حيث قال: «ادعهم إلى الإسلام» فهذا فيه دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام، وأن العدو يُدعى قبل أن يُقاتل، ولا يُبدأ بالقتال قبل الدعوة (١).
والدعوة من حيث حال المدعو تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون طالبًا للحق محبًا له مؤثرًا له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال.
الثاني: أن يكون معرضًا مشتغلًا بضد الحق، ولكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.
الثالث: أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع إلى الحق، وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن (٢).
«وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ» أي: فأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه التي لا بد من فعلها كالصلاة والزكاة.
«فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا» فيه جواز القسم بغير استحلاف، لبيان عظم الأمر وتأكيد وقوعه، وقد حلف النبي - ﷺ - من غير استحلاف في ثمانين موضعًا كما ذكر ابن القيم.
_________________
(١) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ١١٦)، وللتوسع في ذلك، ينظر مبحث: (هل الأصل في التعامل مع غير المسلمين السلم أم الحرب؟) من كتابي التعامل مع غير المسلمين في السنة النبوية.
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٧٦).
[ ٨٧ ]
«خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» قال النووي - ﵀ -: «تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية، خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها» (١).
وقوله: «حُمْرِ النَّعَمِ»: هي الإبل الحمراء، وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
فائدة:
(حُمْر): بسكون الميم لا ضمها: جمع أحمر، أما بالضم (حُمُر): جمع حمار، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدَّثر: ٥٠].
و(النَّعَم): بفتح النون لا كسرها: الإبل، وأما (النِّعَم) بالكسر: جمع نعمة.
ومناسبة هذا الحديث والذي قبله للباب أن النبي - ﷺ - أمر معاذًا لمَّا بعثه إلى اليمن وعليًّا في خيبر أن يبدآ بالدعوة إلى (لا إله إلا الله).
_________________
(١) شرح مسلم (١٥/ ١٧٨).
[ ٨٨ ]