•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان أن التوحيد بأنواعه الثلاثة له فضلٌ عظيمٌ يفوق فضل جميع الأعمال الصالحة الأخرى، ومن هذا الفضل تكفير الذنوب جميعًا، والحصول على الأمن بكل معانيه للأفراد والمجتمعات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، ونحو ذلك. فأراد المؤلف أَنْ يُرَغِّبَ في التوحيد ويَحُثَّ عليه؛ لأن الشيء إذا عُلِمَ فضله ومقامه، تعلقت به القلوب، وحرصت عليه النفوس.
قال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «أراد المؤلف بيان شيء من فضل التوحيد، وأنه أعظم الأعمال في تكفير الذنوب؛ لأنه أساس الأعمال وأصلها، والأعمال لا تصح إلا بعد وجوده» (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد وللباب الذي قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر في الترجمة السابقة وجوب التوحيد، وأنه الفرض الأعظم على جميع العبيد، ذكر هنا فضله؛ وهو آثاره الحميدة ونتائجه الجميلة، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة، مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله (٢).
«وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ» هذا من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفيرها من بعض فضائله وآثاره كما ذكر شواهد ذلك في الترجمة (٣).
_________________
(١) التعليق المفيد ص (٣٣).
(٢) ينظر: القول السديد ص (٢٣).
(٣) ينظر: المرجع السابق ص (٢٣).
[ ٤٧ ]
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢].
•---------------------------------•
و(ما) في قوله: «وَمَا يُكفِّرُ» قيل: هي (ما) الموصولة يعني باب التوحيد والذي يكفر من الذنوب، وقيل هي مصدرية، أي: وبيان تكفيره للذنوب، وهذا أرجح؛ لأن الأول يوهم أن ثمَّ ذنوبًا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد (١).
والتوحيد له فضائل كثيرة وعظيمة، منها أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما (٢).
«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾» أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك؛ لأن الظلم هنا المراد به الشرك، ولذلك لما نزلت هذه الآية شَقَّ ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله، أَيُّنَا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٣).
و(الظلم) في آية الباب جاء نكرة في سياق النفي فيعمُّ كلَّ أنواع الظلم، ولكن العموم هنا دخله التخصيص، فيكون المراد به عموم أنواع الشرك، وليس عموم أنواع الظلم.
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩).
(٢) ينظر: القول السديد ص (٢٣).
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ١٨) رقم (٦٩٣٧)، ومسلم (١/ ١١٤) رقم (١٢٤)، من حديث عبد الله ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٤٨ ]
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» أخرجاه.
•---------------------------------•
ووجه مناسبة الآية للباب: أنَّ من لم يلبس إيمانه بشرك فله الأمن التام، والاهتداء الكامل، وهذا من أعظم فضائل التوحيد، ويظهر هذا المعنى بذكر الآية بتمامها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
والأمن في الآية شامل لجميع أنواع الأمن؛ فمنه: الأمن النفسي، والاجتماعي، والأمن في الأوطان؛ ولهذا تجد البلد الذي أهله موحدون أكثر الناس استقرارًا، والبلد الذي ينتشر فيه الشرك يضعف في أهلها الأمن والاستقرار، وانشراح النفوس وسعادتها.
يقول ابن القيم - ﵀ -: «على قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء» (١).
حديث عبادة بن الصامت متفق عليه (٢)، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله».
قال النووي - ﵀ -: «هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد» (٣).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٤٣٥)، ومسلم (١/ ٥٧) رقم (٢٨).
(٣) شرح مسلم (١/ ٢٢٧).
[ ٤٩ ]