وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
•---------------------------------•
ومناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة عظيمة؛ ولذلك جاءت مقترنة بالصلاة، فإذا ثبت أنها عبادة فصرفها لغير الله شرك أكبر، كما أن صرف الصلاة وغيرها من العبادات لغير الله شرك أكبر.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هذا أمر من الله تعالى لنبيه بأن يجعل صلاته وذبيحته خالصة له تعالى، خلافًا للذين يشركون في عباداتهم وينحرون لغير الله.
والنحر: من نحر ينحر نحرا إذا أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحرًا: طعنه في منحره، حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر (١).
وللمفسرين أقوال في المراد بالصلاة، والنحر، في الآية، فقيل: المراد بالصلاة: صلاة عيد الأضحى، والمراد بالنحر: نحر الأضاحي يوم العيد.
وقيل معناه: اجعل يدك اليمنى على اليسرى عند النحر في الصلاة.
ولعل الأقرب إلى الصواب أن الصلاة هنا عامة، والنحر أيضًا عام، ويؤيد ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح قرن بالصلاة ولم يخصص، وكذلك الصلاة لم تخصص.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وقوله: (وانحر): مطلق، فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق» (٢).
ومناسبة الآية للباب: كمناسبة الآية التي قبلها، وهي أن النحر عبادة يجب صرفها إلى الله تعالى، ومن صرفها لغيره فهو مشرك شركًا أكبر.
_________________
(١) ينظر: الصحاح (٢/ ٨٢٤)، ومقاييس اللغة (٥/ ٤٠٠)، ولسان العرب (٥/ ١٩٥).
(٢) القول المفيد (١/ ٢٢٠).
[ ١٣٦ ]
عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - بَأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» رَوَاهُ مُسْلِمُ.
•---------------------------------•
حديث عليٍّ - ﵁ - عند مسلم كما ذكر المصنف (١).
«لَعَنَ اللهُ» اللعن الطرد والإبعاد من الخير، وجمع اللعنة: لِعانٌ ولَعَناتٌ.
واللعن من الله: الطرد والإبعاد للملعون عن رحمته، ومن الإنسان: السب والدعاء، وهو طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله لهذا العبد (٢).
«وقوله: (لعن): يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول - ﷺ - يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب» (٣).
«مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله» قال النووي - ﵀ -: «وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا» (٤).
«لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» أَي: أباه وأمه وإن عَلَوَا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٦٧) رقم (١٩٧٨) من طريق عامر بن واثلة، عن علي - ﵁ -.
(٢) ينظر: الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).
(٣) القول المفيد (١/ ٢٢٢).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤١).
[ ١٣٧ ]
ولعن الولد لوالديه قد يكون من باب التسبب، وذلك بأن يلعن والد رجلٍ آخر، فيرد عليه هذا فيسب والده، وقد فسَّر ذلك النبي - ﷺ - في خبر سب الرجل والديه، حيث قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (١). قال المناوي - ﵀ -: «ولعل وجه تفسيره بذلك استبعاده أن يسب الرجل والديه بالمباشرة، فإن وقع سبهما يكون واقعًا بالتسبب» (٢).
وقد يكون اللعن من الولد لوالديه مباشرًا؛ وهذا لا شك أنه أعظم وأخطر من الأول، ولا يتوقع صدوره من مسلم، «فإذا استحق من تسبب لسبهما اللعنة فكيف حال المباشر؟ !» (٣).
«لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» أي: ضمه إليه وحماه. «والإحداث يشمل الإحداث في الدين: كالبدع. والإحداث في الأمر، أي في شؤون الأمة: كالجرائم وشبهها» (٤).
«لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» جمع منارة، وهي العلامة التي تجعل في الحدود بين أرضين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ٣) رقم (٥٩٧٣)، ومسلم (١/ ٩٢) رقم (٩٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٢) فيض القدير (٥/ ٢٧٥).
(٣) المصدر السابق الموضع نفسه.
(٤) القول المفيد (١/ ٢٢٣).
[ ١٣٨ ]