إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ».
•---------------------------------•
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وأثنى سبحانه على القلة، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
«إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ» قد يقال: كيف لم يعرف - ﷺ - أمته، حيث ظن أنَّ قوم موسى - ﵇ - هم أمته؟ وكيف يجمع بين هذا، وبين حديث أبي الدرداء، وفيه: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ » (١)؟
والجواب: أن الأشخاص الذين رآهم في الأفق لا يدرك منهم إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي الدرداء فمحمول على ما إذا قربوا منه (٢).
والسواد في الأصل: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص الذي يرى من بعيد.
وفي حديث ابن مسعود: «فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ» (٣)، وفي لفظ للإمام أحمد: «فَرَأَيْت أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ، فَقِيلَ أَرَضِيت يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْت: نَعَمْ أَيْ رَبِّ» (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٦/ ٦٤، ٦٥) رقم (٢١٧٣٧).
(٢) ينظر في بحث هذه المسألة: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٠٨).
(٣) أخرجه البخاري ٥/ ٢٣٩٦ رقم (٦١٧٥)، وأحمد (١/ ٤٠١) رقم (٣٨٠٦) واللفظ له.
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٣) رقم (٣٨١٩).
[ ٦٦ ]
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ الله؟، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشركُوا بالله شيئًا. وَذَكَرُوا أَشياءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ،
•---------------------------------•
«وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا» «المراد من العدد التكثير والمبالغة، فالعرب تطلق السبعة، والسبعين ألفًا وتريد بذلك الكثرة والمبالغة» (١)، وقد يقال: إن الحديث على ظاهره، وأن المراد بالعدد الحقيقة.
وقد ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين وصف السبعين ألفًا بأنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر.
«يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» أي: لا يعذبون ولا يحاسبون، لا في القبر، ولا في الموقف، ولا في النار؛ لأن قوله: «بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» نكرتان في سياق النفي فتفيدان العموم؛ والسبب في هذا الفضل أنهم حققوا كمال التوكل على الله، وهذا المعنى الذي قصده المصنف، ومن أجله أورد الحديث في هذه الترجمة.
«فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ» أي: تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال (٢).
قال النووي: «وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق» (٣).
_________________
(١) فوائد من شرح كتاب التوحيد لعبد العزيز السدحان ص (١٥)، نقلًا عن شيخنا ابن جبرين - ﵀ -.
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٤٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٥).
[ ٦٧ ]
وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجْلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». رواه البخاري، ومسلم.
•---------------------------------•
«فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ» بما تحاوروا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، قال:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ» أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم.
«وَلَا يَكْتَوُونَ» أي: لا يطلبون من غيرهم أن يكويهم بالنار لأجل العلاج.
ووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: «لَا يَرْقُونَ» بدل: «وَلَا يَكْتَوُونَ» وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الرواية، وقال: إنها غلط من راويها، وهذا هو الصواب، وهي رواية شاذة مخالفة لرواية الثقات.
ومما يؤكد شذوذ هذه الرواية أنَّ النبي - ﷺ - رقى أصحابه وأذن لهم في الرقى وقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (١)، والنفع مطلوب.
«وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، والتطير: مأخوذ من الطير، واسم المصدر منه طِيَرَة، وسيأتي باب خاص بالتطير.
«وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهذا هو الأصل الجامع لكل ما سبق من الأشياء التي في تركها كمال التوكل على الله، ونهاية تحقيق التوحيد له سبحانه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٦) رقم (٢١٩٩).
[ ٦٨ ]