•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان تحريم الذبح لله في مكانٍ يُذْبَحُ فيه لغير الله، وهذا الحكم عام فـ «لا يجوز للمؤمنين التشبه بأهل المعاصي ولا مشاركتهم في أماكن المعصية وفي أماكن تعبدهم ولو بغير الذبح، حتى لا ينسب إليهم ويشاركهم» (١).
ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أنه تابعٌ له ومُكَمِّلٌ له؛ فالباب السابق يتكلم عن الذبح لغير الله وهو شركٌ، وهذا الباب هو سدٌّ للذريعة التي تؤدي إلى الذبح لغير الله.
وقد أحسن المؤلف - ﵀ - حيث أتبع هذا الباب الباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة؛ فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها وشركا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم (٢).
«لَا يُذبَحُ» بالبناء للمجهول، و(لا) هنا يجوز فيها وجهان:
الأول: أن تكون نافية (لا يُذْبَحُ) بضم الحاء، ويكون النفي بمعنى النهي.
والثاني: أن تكون لا ناهية (لا يُذْبَحْ) بإسكان الحاء، فتكون الجملة واضحةً في النهي.
_________________
(١) التعليق المفيد ص (٨٣).
(٢) ينظر: القول السديد ص (٦١).
[ ١٤٥ ]
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
•---------------------------------•
في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي من الله - ﷿ - لنبيه أن يقوم في مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى، فبناه المنافقون؛ لأغراض فاسدة جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. وأمره أن يقوم بمسجد قباء الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم.
ووجه مناسبة الآية للباب: من جهة القياس، فمَنْعُ النبي - ﷺ - من أن يقوم في مسجد الضرار مع أنه يتعبد فيه لله، دليل على أنَّ المكان الذي يعصى الله فيه لا يصح أن يقام فيه، فكذلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، لا يجوز أن يذبح فيها لله.
«ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه - ﷺ - أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو - ﷺ - لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح» (١).
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد ص (١٠٣).
[ ١٤٦ ]
عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - ﵁ - قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله؟: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شرطِهِمَا.
•---------------------------------•
حديث ثابت بن الضحاك رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.
_________________
(١) أخرجه داود في سننه (٣/ ٢٣٨) رقم (٣٣١٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٢) رقم (٢٠١٣٩)، والسنن الصغير (٤/ ١٢٠) رقم (٣٢٢٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٧٥) رقم (١٣٤١) عن عبد الله بن أحمد، كلاهما (أبو داود، وعبد الله بن أحمد) عن داود بن رشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول الله - ﷺ - » الحديث. والحديث صحيح، وله شواهد منها: - حديث ميمونة بنت كردم بن سفيان عن أبيها، أخرجه أبو داود (٣/ ٢٣٨) رقم (٣٣١٤)، وابن ماجه (١/ ٦٨٨) رقم (٢١٣١)، وأحمد في مسنده (٤٤/ ٦٢٢) رقم (٢٧٠٦٦) عن ميمونة: «أَنَّ أَبَاهَا لَقِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ رَدِيفَةٌ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: هَلْ بِهَا وَثَنٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ». وإسناد حسن. - حديث ابن عباس - ﵁ -، أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٨٨) رقم (٢١٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٢) رقم (١٢٣٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٣) رقم (٢٠١٤١)، من طريق عبد الله بن رجاء عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَقَالَ: فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ». وإسناده حسن. والحديث صححه جماعة منهم: النووي في المجموع (٨/ ٤٦٧)، وشيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٠)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥١٨)، وابن حجر في التلخيص (٤/ ٤٣٩).
[ ١٤٧ ]