«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ» دل الحديث على أن النبي - ﷺ - يخاف على أصحابه مع قوة إيمانهم من الشرك الأصغر، فنحن مع ضعف إيماننا وقلة معرفتنا يجب أن نخاف من الشركين الأصغر والأكبر من باب أولى.
«فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» الرياء لغة: مشتق من الرؤية، يقال: راءيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه (١).
والرياء في الشرع: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (٢).
والرياء ينقسم -باعتبار إبطاله للعبادة- إلى قسمين (٣):
الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤).
الثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره.
القسم الثاني: أن يسترسل معه؛ فهذا باطل، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أو لا؟
_________________
(١) ينظر: جمهرة اللغة (١/ ٢٣٦)، والمصباح المنير (١/ ٢٤٧).
(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
(٣) هذا التقسيم مستفاد من القول المفيد (١/ ١١٧ - ١١٩) بتصرف.
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩) رقم (٢٩٨٥).
[ ٧٦ ]
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري.
•---------------------------------•
لا يخلو هذا من حالين:
الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيًّا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة.
مثال ذلك: الصلاة فلا يصح أولها مع فساد آخرها.
الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلًا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين أخرى بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها.
«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: » الحديث في الصحيحين (١).
«مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا» (مَنْ) شرطية، ويحتمل أنها موصولة، وهي من ألفاظ العموم، فتعمُّ الذكر والأنثى والعالم وغير العالم.
وقوله: «وَهُوَ يَدْعُو» يشمل الدعاء بقسميه: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
وقوله: «مِنْ دُونِ الله نِدًّا» الند هو: الشَّبيه والمثيل والنَّظير، و(نِدًّا) هنا جاءت نكرة في سياق الشرط، فتعم كل نِدٍّ.
«دَخَلَ النَّارَ» هذا جواب الشرط، وإذا قلنا: إنها موصولة، فالجملة خبر المبتدأ، والمعنى: دخل النار خالدًا فيها؛ لأن الشرك يخلد صاحبه في النار.
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ٢٣) رقم (٤٤٩٧)، وصحيح مسلم (١/ ٩٤) رقم (٩٢).
[ ٧٧ ]
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ».
•---------------------------------•
«وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: » الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه (١) كما ذكر المصنف.
«مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا» أي: من لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع المُجْمَع عليه عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ من مات على ذلك، فلا بُدَّ له من دخول الجنة، وإن جَرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويخلدُ في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين (٢).
وقوله في الحديث: «شيئًا» نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم، والمراد لا يشرك مع الله غيره لا في الربوبية ولا في الألوهية ولا في الأسماء والصفات.
ومناسبة الحديثين للترجمة: أنَّ الشرك تترتب عليه عواقب وخيمة إذا مات الإنسان قبل أن يتوب منه، ومن هذه العواقب خلوده في النار، وهذا أكبر مُخَوِّف عن الشرك.
هل المشرك يخلد في النار؟
- مسألة: هل المشرك يُخَلَّد في النار؟
الجواب: أنَّ هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار، وإن كان أكبر؛ فإنه يلزم منه الخلود في النار، وهذا هو مقتضى الآيات الواردة في كتاب الله عن الشرك.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٩٤) رقم (٩٣).
(٢) المفهم (١/ ٢٩٠).
[ ٧٨ ]