وَقَوْل الله تعَاَلىَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
•---------------------------------•
«والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. فعطف الدعاء على الاستغاثة من باب عطف العام على الخاص. فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة» (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ظاهر الخطاب في الآية للنبي - ﷺ -، وهو عام لكل من يصح خطابه من الإنس والجن، وتوجيهه إلى النبي - ﷺ - لا يقتضي أن يكون ذلك ممكنًا منه، بل حاشاه - ﷺ - أن يدعو من دون الله شيئًا، ولا يمكن أن يقع منه - ﷺ -، باعتبار حاله شرك أبدًا. والحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيًا به، فإذا كان النهي موجهًا إلى من لا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله فهو إلى من يمكن منه من باب أولى (٢).
ومعنى الآية: ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك إن عبدته ودعوته، ولا يضرك إن تركت عبادته، «وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى» (٣).
_________________
(١) فتح المجيد ص (١٦٦).
(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٢٦٢).
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص (٣٧٥).
[ ١٦٠ ]
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [يونس: ١٠٦].
•---------------------------------•
وقوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فإن فعَلْت ذلك ودعوت من دون الله فإنك إذًا من المشركين بالله، الواضعين العبادة في غير موضعها، الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعصية.
قال السعدي - ﵀ -: «فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟ !» (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، «هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾؛ لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي: لا يقدر أحد من الخلق أن يرد فضله وإحسانه» (٢).
ومناسبة الآيتين للباب: ما جاء فيهما من النهي عن دعاء من لا يملك ضرًّا ولا نفعًا؛ بل الله مالك كل ذلك، وإن أصاب بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا هو جلَّ وعلا، وإن أراد أحدًا برخاء أو نعمة لا يمنعه عنه أحدٌ؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، فمن دعا غيره أو استغاث بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو فهو مشرك شركًا أكبر.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن ص (٣٧٥).
(٢) المصدر السابق ص (٣٧٥).
[ ١٦١ ]
وَقَوْله: وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية [العنكبوت: ١٧]. وَقَوْله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٤٦].
وَقَوْله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
•---------------------------------•
﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ أي: إنَّ أوثانكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدر أن ترزقكم شيئًا، فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، وأخلصوا له العبادة والشكر على رزقه إياكم (١).
ومناسبة الآية للباب: أن الله أمر في هذه الآية بطلب الرزق من عنده وحده دون سواه؛ لأنه القادر عليه، فمن طلب الرزق من غيره فيما لا يقدر عليه؛ فقد أشرك.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا أو أمواتًا من دون الله، ويطلب منها ما لا تستطيعه، وهي لن تستجيب له أبدًا.
ومناسبة الآية للباب: أنَّ الآية فيها بيان أن الله وحده هو الذي يجيب الدعاء، وأنَّ من يدعو الأصنام والأموات التي لا تسمع الدعاء ولا تجيب مِنْ أضلِّ النَّاس؛ وهذا يدل على أن الدعاء عبادة لا تصرف لغير الله تعالى.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: أنَّه لا أحدَ يجيب المستغيث المضطر ويكشف عنه السوء غير الله؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة فلا يدعى غيره ولا يستغاث بغيره؛ لأن ذلك من الشرك.
_________________
(١) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٣٧٥).
[ ١٦٢ ]
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله».
•---------------------------------•
هذه الحديث عزاه المصنف للطبراني (١)، وهو ضعيف جدًّا، لكن المعنى الذي اشتمل عليه الحديث صحيح.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجموع الفتاوى (١/ ١١٠)، و(جامع المسانيد والسنن) (٤/ ٥٦٨) رقم (٥٧٨٠)، ومجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩) من طريق سعيد بن عُفَيْر، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٩٥)، وأحمد في مسنده (٣٧/ ٣٨٠) رقم (٢٢٧٠٦)، من طريق موسى بن داود، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٤٤) معلقًا، من طريق زيد بن الحباب، ثلاثتهم (سعيد بن عُفَيْر، وموسى بن داود، وزيد بن الحباب)، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن عبادة بن الصامت. وفي طريق موسى، وزيد: زيادة رجل مبهم بين علي بن رباح وعبادة، ولفظه من طريقهما: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يقام لي، إنما يقام لله». وفي طريق زيد بن الحباب عند ابن أبي حاتم زيادة وطول. وفي الحديث ثلاث علل: العلة الأولى: أنَّ مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف؛ لاختلاطه. العلة الثانية: الاختلاف في سنده، فرواه علي بن رباح عن عبادة مباشرة، في طريق سعيد بن عُفَيْر، ورواه عن رجل مبهم عن عبادة، في الطريقين الأخريين. العلة الثالثة: الاختلاف في متن الحديث، فجاء في طريق ابن عُفَيْر: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله»، وجاء في الطريقين الأخريين: «لا يقام لي، إنما يقام لله»، بدل اللفظ الأول. قال ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٣٣) بعد أن نقل الحديث عن ابن أبي حاتم: «هذا الحديث غريب جدًّا».
[ ١٦٣ ]
«مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ» «هذا المنافق لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أُبَيٍّ، فإنه معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في أعراضهم ونحو ذلك، أما أذاهم بنحو ضرب أو زجر، فلا نعلم منافقًا بهذه الصفة» (١).
«فَقَالَ بَعْضُهُمْ» جاء في كل الروايات التي وقفت عليها أنَّ القائل هو أبو بكر الصديق - ﵁ -.
«قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله» أي: فيما يقدر عليه، لا الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
«إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» وجاء في رواية بدل هذا: «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لله».
«إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.
فعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول - ﷺ - ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه حال حياته، أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي - ﷺ - منها، فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية =
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٩٩).
[ ١٦٤ ]
= لأن النبي - ﷺ - كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقامًا ظاهرًا، إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا، فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله» (١).
«وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» أراد بذلك الاستغاثة المطلقة الكاملة التي لا تكون إلا لله تعالى، وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، بشرط أن يُعْتَقد أن المغيث الحقيقي هو الله، وأما المخلوق فإنما هو سبب، وقد دل على الجواز قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].
ومناسبة الحديث للباب: نهي النبي - ﷺ - صحابته عن الاستغاثة به، فإذا كان ذلك في الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ !
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٢٧٦، ٢٧٧).
[ ١٦٥ ]
باب