِذْ السّمع مُتَوَقف على صِحَة النُّبُوَّة متوقفة على اسْتِحَالَة الْكَذِب فى حكم الله فَلَو توقف ذَلِك على السّمع كَانَ دورا مُمْتَنعا
قُلْنَا الْمَقْصُود من ضرب الْمِثَال لَيْسَ إِلَّا تقريب الصُّور من الخيال وَإِلَّا فالعلم بِصدق المتحدى بِالنُّبُوَّةِ عِنْد اقتران المعجز الخارق للْعَادَة بِدَعْوَاهُ وَاقع لكل عَاقل بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذا قَالَ أَنا رَسُول خَالق الْخلق إِلَيْكُم ويعضد ذَلِك بِمَا يعلم أَنه لَا يقدر على إيجاده أحد من المخلوقين وَلَا يتَمَكَّن من إحداثه شئ مَا الحادثات علم أَن مبدعه وصانعه لَيْسَ إِلَّا مبدع الْعَالم وصانعه وَذَلِكَ عِنْد كل لَبِيب أريب منزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بالْقَوْل على نَحْو مَا ضَرَبْنَاهُ من الْمِثَال وَمن جرد نظره إِلَى هَذَا الْقدر من الِاسْتِدْلَال فِي الشَّاهِد أَيْضا وجد من نَفسه أَن الْمُدعى صَادِق فى الْمقَال وَإِن قطع النّظر عَن قَرَائِن الْأَحْوَال
[ ٣٢٩ ]
وَلِهَذَا فَإِن من كَانَ غَائِبا من مجْلِس الْملك وَلم يُشَاهد عَرْشه وَلَا حَالَة من الْأَحْوَال لَو نظر إِلَى مُجَرّد هَذَا أوجب ذَلِك عِنْده التَّصْدِيق وَالتَّحْقِيق من غير الْتِفَات إِلَى شئ غَيره
وَأما مَا ذَكرُوهُ فى تطرق الْكَذِب إِلَى حكم الله تَعَالَى فتهويل لَيْسَ عَلَيْهِ تعويل لَكِن من الاصحاب من قَالَ فى الْجَواب إِن إِثْبَات الرسَالَة مِمَّا لَا يفْتَقر إِلَى نفى الْكَذِب عَن الله تَعَالَى فى حَالَة الْإِرْسَال فَإِنَّهُ لَا يتَوَقَّف تَصْحِيح الرسَالَة على الْإِخْبَار بِأَنَّهُ رَسُول فى الماضى حَتَّى يَصح أَن يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب بل إظهارالمعجزة على يَده واقترانها بدعوته ينزل منزلَة الْإِنْشَاء لذَلِك وَالْأَمر بِهِ وَجعله رَسُولا فى الْحَال وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل وَكلتك فى أمرى واستنبتك فى أشغالى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستدعى تَصْدِيقًا وَلَا تَكْذِيبًا
وَهُوَ غير مرضى فَإِن المعجزة لَو ظَهرت على يَد شخص لم يسْبق مِنْهُ التحدى لم تكن آيَة فِي النُّبُوَّة وَلَا دَلِيلا لَهُ فى الرسَالَة إِجْمَاعًا فَلَو كَانَ ظُهُور المعجزة على يَده ينزل منزلَة الْإِنْشَاء للرسالة وَالْأَمر بالبعثة لوَجَبَ أَن يكون مثل هَذَا هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِذا لم يكن بُد من القَوْل بالتحدى علم أَن ذَلِك لَيْسَ ينزل منزلَة الانشاء الْمُطلق بل لَا بُد فِيهِ من الْخَبَر لتصديقه فِيمَا أخبر بِهِ أَنه نبى وَرَسُول لضَرُورَة اشْتِرَاط التحدى سَابِقًا والتصديق بذلك وَالْعلم بِهِ مَعَ قطع النطر عَن بَيَان اسْتِحَالَة الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى محَال
والذى يخمد تأثره هَذَا الْإِشْكَال وَيقطع دابر هَذَا الخيال وَإِن كَانَ عِنْد الْإِنْصَاف فى التَّحْقِيق عويصا هُوَ أَن يُقَال إِن القَوْل باستحالة الْكَذِب فى حق الله تَعَالَى مِمَّا لَا يسْتَند إِلَى سمع وَلَا إِلَى التحسين والتقبيح وَإِن حصر مدرك ذَلِك فِي هذَيْن بَاطِل بل الْمدْرك فى ذَلِك أَن يُقَال قد ثَبت كَون البارى تَعَالَى عَالما متكلما
[ ٣٣٠ ]
وَأَن كَلَامه فى نَفسه وَاحِد وَذَلِكَ لَا يقبل الصدْق وَالْكذب وَإِنَّمَا يقبل ذَلِك من جِهَة كَونه خَبرا والخبرية لَهُ من جِهَة مُتَعَلّقه لَا غير فَلَو تعلق خَبره بشئ مَا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يخل إِمَّا أَن يكون ذَلِك فى حَالَة الْغَفْلَة والذهول أَو مَعَ الْعلم بِهِ فَإِن كَانَ مَعَ الْغَفْلَة فَيلْزم مِنْهُ إبِْطَال الدَّلِيل الْقَاطِع على كَونه عَالما وَإِن كَانَ ذَلِك مَعَ الْعلم بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا محَالة ان تعلق الْخَبَر بِمَا هُوَ مَعْلُوم غير مُسْتَحِيل بل وَاجِب على نَحْو تعلق الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة بمتعلقاتها كَمَا بَيناهُ وَعند ذَلِك فَلَو تعلق الْخَبَر بالمعلوم على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يخل إِمَّا أَن يَصح تعلق الْخَبَر بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَو لَا يَصح فَإِن لم يَصح فَهُوَ محَال وَإِن صَحَّ لزم مِنْهُ جَوَاز تعلق الْخَبَر بشئ وَاحِد على مَا هُوَ بِهِ وعَلى خلاف مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ محَال إِذْ الْخَبَر يستدعى مخبرا عَنهُ إِذْ الْخَبَر وَلَا مخبر محَال وَإِذا استدعى مخبرا فَالْوَاجِب أَن يكون متصورا فى نَفسه فَإِن تعلق الْخَبَر بمخبر غير مُتَصَوّر نَازل منزلَة الْخَبَر وَلَا مخبر وَعند ذَلِك فَلَا يخفى أَن الْمخبر عَنهُ هَهُنَا غير مُتَصَوّر إِذْ الْجمع بَين الشئ ونقيضه محَال فَلَا يتَصَوَّر أَن يقوم بِنَفس الْقَائِل الْإِخْبَار عَنهُ فَلَو تعلق خبر البارى تَعَالَى بالشئ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ للَزِمَ مِنْهُ هَذَا الْمحَال وَهُوَ مُمْتَنع وَهَذَا ظَاهر لَا مراء فِيهِ وَلَا شُبْهَة أَو ظن يَعْتَرِيه وَإِذا ثَبت امْتنَاع قيام الْخَبَر الْكَاذِب بِنَفس البارى وَأَن إِظْهَار المعجزة على يَد النبى نَازل منزلَة الْإِخْبَار بالتصديق فَلَو لم تكن دَالَّة على وفْق مَا قَامَ بِالنَّفسِ من الْخَبَر الصَّادِق وَإِلَّا لما كَانَت نازلة منزلَة التَّصْدِيق وَهُوَ مُمْتَنع لما سبق
وَأما مَا ذَكرُوهُ من جَوَاز اطرادها وإظهارها على يَد غَيره أَو يَده فَذَلِك مِمَّا لَا يقْدَح فى دلالتها على صدقه وَأَن اقترانها بدعوته وهى من قبيل الخوارق للعادات نَازل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله ويتحدى بِهِ بِحَيْثُ تركن النُّفُوس إِلَيْهِ وتطمئن الْقُلُوب بِمَا دَعَا إِلَيْهِ من غير مداخلة شكّ وَلَا ريب فَإِنَّهُ لم يتحد بِأَن معجزته مِمَّا لَا تطرد
[ ٣٣١ ]
وَلَا مِمَّا لَا تظهر على يَد غَيره وَإِنَّمَا تحدى بِمَا هُوَ الخارق واقترانه بدعوته ووقوعه على وفْق مقَالَته وإرادته وَذَلِكَ كَمَا إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى نزُول الْمَطَر فى هَذِه الْحَالة وَلَيْسَ ثمَّ غيم وَلَا تصاعد أبخرة وَلَا عَلامَة دَالَّة على نزُول الْمَطَر فَإِنَّهُ إِذا نزل الْمَطَر كَانَ ذَلِك آيَة صدقه من حَيْثُ وُقُوعه على وفْق مقَالَته وَعدم دُخُوله تَحت قدرته وَإِن كَانَ نزُول الْمَطَر فى نَفسه لَيْسَ بخارق وَلَا نَادِر وَكَذَلِكَ الْكَلَام فى حق كل من ظهر هَذَا الخارق على يَدَيْهِ مقترنا بالتحدى فَإِنَّهُ يجب القَوْل بتصديقه فِي قَوْله والأجابة لدعوته نعم ان تصور مِنْهُ التحدى والإخبار بِأَن آيَة صدقه أَن مَا ظهر على يَده لَا يظْهر على يَد غَيره فَإِن معجزته لَا تتمّ إِلَّا بِعَدَمِ ظُهُور ذَلِك إِلَّا على يَده إِذْ الإعجاز لَيْسَ إِلَّا فِيهِ فَإِن ظهر على يَد غَيره فَإِن ذَلِكُم لَا يكون آيَة على صدقه بل يتَبَيَّن بِهِ كذبه فى مقَالَته
وَأما الْإِشَارَة إِلَى عدم تَمْيِيز المعجزة عَن الكرامات وَالسحر والطلسمات وَغير ذَلِك من الامور العجيبات فَالْجَوَاب الإجمالى فِيهِ هُوَ أَن ادِّعَاء أَن كل مَقْدُور لله تَعَالَى مِمَّا يُمكن تَأتيه بِهَذِهِ الْأُمُور مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ فَإِن أحدا من الْعُقَلَاء لَا يجوز انْتِهَاء السحر والطلسم وَغَيره من الصَّنَائِع إِلَى فلق الْبَحْر وإحياء الْمَيِّت وإبراء الاكمه والأبرص
وَإِن قيل بالتفاوت فقد جوز من جِهَة الْعقل تصور تَصْدِيق للرسول بِمَا لَا يَتَأَتَّى من السحر وَلَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا وَقع مقصودنا هَهُنَا وَلَيْسَ تشوفنا إِلَّا للْفرق من جِهَة التَّفْصِيل فيسدعى ذَلِك تَحْقِيق المعجزة وَبَيَان خواصها الَّتِى لَا يشاركها فِيهَا غَيرهَا فَنَقُول
[ ٣٣٢ ]
المعجز فى الْوَضع مَأْخُوذ من الْعَجز وَهُوَ فى الْحَقِيقَة لَا يُطلق على غير البارى تَعَالَى لكَونه خَالق الْعَجز وَإِن سمينا غَيره معجزا كَمَا فى فلق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ بطرِيق التَّجَوُّز والتوسع من كَونه سَبَب ظُهُور الإعجاز وَهُوَ الإنباء عَن امْتنَاع الْمُعَارضَة لَا الانباء عَن الْعَجز عَن الْإِتْيَان بِمثل تِلْكَ المعجزة كَمَا يتوهمه بعض النَّاس فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يتَصَوَّر الْعَجز عَنهُ حَقِيقَة فَإِن دخلت تَحت قدرته فالعجز عَمَّا لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة ايضا مُمْتَنع فَإِن قيل إِنَّه معجوز عَنهُ فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق التَّوَسُّع لَا غير
وَأما حَقِيقَة المعجزة فهى كل مَا قصد بِهِ ظِهَار صدق المتحدى بِالنُّبُوَّةِ الْمُدعى للرسالة فعلى هَذَا لَا يجوز أَن تكذب الرَّسُول كَمَا إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى أَن ينْطق الله يدى فَلَو نطقت يَده قائلة إِنَّه كَاذِب فِيمَا يَدعِيهِ لم يكن ذَلِك آيَة على صدقه لَكِن شَرط ذَلِك أَن المكذب مِمَّا يَقع فى جنسه خرق الْعَادة كَمَا ذَكرْنَاهُ من الْمِثَال وَأما إِن كَانَ غير خارق للْعَادَة فَلَا وَذَلِكَ كَمَا إِذا قَالَ آيَة صدقى إحْيَاء هَذَا الْمَيِّت فأحياه الله وَهُوَ ينْطق بتكذيبه فَإِنَّهُ لَا يكون ذَلِك تَكْذِيبًا بل الْوَاجِب تَصْدِيقه من جِهَة أَن الْإِحْيَاء خارق وَكَلَام مثل ذَلِك إِذا كَانَ حَيا غير خارق بِخِلَاف الْيَد وَبِه يتَبَيَّن ضعف من لم يفرق بَين الصُّورَتَيْنِ من الْأَصْحَاب
وَلَا يجوز أَن تكون صفة قديمَة وَلَا مخلوقة للرسول وَلَا عَامَّة الْوُقُوع بِحَيْثُ يستوى فِيهَا الْبر والفاجر وَلَا أَن تكون مُتَقَدّمَة على دَعْوَاهُ بأنى رَسُول وآيتى مَا ظهر على يدى
[ ٣٣٣ ]
سَابِقًا وَلَا مُتَأَخِّرًا عَنْهَا الا أَن تكون وَاقعَة على مَا يخبر بِهِ عَنْهَا بِأَن يَقُول آيَة صدقى ظُهُور الشئ الفلانى فى وَقت كَذَا على صفة كَذَا فَإِن المعجزة إِنَّمَا تدل على الصدْق من حَيْثُ إِنَّهَا تنزل منزلَة الْخطاب بالتصديق وَذَلِكَ لَا يتم عِنْد تحقق هَذِه الامور كَمَا لَا يخفى
بل لَا بُد وَأَن تكون خارقة للْعَادَة مقترنه بالتحدى غير مكذبة لَهُ وَلَا مُتَقَدّمَة عَلَيْهِ وَلَا مُتَأَخِّرَة عَنهُ إِلَّا كَمَا حققناه وَلَا يشكك فى منع تقدم المعجزة على التحدى أَن يَقُول آيَة صدقى أَن فى هَذَا الصندوق المغلق كَذَا على كَذَا مَعَ سبق علمنَا بخلوه عَمَّا اخبر بِهِ فانه إِذا ظهر وَإِن جَازَ أَن يكون مخلوقا لله قبل التحدى فَلَيْسَ الإعجاز فى وجوده وَإِنَّمَا هُوَ فى إخْبَاره بِالْغَيْبِ
وَإِذا عرفت مَا حققناه من المعجزة وَوُجُود شرائطها فَمَا سواهَا من الْأَفْعَال إِن لم يكن خارقا للْعَادَة فَلَا إِشْكَال وَإِن كَانَ خارقا للْعَادَة فإمَّا أَن يكون ذَلِك على يدى نبى أَو غير نبى فَإِن كَانَ نَبيا فَلَا إِشْكَال أَيْضا وَإِن كَانَ غير نبى بِأَن يكون وليا أَو ساحرا أَو كَاهِنًا أَو غير ذَلِك فد اخْتلفت أجوبة الْمُتَكَلِّمين هَهُنَا
فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْأَصْحَاب إِلَى منع جَوَاز ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى وَقَالُوا لَو جَازَ ظُهُور مثل ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى أفْضى ذَلِك إِلَى تَكْذِيب النبى وافترائه وَألا نَعْرِف النبى من غَيره ولجوزنا فى وقتنا هَذَا وُقُوع مَا جرى على أيدى الانبياء من قبلنَا وَذَلِكَ يُوجب لنا التشكك الأن فى كَون الْبَحْر منفلقا وانقلاب الْمَوْتَى أَحيَاء وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستريب فى إِبْطَاله عَاقل
[ ٣٣٤ ]
وَأما أهل التَّحْقِيق فَلم يمنعوا من جَوَاز إِجْرَاء مثل ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى لَكِن مِنْهُم من قَالَ إِن ذَلِك لَا يَقع إِلَّا من غير إِيثَار وَاخْتِيَار بِخِلَاف المجزة وَذَلِكَ كُله مِمَّا لَا نرتضيه فَإِنَّهُ مَا من أَمر يقدر من الْأَفْعَال الخارقة وَغير الخارقة إِلَّا وَهُوَ مَقْدُور لله تَعَالَى أَن يظهره على يدى من شَاءَ من عباده على حسب إيثارة واختيارة وإنكار ذَلِك يجر إِلَى التَّعْجِيز وَإِبْطَال كَون الْفِعْل مَقْدُور لله تَعَالَى وَهُوَ مُسْتَحِيل
ثمَّ كَيفَ يُنكر وُقُوع مثل ذَلِك مَعَ اشتهار مَا جرى من قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف وأمى مُوسَى وَعِيسَى وَمَا تمّ لَهما من الْآيَات الغريبة والأمور العجيبة الَّتِى لم تجر الْعَادة بِمِثْلِهَا وَلم يَكُونُوا أَنْبيَاء إِجْمَاعًا بل وَمَا جرى للسحرة فِي أَيَّام جرجيس ومُوسَى ﵉ وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يفضى إِلَى تَكْذِيب النبى إِذْ لَيْسَ شَرط المعجزة إِلَّا يُؤْتى بِمِثْلِهَا وَإِلَّا لما جَازَ أَن يأتى النبى بِمَا أَتَى بِهِ الأول وَهُوَ خلاف المذهبين بل شَرطهَا أَن تقع موقع التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَدعِيهِ كَمَا سلف
وَمَا ذَكرُوهُ من تَجْوِيز انخراق الْعَادَات فى زمننا فَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَحِيل بِالنّظرِ إِلَى الْعَادَات لَا بِالنّظرِ إِلَى العقليات كَمَا سبق تَحْقِيقه فَإِذا الْفرق المرضى لَيْسَ إِلَّا فى أَن المعجزة وَاقعَة على وفْق الدَّعْوَى دون غَيرهَا من الْأَفْعَال وَلَا افْتِرَاق بَينهمَا فى الْجَوَاز العقلى اَوْ فى غير ذَلِك
[ ٣٣٥ ]
لم يبْق إِلَّا قَوْلهم إِن الاضلال على الله تَعَالَى جَائِز وَإِظْهَار المعجزة على يَد الْكَاذِب جَائِز أَيْضا وَذَلِكَ أَيْضا مَوضِع إِشْكَال وَقد أجَاب عَنهُ بعض الْأَصْحَاب فَقَالَ لَو توقف الْعلم بتصديقه على الْعلم بِكَوْن الْمُصدق لَهُ غير قَاصد للإغواء وعَلى كَونه غير كَاذِب لوَجَبَ أَن من حضر مجْلِس الْملك وَقد قَامَ فِيهِ وَاحِد من عرض النَّاس فَادّعى الرسَالَة وَوَقعت المعجزة لَهُ من الْملك على النَّحْو الْمَفْرُوض أَلا يحصل لَهُ الْعلم بصدقه مَعَ قطع النّظر عَن كَون الْملك غير قَاصد للإغواء وَذَلِكَ مُخَالف للضَّرُورَة ومكابر للبديهة وَفِيه نظر
فَإِذا السَّبِيل فى الِانْفِصَال عَن هَذَا الخيال أَن يُقَال قد بَينا أَن إِظْهَار المعجزة على يَده فى مقرن دَعْوَاهُ وحصولها على وفْق مقَالَته ينزل منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل إِنَّك صَادِق فِيمَا تَقول فَلَو كَانَ الرَّسُول كَاذِبًا لَكَانَ الْمُصدق لَهُ كَاذِبًا وَقد بَينا اسْتِحَالَة ذَلِك فى حق الله تَعَالَى فَهَذَا مَعَ تَقْرِير القَوْل بِأَن مَقْصُوده إِنَّمَا هُوَ الإغواء وإلقاء النَّاس فى المضال والأهواء جمع بَين النقيضين وَذَلِكَ أَنه إِذا ثَبت اسْتِحَالَة الْكَذِب فى حق الله تَعَالَى وَأَن إِظْهَار المعجزة على يَده دَلِيل على تَصْدِيقه فى رسَالَته اسْتَحَالَ كَونه كَاذِبًا مِمَّا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَنه رَسُول وَالْجمع بَين كَونه كَاذِبًا أى لَيْسَ برَسُول وَبَين مَا يدل على انه رَسُول مُسْتَحِيل قطعا
[ ٣٣٦ ]
وَبِهَذَا يتَبَيَّن ضعف قَول بعض الْأَصْحَاب بِجَوَاز ظُهُور المعجزة على يَد الْكذَّاب بل لَو قدر كذب من ظَهرت المعجزة على يَده من غير مَا دلّت المعجزة مِنْهُ على صدقه لقد كَانَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْعقل جَائِزا وَلما كَانَ وُقُوعه بِالنّظرِ إِلَيْهِ مُمْتَنعا
وَعند هَذَا فَلَا بُد من التنيبه لدقيقة شدت عَن مطولات الْكتب وجهابذة الْمُتَكَلِّمين وهى أَنه لَو قَالَ النبى آيَة صدقى ظُهُور جمل اَوْ نَاقَة فى هَذَا الصندوق أَو هَذِه الصَّخْرَة وَذكر من نَعته وَصفته مَعَ سبق علمنَا بِعَدَمِ ذَلِك ثمَّ ظهر على وفْق قَوْله ودعواه فعلى قَوْلنَا بِجَوَاز ظُهُور الخارق على يَد من لَيْسَ بنبى يجوز ان يكون قد أُوتى بمخبر خَبره قبل التحدى وَعند ذَلِك فالخارق إِنَّمَا هُوَ علمه بذلك واطلاعه عَلَيْهِ لَا نفس خَبره عِنْد التحدى وَبعد الْعلم بِهِ فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمعجز وَإِلَّا كَانَ كل من أخبر عَن ذَلِك بعد مَا حصل لَهُ الْعلم بِهِ أَن يكون خَبره معجزا وَهُوَ هوس
وَإِذا لم يكن الخارق المعجز إِلَّا مَا قضى بِجَوَاز سبقه على التحدى فقد سبق إِلَى فهم بعض المجوزين لذَلِك القاصرين عَن الْإِحَاطَة بقواعد خَواص الْمُتَكَلِّمين أَن ذَلِك لَا يكون آيَة وَلَا دَلِيلا على الصدْق وَلَا يعلم أَن ذَلِك يجر إِلَى إبِْطَال اعجاز الْقُرْآن وَجعله دَلِيلا ١٢٩ أمصدقا لتحَقّق هَذَا الْمَعْنى فِيهِ بل وَيلْزم مِنْهُ ابطال سَائِر المعجزات لجَوَاز أَن يكون قد أعلم الله ذَلِك الشَّخْص بِأَنَّهُ سيشق الْبَحْر فى وَقت كَذَا وسيقلب الْعَصَا حَيَّة إِلَى غير ذَلِك وأنى يكون ذَلِك وَالله تَعَالَى بِمَا منحه من هَذَا لاطلاع الخارق والإحاطة بالمعجزة مَعَ عمله بِأَنَّهُ سيتحدى ويستند فى الِاسْتِدْلَال والإعجاز إِلَى مَا أظفره بِهِ ينزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بالْقَوْل وَإِن تَأَخَّرت معرفَة ذَلِك إِلَى حِين وَهل بَين ذَلِك وَبَين مَا لَو كَانَ حُصُوله مُقَارنًا للدعوى فرق فى هَذَا الْمَعْنى
نعم شَرط ذَلِك أَلا يكون هَذَا الخارق قبل التحدى قد ظهر للنَّاس مِنْهُ واشتهر عَنهُ
[ ٣٣٧ ]
فَإِن إِظْهَاره لَهُم عِنْد دَعوته لَا ينزل فى نظر الْعُقَلَاء منزلَة التَّصْدِيق وَهَذَا بِخِلَافِهِ إِذْ لم يكن ظُهُوره لَهُم على يَده إِلَّا مُقَارنًا لدعوته وَمن نظر فِيمَا قَرَّرْنَاهُ بالتحقيق انْدفع عَنهُ خيال اشْتِرَاط عدم سبق المعجزة مُطلقًا فى تَنْزِيله منزلَة التَّصْدِيق
وَمَا أُشير اليه من إِلْزَام إفحام الرُّسُل فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو قيل بِوُجُوب الْإِمْهَال فى النّظر وَالِاعْتِبَار بالعبر وَهُوَ إِنَّمَا يلْزم الْمُعْتَزلَة حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِوُجُوب الامهال عِنْد الاستمهال وَلَا محيص لَهُم عَنهُ فَأَما على رأى أهل الْحق فَلَا وأنى يجب ذَلِك على من ظهر صدقه فى مقَالَته بالدلالات الْوَاضِحَة والمعجزات الائحة لَا سِيمَا وَهُوَ متصد للدعوة الشامخة والكلمة الباذخة وَمَا فِيهَا من صَلَاح نظام الْخلق والإرشاد إِلَى السَّبِيل الْحق الذى بِهِ يكون معاشهم فى الدُّنْيَا وَحُصُول سعادتهم فى الْأُخْرَى وَإِنَّمَا ذَلِك مبْنى على فَاسد أصُول الْخُصُوم فى التحسين والتقبيح وَقد أبطلناه بل وَلَو وَقع الْإِلْزَام على أصلهم بقبح التَّأَخُّر والإمهال فى النّظر حَيْثُ لم يرشدهم إِلَى الْمصَالح ويحذرهم من المهالك ويعرفهم طَرِيق السَّعَادَة ليسلكوها ومفاوز المخافة ليرهبوها بعد مَا ظهر صدقه واتضحت كَلمته بالمعجزات القاطعة والبراهين الساطعة لم يَجدوا إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا
كَيفَ وَأَن مَا يجب النّظر لأَجله فالنبى قَائِم بصدده ومتكفل بأوده من تَعْرِيف ذَات البارى وَصِفَاته وَمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وَلِهَذَا إِذا فحص عَن أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وجدناهم فى الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى معرفَة وحدانيته سابقين وَلذَلِك على دَعْوَى النُّبُوَّة مقدمين
وَعند ذَلِك فَلَيْسَ طلب الْإِمْهَال مَعَ مَا ظهر من صدق الرَّسُول ودعوته إِلَى مَا فِيهِ صَلَاح نظام الْمَدْعُو مَعَ إِمْكَان وُقُوع الهلكة على تَقْدِير التَّأَخُّر إِلَّا كَمَا لَو قَالَ الْوَالِد لوَلَده مَعَ مَا عرف من شفقته وحنوه ورأفته إِن بَين يَديك فى هَذَا الطَّرِيق سبعا
[ ٣٣٨ ]
أَو مهلكة وَإِيَّاك وسلوكه وَكَانَ ذَلِك فى نَفسه مُمكنا فَقَالَ الْوَلَد لَا أمتنع من ذَلِك مَا لم أعرف السَّبع أَو الْمهْلكَة لقد كَانَ ذَلِك مَه فى نظر أهل الْمعرفَة يعد مستقبحا ومخالفا للْوَاجِب وَلَو لم ينْتَه فَهَلَك كَانَ ملوما مذموما غير مَعْذُور
وَأما مَا ذَكرُوهُ من قبح الْبعْثَة إِلَى من علم الله أَنه لَا يُؤمن فَهُوَ أَيْضا مبْنى على أصلهم فى التلكيف لما لَا يُطَاق والقبح وَالْحسن وَقد أفسدناه
ثمَّ يلْزم الصابئة الملتزمين لتصديق شِيث وَإِدْرِيس وَمن الْتزم من البراهمة بِتَصْدِيق آدم وابراهيم الْمَنْع من إِحَالَة تَصْدِيق غَيرهم من الْمُرْسلين فَإِنَّهُ مهما وجد دَلِيل يدل على صدق بعض المخبرين بطرِيق الْيَقِين لم يمْتَنع وجود مثل ذَلِك فى حق غَيره أَيْضا
وَمَا انْفَرَدت بِهِ التناسخية فَهُوَ فرع أصلهم فى التناسخ وَقد أبطلناه وَعند ذَلِك فَلَا بُد من معرف يعرف بالطرق الجيدة وَالْأَحْوَال السديدة الَّتِى يتَعَلَّق بهَا صَلَاح الْخلق فى مآلهم فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يعرف الْعقل إِذْ الافعال مِمَّا لَا تقبح وَلَا تحسن لذواتها حَتَّى يسْبق الْعقل بدرك الصَّالح وَالْفَاسِد مِنْهَا بل لَعَلَّ الْعقل قد يقبح مَعَ النَّفس بغض الْأَفْعَال الَّتِى تحصل بهَا الملاذ وتتعلق بهَا الْأَغْرَاض إِذا قطع النّظر عَمَّا يتَعَلَّق بهَا من الملاذ
ثمَّ العَبْد إِذا انْتهى إِلَى الْعَالم العلوى أَو السُّفْلى جَزَاء على فعله فَمَا يَفْعَله فى حَالَة خسته اَوْ فِي حَالَة رفعته مِمَّا يُوجب اقْتِضَاء زِيَادَة فى حَاله يبْقى مِمَّا لَا مُقَابل لَهُ لانتهائه فى دَرَجَة الثَّوَاب إِلَى مَا لَا دَرَجَة للثَّواب بعْدهَا وَكَذَلِكَ فى دَرَجَة الْعقَاب أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يفضى إِلَى
[ ٣٣٩ ]
تَعْطِيل طَاعَة من هُوَ فى الدرجَة الْعليا عَن الثَّوَاب ومعصية من هُوَ فى الدرجَة السُّفْلى عَن الْعقَاب وَهُوَ مِمَّا يقبح على مُوجب اعتقاداتهم وَلَا محيص عَنهُ
وَلَا يتخيلن أَن إِنْكَار الرسَالَة مِمَّا يستدعى الْإِقْرَار بهَا من جِهَة الْخَبَر عَن الله تَعَالَى بِأَن لَا إرْسَال وَلَا رَسُول كَمَا ظن بعض الْأَصْحَاب إِذْ الْخَيْر بذلك ونفيه إِنَّمَا يسْتَند عِنْدهم إِلَى الدَّلِيل العقلى لَا إِلَى التَّوْقِيف السمعى وَذَلِكَ لَا يلْزم مِنْهُ الِاعْتِرَاف بالرسالة أصلا إِلَى غير ذَلِك من قضايا الْعُقُول
فَإِذا قد تنخل من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عِنْد النّظر اللبيب والفهم الأريب جَوَاز الارسال وَامْتِنَاع لُزُوم الْمحَال وسيتضح ذَلِك زِيَادَة إِيضَاح بِبَيَان وُقُوعهَا بِالْفِعْلِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٣٤٠ ]