وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الآية، وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
•---------------------------------•
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أفادت الآية أن التوحيد معناه تجرد الإنسان من الشرك وإنكاره له.
قال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «هذا تفسير التوحيد بمعناه فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كقولنا: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كقولنا: إلا الله، فبين أن معنى التوحيد البراءة من عبادة غير الله، والتوحيد لله وحده بجميع أنواع العبادات» (١).
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية أفادت هذه الآية الكريمة أن من أطاع غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه ربًّا ومعبودًا، وذلك ينافي التوحيد.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله» (٢).
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية، أفادت هذه الآية الكريمة: أن من أشرك مع الله غيره في المحبة، فقد جعله شريكًا في العبادة، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد ص (٤٨).
(٢) القول المفيد (١/ ١٠٧).
[ ٩٠ ]
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى الله ﷿».
وَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ.
•---------------------------------•
و«الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادًا» (١).
«وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح مسلم (٢)، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه: طارق بن أَشْيَمَ الْأَشْجَعِيِّ.
«مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» أي: نطق بها وعرف معناها وأقر بها وعمل بمقتضاها.
«وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله» أي: تبرأ وأنكر كل معبود سوى الله بقلبه ولسانه، كان حكمه أنه «حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» فلا يحل للمسلمين أخذ ماله وسفك دمه، بناءً على ما ظهر منه.
«وَحِسَابُهُ عَلَى الله ﷿» فهو الذي يتولى حساب من تلفَّظ بالشهادة، فيجازيه على حسب اعتقاده، فإن كان صادقًا أثابه، وإن كان منافقًا عذبه.
وقد علق النبي - ﷺ - - في هذا الحديث وغيره - عصمة المال والدم بأمرين:
الأمر الأول: قول: لا إله إلا الله.
_________________
(١) القول المفيد (١/ ١٥٦).
(٢) (١/ ٥٣) رقم (٢٣).
[ ٩١ ]
والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.
وقد أجمع العلماء على ذلك، وعلى أنه لا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك.
لكن بعض من وقع في الشرك في هذه الأزمنة، وفي زمن الإمام المجدد، وقبله لا يقولون: سنتخذ مع الله إلهًا آخر، وإنما يقولون: شيخًا، وسيِّدًا، وفقيهًا، وأبًا. وشركهم مع الله يسمونه توسلًا، وواسطةً، ونحو ذلك. والمعنى واحدٌ، وتغيير الأسماء لا يغير من الحقيقية شيئًا.
«وَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ» أي: هذا الباب: (تفسير التوحيد وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) يأتي شرحه وبيانه في الأبواب التالية له.
[ ٩٢ ]