﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: أمران:
الأول: «بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم مَنْ عُبِدَ مِن دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى، وهيبتهم منه، وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله؟ ! وإذا كانوا لا يُدْعَون مع الله تعالى لا استقلالًا، ولا وساطة بالشفاعة، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء -من الأموات والأصنام- أولى أن لا يدعى، ولا يعبد، ففيه الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من لا يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم» (١).
الثاني: ذكرُ برهانٍ آخر على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وهو إيراد الأدلة التي تدل على عظمة الرب - ﵎- وكبريائه، وخضوع الكون كله من أحياءٍ وجماداتٍ له. وهي تدل بطريق اللزوم على توحيد العبادة؛ فإن الرب الذي له صفات الكمال، وله الجبروت والعظمة هو المستحق للعبادة، والمصنف يريد بذلك إثبات توحيد الألوهية من خلال توحيد الأسماء والصفات؛ فإن الثاني مستلزم للأول (٢).
وبهذا تُعلم مناسبة الباب الظاهرة لكتاب التوحيد.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢١٨)، وينظر أيضًا: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٨٨)، والقول المفيد (١/ ٣٠٦)، وفوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٤٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٣٤).
(٢) ينظر: القول السديد ص (٦٨، ٦٩)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٠٤ - ٢٠٨).
[ ١٧٤ ]
وأما علاقة هذا الباب بالأبواب التي قبله: فهي إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بطلان الشرك.
ففي الأبواب السابقة بيَّن الشيخ - ﵀ - بيان بطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنة.
وفي هذا الباب يبين بطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمل للأبواب السابقة التي قبله في بيان بطلان عبادة كل من عبد من دون الله؛ من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنه إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة -وهم أقوى الخلق خِلْقةً، ومن أقربهم إلى الله ﷾ منزلة- فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى» (١).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾: حتى إذا كُشِف وجُلِّى وأُزيل عن قلوبهم، والضمير عائد على الملائكة (٢). وقُرئ (افْرُنْقِعَ) عن قلوبهم بمعنى انكشف عنها (٣).
_________________
(١) إعانة المستفيد (١/ ٢٢١).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٤)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤)، وهذا قول المحققين من أهل التفسير، ويدل عليه الحديث الآتي؛ ولذلك قال ابن كثير في تفسيره (٦/ ٤٥٥): «وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لصحة الأحاديث فيه والآثار».
(٣) التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٠٦٨)، وهي قراءة شاذة.
[ ١٧٥ ]
﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾: «يسأل أهل كل سماء الذين فوقهم إذا خُلي عن قلوبهم ماذا قال ربكم؟» (١).
﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾: «فيقولون الحق؛ أي: هو الحق يعنون: الوحي» (٢).